صنعاء 19C امطار خفيفة

حرب إيران ودروس النار... العرب حين يكتفون بالمشاهدة

ما يجري اليوم ليس درساً عابراً، بل سلسلة دروس قاسية سوف تتكرر أمام الأمة العربية إذا لم تتحول إلى مراجعة حقيقية أو موقف يرقى إلى حجم الخطر. الأحداث تتبدل، والتحالفات تهتز، وموازين القوة تعاد صياغتها... هذا ما يحصل... بينما يبقى العجز العربي ثابتاً كأنه قدر.

لقد كشفت المستجدات الراهنة وجهاً فظاً من وجوه السياسة الدولية. فغطرسة دونالد ترامب وصفاقته السياسية تمثلان انحداراً غير مسبوق في خطاب ما يسمى "العالم الحر"، ذلك العالم الذي طالما قدّم نفسه بوصفه حارساً للقيم والشرعية. وما نشهده ليس مجرد انحراف في الأسلوب، بل سقوط أخلاقي وسياسي يفضح حقيقة المصالح حين تتجرد من كل قناع.
وفي المقابل، فإن سياسة إيران في المنطقة العربية لم تكن، في جوهرها، أقل خطراً. فمنذ سنوات وهي تمارس دوراً قائماً على التمدد والتأجيج المذهبي والتدخل في شؤون الدول العربية، حتى صار التفاخر بالنفوذ في العواصم العربية خطاباً معلناً لا مواربة فيه. هذه السياسة لم تنجح في بناء استقرار، ولن تنجح، لأنها قامت على تمزيق النسيج الاجتماعي العربي وإضعاف الدولة الوطنية وتحويل المجتمعات إلى ساحات انقسام مذهبي واحتراب.
الأشد مرارة أن العرب وجدوا أنفسهم أمام صراع يبدو، في كثير من وجوهه، صراعاً بين خصوم غاشمين، لكل منهم مشروعه وأطماعه وأدواته، فيما تدفع المنطقة العربية الثمن دماً وأمناً ووحدةً ومستقبلاً. ومع ذلك، فإن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تفضي إلى الخلط الأخلاقي أو السياسي، فإسرائيل (وما رأيناه من مذابح في غزة) تبقى العدو الحقيقي، وهي القاتل الأكبر، وصاحبة السجل الأوضح في العدوان والقتل والتدمير. وربما أنها وجدت في السياسات الإيرانية، وأخطائها الفادحة، ما وفر لها ذرائع إضافية لتوسيع جرائمها بحق العرب.
إن أخطر ما كشفته التطورات الأخيرة هو أن القواعد الأميركية في الوطن العربي لم تكن ضمانة حماية كما أوهم البعض، بل تحولت، في لحظة الاختبار، إلى شاهد صنمي بارد وخبيث، تاركة الأرض العربية عرضة للصواريخ والابتزاز الإقليمي. كما أن الارتهان لممرات استراتيجية تتحكم بها قوى غير عربية، مثل مضيق هرمز، أثبت أن الأمن القومي العربي لا يُبنى على التبعية ولا على حسن الظن بالآخرين.
لهذا كله، لا مخرج للخليج العربي، ولا للعرب أو المنطقة كلها، إلا بالعودة إلى الى الاعتراف بالعمق العربي، لا بوصفه شعاراً عاطفياً، بل ضرورة استراتيجية. فالمصالح الضيقة، والمؤامرات الرخيصة، والتواطؤ على دماء الشعوب وكرامتها، قد تحقق لبعض الأنظمة مكاسب مؤقتة، لكنها تزرع في مستقبلها كوابيس لن تنجو منها.
التاريخ لا يتوقف، وهو يعيد طرح الأسئلة نفسها على أمة لم تحسم أمرها بعد. أما الاكتفاء بالمشاهدة، فليس حياداً، بل شكل من أشكال الهزيمة.

الكلمات الدلالية