خطوات خارج قفص التجهيل (الخطوة الحادية والثمانون)
الجنوب كجزء من الجمهورية اليمنية، يعيش اليوم مأساة تمضي به إلى حيث لا يعلم إلا الله. وهذا الواقع المؤلم لم يعد يحتمل التفكير السطحي والعاطفي، بل يتطلب عقولًا ناضجة ورجالًا قادرين على التعاطي معه كما هو، وإيجاد مخارج صحية لإشكاليات الوطن!
الجنوب بات مشدودًا بالتزامات عدة: فاتفاق إعلان الجمهورية اليمنية في مايو 1990م، والذي مازال قائمًا قانونيًا يمثل أحد تلك الالتزامات، والقرارات الدولية التي وضعته تحت الوصاية التزامًا آخر، وقيود متعددة أنتجتها العقلية المناطقية التي جعلت منه حمارًا يحمل مشاريع مشبوهة لأطراف إقليمية تركته في نهاية المطاف ليدفع ثمن تلك الأخطاء منفردًا!
الجنوب مطالب بالخروج من دوامة صراعاته، وهذا لن يحدث إلا بترتيب أولوياته، بحيث يقر أولاً بحقيقة دخوله شريكًا في عقد وحدة مايو 90م من بوابة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وليس من بوابة أخرى، وأنه مازال ملزمًا بهذا العقد قانونيًا. وعليه تجديد أدواته وتفكيره لاحتواء صراعاته البينية، وأن يدرك أهمية التوفيق بين المشاريع ألجنوبية المتعددة والمتصارعة كشرط للخروج من تلك الصراعات. والأهم من كل ذلك أن يمتلك الإرادة لتجاوز تبعات موروثه التصارعي التاريخي!
التواجد السعودي في اليمن يأتي بموجب إرادة دولية وليس عدوانًا كما يصفه البعض ممن تضررت مصالحهم المناطقية والشللية. فتحول خطابهم فجأة بتوجيه الكفيل من مذلة وخنوع في التبعية بلغ حد وصف أنفسهم بـ"جنود بيد الملك سلمان يضرب بهم حيث يريد" إلى فجور في الخصومة بلغ حد وصف المملكة بالعدو التاريخي للجنوب! وبالتالي، فوجودها بات واقعًا يستوجب التعاطي معه بموضوعية وعقلانية وموقف يصنع حلولًا ومخارج، وليس بالعاطفة ولا بالبكاء على اللبن المسكوب، والخروج عن الأخلاقيات، ولا بالبذاءة التي لا تسيء إلا إلى أصحابها!
قد تكون للسعودية سلبيات، وهذا وارد ولطالما انتقدناه في أطروحاتنا، ولكن يجب ألا يغيب عنا أن السعودية تتعامل مع دوائر قرار محلية تتمثل فيما يسمى مجلس القيادة وحكومته وجهاز دولة متكامل. هذه الأطراف جميعها تعد شريكة بالنسبة الأكبر في الأخطاء والسلبيات المنسوبة للمملكة، فهؤلاء هم من يوفرون المعلومة ويرشحون شاغلي الوظائف والوزارات وغيرها، وينفذون الخطط على الواقع، وبالتالي فهم من يجب أن يتحمل المسؤولية أولاً وآخراً، وليس السعودية!
البعض المتاجر بالجنوب ومعاناة أهله ومشروعية قضاياه، رغم وصوله إلى حالة سقوط وتردٍ فاضح، وصف فيها الكيان الصهيوني الغاصب بالدولة الصديقة، وقطع العهود بالتطبيع معها، وأعلن تخليه عن عروبته أمام دماء الأطفال واستغاثات الحرائر في غزة، وركع صاغرًا أمام العبث الذي يطال طهارة وسيادة جزيرة سقطرى وغيرها ثمنًا لامتلاكه سلطة الجنوب. إلا أن هذا البعض يصر على تصنيف السعودية وسلطنة عمان، الدولتين العربيتين الإسلاميتين الجارتين، كأعداء تاريخيين!
من الطبيعي أن تحدث صراعات تصل أحيانًا إلى القطيعة السياسية والاقتصادية، وإلى صدامات مسلحة بين أطراف الجوار. وهذا وضع مألوف في العلاقات بين الدول، ولكن غير المألوف هو ذهاب البعض إلى القبول بهذا الوضع في موقع ورفضه في موقع آخر تبعًا لما تمليه مصالحهم ومشاريعهم الضيقة، وتلك آفة صنعتها حالة تدني الوعي وطغيان العاطفة!
اليوم نحن أمام واقع يتطلب التعقل ورفع الوعي والتحرر من التبعيات غير الوطنية، وأن نكون فرسانًا عند الاختلاف مع الآخرين. فالسعودية وسلطنة عمان جارتان تجمعنا بهما العقيدة واللغة والتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة. وقد نختلف معهما ونتصارع، ولكن يبقى ما يجمعنا معهما أكثر مما يفرقنا!
البعض الجنوبي من ضحايا التجهيل لا يتورعون في تصنيفك خائناً ومعادياً للجنوب وقضيته، حتى وإن كانت بصماتك أكثر وضوحًا من بصماته في مضمار الثورة، وحضورك أكبر من حضوره، وتضحياتك أكبر بكثير من تضحياته. ويحاكمونك لمجرد أنك طرقت حقيقة هو يجهلها ويخشاها، ويمعن في دس رأسه في الرمل هروبًا من مواجهتها، ظنًا منه أنه بذلك يسند الجنوب وينتصر لقضيته!
تجربتنا في مشوار الثورة الجنوبية، واطلاعنا عن قرب على الكثير من خبايا وكواليس ذلك المشوار، وضعتنا أمام مئات الحقائق المُرّة التي تعتري وجه الجنوب والتي يجهلها السواد الأعظم من الجنوبيين. فوجدنا أنفسنا ملزمين أخلاقياً بإظهار الحقيقة كما هي، حتى وإن كرهها البعض، وبالطبع كان لابد لذلك من ثمن ندفعه!
