في حضرة العلامة المرجع
لا أظن أنّ في لبنان، على اختلاف طوائفه وملله وأديانه، اثنين يختلفان على احترام هذا الرجل؛ فقد جمع بين العلم الغزير، والتواضع الصادق، والمنطق الرصين، وقلبٍ مفتوحٍ يتّسع للجميع. لقد شكّل حضوره مساحة التقاء نادرة، انعكس صداها إجماعًا واسعًا على تقديره ومكانته، ليس في لبنان فحسب، بل على امتداد العالمين العربي والإسلامي.
اتصل بي يومًا، وأبدى رغبةً صادقة في التوسّط لمن احتُجزوا ظلمًا في عدن، داخل جامع العيدروس. وخلال الحديث، استحضر خلافه مع المرجعية الإيرانية، مؤكدًا أن موقفه منها ثابت لا يتزحزح، حتى تعود المرجعية عربيةً خالصة كما كانت في بداياتها، بعيدةً عن التسييس والتوظيف القومي. وكان يؤمن بأن العربية رابطة جامعة؛ فمن نطق بها فهو منها، مهما كان أصله.

ورغم ما تعرّض له من استهدافٍ وضغوط، لم يلن موقفه، ولم يتراجع عن قناعته. كان يرى أن التشيّع، حين يستند إلى مرجعية عربية، قادرٌ على مدّ الجسور وردم الهوّات، وبناء مساحاتٍ للتلاقي، بخلاف ما يحدث حين يُربط بمرجعياتٍ غير عربية، فتتّسع المسافات وتتعقّد مسارات التقارب.
رحم الله سماحة العلامة المرجع محمد حسين فضل الله، فقد كان صاحب رؤيةٍ تتجاوز الانقسام، وتسعى إلى جمع ما تفرّق، وتخفيف حدّة الاصطفافات في زمنٍ يضيق بالتسامح.
* سفير وبرلماني سابق
[email protected]