الثلاثاء 16 يونيو 2026
  • الرئيسية
  • التنمر... عادة سيئة أم محاولة لإرضاء الآخرين؟

التنمر... عادة سيئة أم محاولة لإرضاء الآخرين؟

في مجتمعاتنا، كثيرًا ما تبدأ القسوة بكلمة عابرة. نكتة تقال في مجلس، تعليق يطلق في شارع، سخرية من شكل، أو لهجة، أو فقر، أو رأي، ثم يقال بعدها: “كنا نمزح”. لكن السؤال الذي يجب أن نواجهه بصدق: متى يتحول المزاح إلى أذى؟ ومتى تصبح خفة الكلام ثقلًا على روح إنسان لا نعرف حجم ما يحمله في داخله؟

التنمر ليس مجرد تصرف فردي عابر، بل ظاهرة خطيرة في عمقها. قد يبدأ بكلمة، لكنه قد ينتهي بجرح نفسي طويل، أو عزلة، أو فقدان ثقة بالنفس، وفي بعض الحالات قد يتطور إلى أذى جسدي مباشر. وما يجعل الأمر أكثر خطورة أن المتنمر غالبًا لا يرى نفسه مؤذيًا، بل يظن أنه “خفيف دم”، أو “صريح”، أو أنه يمارس حقه في إبداء الرأي. هنا يكمن الخلل: حين تختلط الصراحة بالإهانة، والنقد بالتجريح، والمزاح بكسر الكرامة.

في الشارع اليمني، ومع تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، نلاحظ أن اللغة اليومية أصبحت أحيانًا أكثر خشونة. الناس متعبون، والبيوت مثقلة، والمدارس تعاني، والشباب يعيشون قلقًا طويلًا من المستقبل. لكن التعب لا يبرر أن نتحول إلى مصدر ألم لبعضنا. بل إن الظروف الصعبة تجعلنا أكثر حاجة إلى اللطف، لا إلى القسوة؛ إلى التماسك، لا إلى السخرية؛ إلى كلمة ترفع الإنسان، لا كلمة تزيد حمله.

قد يكون جزء من التنمر محاولة لإرضاء الجماعة. في جلسة أصدقاء مثلًا، يسخر أحدهم من شخص ضعيف أو مختلف، فيضحك الآخرون، فيشعر أنه أصبح مقبولًا بينهم. وهكذا تتكرر الدائرة: شخص يؤذي ليحصل على الانتباه، وآخرون يضحكون كي لا يكونوا الضحية التالية بدورهم. في هذه اللحظة لا يكون المتنمر وحده مسؤولًا، بل يصبح الصمت والضحك مشاركة غير مباشرة في الأذى. فالمجتمع لا يصنع قسوته فقط بمن يسيئون، بل أيضًا بمن يصفقون للإساءة.

ومن صور الخلل أيضًا أننا صرنا في كثير من نقاشاتنا لا نختلف مع الفكرة، بل نهجم على صاحبها. بدل أن نقول: “لا أتفق مع رأيك”، نقول: “أنت جاهل، أنت لا تفهم”. وبدل أن نناقش الموضوع، نفتش عن عيب في الشخص، في أسرته، في منطقته، في شكله، أو في مستواه المادي. هذه ليست شجاعة في الرأي، بل عجز عن الحوار. فالإنسان الواثق من فكرته لا يحتاج إلى إهانة غيره كي يثبت نفسه.

الحل لا يبدأ من القوانين وحدها، وإن كانت مهمة، ولا من المدارس وحدها، وإن كان دورها أساسيًا. الحل يبدأ من إعادة الاعتبار لكرامة الإنسان بوصفها خطًا لا يجوز تجاوزه. كل إنسان، مهما اختلفنا معه، يحمل قيمة لا يجوز المساس بها. الاختلاف في الرأي لا يلغي الاحترام، والضعف لا يبرر الاستهزاء، والفقر ليس مادة للنكت، والمرض ليس موضوعًا للسخرية، واللهجة أو اللون أو المنطقة ليست سببًا للانتقاص.

نحتاج في بيوتنا أن نعلّم الأطفال أن الكلمة مسؤولية. الطفل الذي يسمع والديه يسخران من الناس سيتعلم السخرية قبل أن يتعلم الحوار. والطالب الذي يرى معلمه يحرج زميله أمام الصف قد يظن أن الإهانة وسيلة للتربية. والصديق الذي يضحك على إهانة صديقه يساهم في صناعة ألم قد لا يظهر في اللحظة نفسها. لذلك يجب أن نربي أبناءنا على أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على جرح الآخرين، بل في القدرة على ضبط اللسان، وفهم مشاعر الناس، والاعتذار عند الخطأ.

كما نحتاج إلى شجاعة اجتماعية جديدة: شجاعة أن نقول لمن يتنمر “هذا لا يليق”، دون قسوة ودون تجريح. أن نوقف النكتة الجارحة قبل أن تصبح عادة. أن نحمي الشخص المستهدف لا أن نتركه وحيدًا. أن نجعل مجالسنا، ومدارسنا، وأماكن العمل، ومساحات التواصل الاجتماعي، أماكن أكثر أمانًا للكلمة الطيبة والنقاش المحترم.

قد لا نملك اليوم في اليمن دراسات واسعة تقيس حجم الظاهرة وآثارها بدقة، بسبب الحرب، وتراجع مؤسسات البحث، وانشغال الناس بتأمين أساسيات الحياة. لكننا لا نحتاج دائمًا إلى أرقام كي نرى الألم. يكفي أن نلاحظ طفلًا يخاف الذهاب إلى المدرسة، أو شابًا ينسحب من الحديث لأنه تعرض للسخرية، أو فتاة تخفي موهبتها خوفًا من التعليقات، لندرك أن الأمر ليس بسيطًا.

التنمر ليس خفة ظل، وليس قوة شخصية، وليس صراحة. إنه خلل في علاقتنا بالإنسان، وفي فهمنا لمعنى الاختلاف. ومجتمع أنهكته الحرب والفقر والانقسام لا يحتمل مزيدًا من الجراح الصغيرة التي تتراكم في القلوب. نحن بحاجة إلى أن نختلف برقي، ونمزح برحمة، وننتقد الفكرة دون أن نحطم صاحبها. فالكلمة قد تكون حجرًا، وقد تكون جسرًا؛ والخيار لنا: إما أن نبني بها مجتمعًا أكثر تماسكًا، أو نهدم بها ما تبقى من الثقة بيننا.