جدلية الزمن ١٣ يونيو: نصف قرن على التصحيح ...والدولة لم تصحح
مرت بنا قبل أيام الذكرى الثانية والخمسين لذكرى حركة التصحيح التي قادها الرئيس الشهيد المقدم إبراهيم محمد الحمدي، في ١٣ يونيو عام ١٩٧٤م، وشكلت أول فرصة حقيقية لبناء الإنسان والدولة في اليمن، التي لم تبنى منذ الاستقلال عن الدولة العثمانية، ورغم المحاولة الجريئة في الأفكار والمسارات التي سلكتها خطوات حركة التصحيح، إلا أنها تعرضت بفعل فاعل لعملية مسح ممنهج، رغم استمرار نبضها في قلوب الناس الذين لمسوا أول خطوات سياسية ناجحة وصادقة، والسبب امتلاك صانع القرار نوايا صادقة، وأراده قوية، وقرار وطني، وترجمت تلك المرتكزات إلى فعل عملي على شكل خطة خمسية من ثلاث مراحل رئيسية تبدأ المرحلة الأولى من ١٩٧٦م، وتنتهي ١٩٨١م، ثم تبدأ المرحلة الثانية ١٩٨١م، وتنتهي ١٩٨٦م، ثم تليها مرحلة أكثر تطوراً من ١٩٨٦م، وتنتهي ١٩٩١م، ورغم ظهور العديد على نجاح الخطوات العملية لذلك المشروع الوطني، الذي أمل صانعه أن ينقل اليمن نقله نوعية في مختلف المجالات، باعتبار ذلك جزء أساسي من مهامه في خدمة أبناء الشعب، ورغم البشارات والأماني فقدنا ذلك الحلم يوم ١١ أكتوبر عام ١٩٧٧م، ولازال ذلك لغز لانعرف من يقف وراه، إلا بعض التكهنات التي تعبر عن بعض الانطباعات تجاه حادثة الاغتيال التي يقف وراءها قوى دولية كبرى، ومعها دولة اقليمية لا ترغب بوجود دولة يمنية قوية.
والسؤال الملح لماذا غاب أي مشروع حقيقي لبناء الدولة اليمنية وانتهى باغتيال الرئيس الحمدي، ولماذا صار الحديث عن التصحيح يحتاج إلى تصحيح، وأين الخلل إذن هل في المشروع، أم في الشروط الموضوعية التي تمنح صانع القرار القدرة على اتخاذ قرار بناء الدولة اليمنية، ولماذا استمر فشلنا في انتاج الدولة المنشودة، في الحقيقة أن مشروع بناء الدولة يعاني من اشكالية معقدة لوجود مجموعة من المعوقات التي لا يمكن القفز عليها، يقول المفكر العربي "محمد عابد الجابري" أن سبب فشل بناء دولة عربية مدنية حديثة يعود بالدرجة الأولى إلى ثلاثة أسباب رئيسية لا يمكن اغفالها أو تجاوزها هي:
أولاً: وجود القبيلة: بالرغم من أن القبيلة مكون اجتماعي إلا أنها تشكل عائق كبير أمام بناء الدولة اليمنية المدنية الحديثة، لأن ترسيخ وجود الدولة والقانون والنظام المركزي يتعارض مع وجود القبيلة التي لها نزوع أكثر استقلالية، وأي جهد لإخضاع الناس تحت سقف الدولة والقانون تتعارض مع مصالحها العصبوية التي تعبر عن جماعة محددة من الناس يربطهم القرابة والنسب والدم، وتتعارض مصالح القبيلة مع وجود الدولة القوي، فأي حديث عن التصحيح الذي قامت به حركة ١٣ يونيو يصبح مدعاة للسخرية، ويتحول إلى عادة، والدولة إلى وهم، وهذا جعل الرئيس إبراهيم محمد الحمدي، يتنبه لذلك، فقام بوضع حد للقبيلة، ونحاها جانباً وحل محلها مؤسسات الدولة، وبالعودة إلى فشل الاستمرار في نهج الرئيس الحمدي، نجد أن النخب اليمنية فشلت في ايجاد مسار يكمل ما بدأه قادة التصحيح يقود إلى بناء الدولة. وبالعودة إلى الخلف قليلاً ومن خلال حديث "حميد الأحمر" أو حميد صندقة، في حديثه عن مشروع الرئيس إبراهيم محمد الحمدي، بقوله:" من قاله يضع رأسه برأس القبائل" وهذا القول يعطينا استنتاج مفاده أن القبيلة تأمرت على مشروع بناء الدولة اليمنية، التي قادها الرئيس إبراهيم محمد الحمدي، ومن بعده ظلت فكرة تراوح مكانها، لم تجد من يحولها إلى فكرة وواقع عملي والسبب نفوذ القبيلة على حساب بناء الدولة.
