القعقاع بن عنتر.. حين يكون الفقر أكثر فتكًا من البركان..
القعقاع بن عنتر، الشاب اليمني الذي عُرف بلقب "سبايدرمان اليمن"، لم يكن مجرد مغامر يتحدى الصخور والمنحدرات، بل أصبح رمزًا للجرأة والإقدام بفضل قدرته الاستثنائية على تسلق الجبال والفوهات البركانية الخطرة بمرونة لافتة، وهو ما أكسبه شهرة واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي داخل اليمن وخارجه.

غير أن رحلة "سبايدرمان اليمن" انتهت نهاية مأساوية قبل يومين داخل فوهة حرضة دمت البركانية. مأساة القعقاع بن عنتر لم تنته بسقوطه داخل حرضة دمت البركانية اثناء احد عروضه المعتادة هناك، فالسقوط كان المشهد الأخير فقط في قصة بدأت قبل ذلك بكثير؛ بدأت يوم وجد إنسان نفسه مدفوعًا إلى المخاطرة بحياته من أجل الحصول على لقمة عيش في بلد ضاقت فيه فرص الحياة الكريمة.
قبل أيام من رحيله، ظهر القعقاع في مقطع مصور يطلب من الناس مشاركة قصته مع من يستطيع مساعدته فقد سأم حاله ذاك. تحدث بصراحة عن بطالته، وعن غياب مصدر دخل يعيل به نفسه، وعن أمنيته البسيطة في أن يجد عملًا يغنيه عن خوض مغامرات خطيرة قد تكلفه حياته. القعقاع لم يكن يبحث عن الشهرة بقدر ما كان يبحث عن فرصة للنجاة. مات القعقاع داخل فوهة البركان، لكن السؤال الذي يجب أن يظل حاضرًا هو: من الذي أوصله إلى حافة البركان؟ هل كان القدر وحده المسؤول عن نهايته، أم أن الفقر والتهميش وغياب الفرص كانوا شركاء في كتابة الفصل الأخير من حياته؟ إن موت القعقاع ليس مجرد حادثة عابرة، بل مرآة تعكس واقعا اجتماعيًا مؤلما يعيشه آلاف الشباب في اليمن الذين يواجهون البطالة وانعدام فرص الحياة و الأمل، فحين تصبح المخاطرة بالحياة وسيلةً لكسب المال، فهذا مؤشر على عمق الأزمة التي يعيشها المجتمع.
فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروات أو مؤسسات، بل بقدرتها على حماية كرامة الإنسان وتوفير الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم. وعندما يجد المواطن نفسه وحيدًا أمام الجوع والعوز وانسداد الأفق، فإن الفشل لا يكون فشل فردٍ واحد، بل فشل منظومة مؤسساتية كاملة في أداء واجبها تجاه أبنائها. رحل القعقاع بن عنتر، لكن قصته ستبقى تذكيرًا مؤلمًا وشاهدا على حال التردي في البلاد وانعدام الفرص لشبابها.. لتتحول قصته من حكاية مغامرة إلى قصة تثير أسئلة أعمق عن الفقر، والبحث عن الرزق، والظروف التي تدفع الإنسان إلى المخاطرة بحياته من أجل البقاء.
