صنعاء 19C امطار خفيفة

قراءة في مشهد الصراع بين واشنطن وطهران.. هدنة هشة ام إعادة تموضع؟!

تبدو الهدنة المعلنة لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وكأنها نقطة توقف مؤقتة في صراع مفتوح أكثر مما هي مقدمة لسلام دائم. في بيئة إعلامية مشبعة بالتضليل والتناقض، تتزاحم الروايات المتباينة، حيث يعلن كل طرف انتصاره وفق معاييره الخاصة، في محاولة واضحة لإعادة تشكيل الإدراك العام داخليًا وخارجيًا.

إيران، من جانبها، تسوق خطاب "الصمود والانتصار"، معتبرة أن مجرد بقائها وتفاديها ضربة قاصمة يمثل إنجازًا استراتيجيًا، بل وتؤكد أن أي وقف لإطلاق النار تم بشروطها، وليس نتيجة إملاءات أمريكية. في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة خطاب "الهيمنة والردع"، معلنة تحقيق انتصار ساحق وإجبار طهران على الرضوخ لشروطها. هذا التباين الحاد في السرديات يعكس طبيعة الحروب الحديثة التي تُخاض أيضًا على مستوى الرواية الإعلامية والنفسية.
أما إسرائيل، فتبدو في موقع أكثر تعقيدًا. فالمؤشرات الأولية توحي بحالة من المفاجأة أو حتى الصدمة من قرار وقف إطلاق النار، ومع ذلك، فإن استجابتها السريعة للقرار الأمريكي تعكس استمرار تبعيتها الاستراتيجية لواشنطن، حتى وإن تعارض ذلك مع أولوياتها التكتيكية. بدا ذلك واضحا في عناوين اخبارها ، فقد نشرت صحيفة والا اليوم:"عملت إسرائيل في الحرب بقوة ودفعت ثمناً باهظاً - بما في ذلك الأرواح - لكن لم يتحقق أي حسم واضح على الإطلاق. الآن، في الوقت الذي يعلن فيه ترامب عن الاتفاق الذي تبلور تقريباً دون التنسيق مع إسرائيل، يجد نتنياهو نفسه مضطراً لإعادة صياغة رسالته من جميع جوانبها."
أما صحيفة هآرتس الاسرائيلية فقد بدات مقالها بالقول:
إسرائيل والولايات المتحدة تخرجان من المعركة باتفاق كله استسلام استراتيجي. بكل الأسى، يبدو أن إسرائيل والولايات المتحدة قد خسرتا هذه الحرب بشكل فادح، ويبدو أن الثمن يجب أن يُدفع نقداً هنا والآن، في لبنان على سبيل المثال، ولكن أيضاً على مدار السنوات القادمة"
السؤال الجوهري هنا: من المنتصر فعليًا؟ الإجابة الواقعية تشير إلى غياب "نصر حاسم" لأي طرف فما تحقق على الأرض أقرب إلى توازن هش، حيث نجحت كل جهة في تجنب خسارة كبرى دون تحقيق مكاسب استراتيجية كاملة.
على المستوى العسكري نجحت الولايات المتحدة وحلفاؤها في توجيه ضربات مؤلمة، سواء عبر استهداف قيادات أو بنى تحتية حساسة، لكن هذه الضربات، رغم قوتها، لم تصل إلى حد الشلل الكامل للخصم. إيران، من جانبها، أثبتت قدرة على الامتصاص وإعادة التكيف والاستمرار، وهو ما يُعد بحد ذاته عنصر قوة في حروب الاستنزاف.
اما على المستوى السياسي تحاول واشنطن تقديم نفسها كطرف يسعى لإنهاء التصعيد عبر التفاوض، لكن هذا التحول يُقرأ أيضًا كإقرار ضمني بصعوبة تحقيق الأهداف بالقوة العسكرية فقط. في المقابل، تستثمر طهران في خطاب "الصمود والانتصار"، ليس فقط داخليًا، بل لتعزيز موقعها التفاوضي خارجيًا. وفي خضم هذا الضجيج الإعلامي والتصريحات المتناقضة، يبدو أن ما نشهده ليس نهاية حرب بقدر ما هو انتقال مرحلي في شكلها، فالحديث عن هدنة لا يعني بالضرورة توقف الصراع، بل قد يعكس إعادة ترتيب للأوراق، وإعادة تموضع للقوى استعدادًا لجولة جديدة قد تكون أكثر تعقيدًا.
أما فيما يتعلق ببنود الاتفاق، فإن الغموض يظل السمة الغالبة، فالتناقض بين التصريحات الإيرانية والأمريكية يوحي إما بوجود تفاهمات غير معلنة، أو بمحاولة كل طرف تسويق الاتفاق بما يخدم مصالحه السياسية. في كلتا الحالتين، فإن الغموض وغياب الشفافية يضعف الثقة في استدامة الهدنة.
مسألة الثقة، تحديدًا، تظل نقطة محورية، فالتاريخ القريب للعلاقات بين هذه الأطراف، المليء بالانسحابات الأحادية والتصعيد المفاجئ، يجعل من الصعب التعويل على التزام طويل الأمد.
على الصعيد الداخلي الأمريكي، يبدو أن تداعيات هذه الحرب تتجاوز الميدان العسكري. إدارة الرئيس دونالد ترامب تواجه ضغوطًا متزايدة، ليس فقط من الشارع الذي بدأ يلمس كلفة الانخراط في صراع خارجي لاناقة له فيها ولاجمل، بل أيضًا من داخل المؤسسة السياسية، حيث تصاعدت الأصوات المعارضة داخل الكونغرس، حيث اعتبر عدد من المشرعين أن الانخراط في هذه الحرب يفتقر إلى مبررات استراتيجية واضحة، ويعرض الأمن القومي الأمريكي لمخاطر غير محسوبة.
بل إن بعض التصريحات ذهبت إلى حد اتهام الإدارة بالانجرار وراء أجندة إسرائيلية، وهو ما يعكس انقسامًا سياسيًا حادًا قد ينعكس مباشرة على المشهد الانتخابي في نوفمبر القادم وهذا ما يخشاه الجمهوريون اليوم، فقد تتحول هذه الحرب من ورقة ضغط خارجية إلى عبء داخلي يهدد فرص ترامب السياسية وحزبه.
باختصار لا يوجد منتصر حاسم في هذه الحرب، فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا تفوقًا عسكريا دون حسم استراتيجي في حين ان إيران نجحت في الصمود والحفاظ على قدرتها على التأثير، دون أن تحقق تفوقًا ميدانيًا. بمعنى ان ما نشهده ليس نهاية صراع، بل إعادة تشكيل لمراحل هذا الصراع، أما الهدنة الحالية، مهما بدت واعدة، تظل محكومة بعوامل هشاشة متعددة: كتضارب المصالح، غياب الثقة، واستمرار الحسابات الجيوسياسية المعقدة وغياب الشفافية. وبين خطاب "النصر" المتبادل، تبقى الحقيقة الأكثر واقعية هي أن جميع الأطراف خرجت بأرباح محدودة وخسائر مؤجلة، في انتظار جولة قد تكون أكثر تعقيدًا.

الكلمات الدلالية