مهمات الحوار الصعبة
حاولت الكتابة، فتوقف القلم. استشرت عقلي، سألته: ما السبب دونما خوف أو وجل؟ قهقه ضاحكًا، وأردف قائلًا: الحرف صمود وإباء، ما باع ولا اقتفى مسارات الغش والابتذال. الحرف ضمير من عاهد الوطن، ما تبدل ولا ابتذل.
القلم عالم تخشاه آفات الزمن، تحاول اصطياده وتغريه بشتى الحيل. تلك آية الزمن؛ فمن يتقن فقه الكتابة يحترم قيمة ومكانة القلم، ويصارع من يبرمج ترتيب الجمل مدحًا لمولى النعم، أو ذمًا لقولة، لا بأسواق فقه البذاءات التي عوائدها راحة البال، والمدح المدجج بالنفاق، بعيدًا عن التأكيد بأن دور من حرفه لا يمدح سلطانًا ولا يبايع شيطانًا. مهمة من يحترم الحقيقة أن يكشف أين موطن الخلل.
زمن الحرف والقلم وصاحبيه ليسا ضميرًا معلقًا بتلابيب من يتعمد خلق الملل ليملأ الفراغات التي يسكنها من يعزف الكذب بمجلس السلطان، ويتلاعب بالحبر ويكسر سنة القلم. تلك حفنة بلهاء تصنع لنفسها مجدًا ينسف وجه الحق بصورة إبليس، ويزف الحرف المضيء إلى السجن.
يسجد لجلاد الحرف، ويراه أخطر من سيف ديموقلديس. الجلاد يدرك أن الحرف، إن احترمه كاتبه، بات سلاحًا يخشاه من يخشى قوة الفكر لصناعة الأمم. لذا نقول: لنا حرفنا المستقل، تمامًا كما لنا مشروعنا الوطني المتكامل، كمشروع وطني يواجه عوائق شتى، كما يواجه على الأرض بالعقل والحوار من بيديه السيف.
يعلي شأن الحوار بين جميع أبناء الوطن، لا تسيد فيه لمن يأمر وينهي وحده. الفرد الصمد وحده يمتلك الوطن. حوارنا نهج هدفه بناء وطن عبر حوار لا يستثني أحدًا.
حوار هدفه خلق كيان وطني موحد عبر دولة اتحادية، قرارها لا تديره قوى مركز تحيل البقية تبعًا تحت إبطيها، دولة تحمي وتصون، وعبر دستور فعال تُصان مصالح الشعب والوطن. لتتجلى قيمة الوطن حينها، حين يدافع عنها حرف أمين وقلم حر لا يشتريه أحد.
نمر بلحظة فارقة، بل هي لحظة العلا لمن قرروا إعلاء مكانة الوطن وقلمه الحر وحرفه المستنير، بعدما ألغوا من قاموس حياتهم حوار الطرشان، وكان همهم مكانة الوطن قبل مكانة الأنا.
الله يا سقراط، عفوك. في بلادنا مات الحرف، وسقط القلم، ومضى كل إلى حاله تائهًا. قد طالت بنا، وطالت بالبلاد وبناسها، سكة المتاعب والسفر، وأولو الأمر في سبات.
حان الوقت كي يطلق الجمع الوطني رسالة يحملها مشروع الإطار الوطني الواسع الأفق، ضمن رؤية تتضمن نقدًا موضوعيًا لما جرى دونما تعسف أو استهداف، وتقيم حوارًا يبحث عن تطلعات وطنية، تتضمن حشدًا نوعيًا يستوعب من يرغب ضمن رؤى تتوافق ورؤية الإطار المستظل بمظلة الدولة الاتحادية، وعمودها المؤسس على مخرجات الحوار الوطني.
إنها محطة تاريخية لحوار جاد، الإنصات فيه يسبق الرؤية الجاهزة، حوار بناء يستمع إلى كل الأصوات التي يهمها مستقبل اليمن وحل مشاكله، حلًا توافقيًا بعيدًا عن:
1. هيمنة مركز بعينه تحت أي مسوغ.
2. النبذ المطلق لعنصر القوة والتفرد بالقرارات السيادية، سياسية كانت أو اقتصادية.
3. استيعاب ونقد موضوعي لكافة الإشكالات والمحطات التاريخية التي حسمها عنصر الغلبة والقوة والحرب.
الإطار محطة لاستعادة العقل الجمعي الوطني ضمن طاولة حوار حقيقي، بعيدًا عن أي توجهات ذات طابع لا وطني، جنوبًا وشمالًا.
4. الإطار محطة حوار تاريخية لاستعادة الدولة الوطنية كاملة السيادة، دولة المواطنة المتساوية.
الإطار إطار واسع يستمع ويقرأ بعيدًا عن آلية الفرض والتفرد، وما ورد بالمقال مساهمة تنويرية من الكاتب.