ثانياً: الغنيمة: يقصد بذلك موارد الدولة المالية التي يتم نهبها بعيداً عن صرفها على المشاريع والبنى التحتية والخدمية، لاسيما أن الاقتصاد الريعي الذي تغيب فيه وسائل المراقبة والمحاسبة يجعل من موارد الدولة وأموالها مجرد غنائم يستفيد منها ثلة صغيرة على حساب الأمة والشعب، وبدلاً من الاهتمام بمصالح الشعب ورعايتها، وبناء مؤسسات الدولة وبنيتها التحتية، والتوسع في بناء المشاريع التي تدعم الاقتصاد والدخل، يتم نهب الأموال العامة لصالح الرئيس ولطانته، بدلاً من الشعب الذي يحرم بفضل هذا النهب الممنهج من أمواله التي تبدد وتحرم الأجيال منها، لصلح قوى متنفذة لا أحد يملك القدرة على الوقوف أمامها لتخليص أموال الشعب ومنع نهبها، والسبب امتلاك هؤلاء المتنفذين لأدوات القمع والبطش واسكات أي صوت وطني يدافع عن المال العام، وما عمله الرئيس الحمدي في هذا الاتجاه أنه أزاح القوى المتنفذة في البلاد التي شكلت عائق أمام بناء الدولة لوجود تعارض بين مصالحها، ومصالح وجود الدولة ومؤسساتها، وكانت خطوة متقدمة للرئيس إبراهيم الحمدي في هذا الاتجاه لكنها قادت لتكالب اصحاب النفوذ وناهبي المال العام لإزاحته من طريقهم، لأن مشروع بناء الدولة اليمنية يتعارض مع مصالحهم الخاصة، لذلك أن الحديث عن ذكرى حركة ١٣ يونيو عام ١٩٧٤م، هو حديث عن سؤال الدولة اليمنية، بين شرعية الدولة ومشروعية بقائها، وما يميز بين شرعية الحركة التاريخية ومشروعية استمرارها هو سؤال بحاجة إلى اجابة منطقية، لاسيما مع وجود الدعوات التي تنادي بتصحيح مسار الدولة وبناء مؤسساتها، والحديث عن هكذا هراء يتعارض مع المنطق، الذي لا يستقيم معه أي أمكانية لمعالجة ذلك باستخدام تلك الأدوات التي هدمت، وأن القول بضرورة المعالجة بتلك الادوات يعني في الحقيقة استمرار الخطأ.
ثالثاً: الدين: يشكل عائق امام بناء الدولة ومؤسساتها فالدولة بطبيعتها ليست إنسان حتى تكون متدينة، لأنها مجموعة من النظم والمؤسسات التي يديرها البشر، إذن كيف يكون الدين عائق، هل أن الصلاة، والشهادتان، والحج، والزكاة، والصوم، تتعارض مع بناء الدولة؟ الاجابة أن كل ما سبق لا يتعارض مع بناء الدولة؟ أذن أين المشكلة تكمن في الأشخاص الذين يستخدمون الدين لمصالح سياسية واجندات خاصة الهدف منها حماية أنفسهم وبقاء مشروعهم السياسي بعباءة دينية، تمنحهم صفة شرعية ومشروعية، في الحكم على حساب بقية ابناء الشعب، ومنح أنفسهم صفة مقدسة على حساب الأخرين، وهذا الأمر حاول الرئيس إبراهيم محمد الحمدي حله، بعد أن جمع الكثير من العلماء والخطباء والفقهاء، وتحدث إليهم أن مشروع الدولة وبناء مؤسساتها لا يتعارض مع الدين، وأن الجميع متدينين بالفطرة، وأن المشكلة والعائق الذي يقف أمام بناء الدولة استغلال المساجد، والمنابر، والخطاب الديني، والفتوى، سياسياً، بهدف ضرب مصالح الدولة، ومنع تطويرها وتحديث مؤسساتها، وتسليط المنابر لتقديس اشخاص على حساب الوطن.
والخلاصة: أن الحديث اليوم عن بناء الدولة وفق المعطيات السابقة هو حديث عن تناقض فلسفي للوجود والعدم لأن ذكرى ١٣ يونيو هي في اعتقادي ذكرى سؤال الدولة ومرثية جوابها المؤجل ولا مفر من قول الحقيقة المرة أن ١٣ يونيو ظلت ولازالت سؤال إلى اليوم، ولم تتحول إلى حل، والجواب على سؤال الدولة ظل فكرة لوجود الدولة المؤجل، أي أن اجابة السؤال لم يولد بعد.
رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار
