صنعاء 19C امطار خفيفة

حين فشلت إسرائيل في تحويل المواجهة مع إيران إلى حرب عربية

من الخطأ قراءة المواجهة الأخيرة بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، بمنطق عسكري صرف، وكأن المسألة لا تتجاوز تبادل الضربات أو حسابات القوة المباشرة.

فجوهر ما جرى لم يكن فقط في الميدان، بل في طبيعة المعركة نفسها: من فرض شكل الصراع، ومن فشل في جر المنطقة إلى المسار الذي يريده.
إسرائيل، ومعها أمريكا، لم تكن تريد فقط إضعاف إيران، بل كانت تسعى إلى هدف أعمق وأكثر خطورة: تحويل المواجهة إلى صراع عربي - إيراني، يعيد ترتيب أولويات المنطقة، وينقل إسرائيل من موقعها كقوة احتلال وعدوان إلى موقع الشريك الضروري في "حماية الإقليم" من الخطر الإيراني.
ولو نجح هذا التحول، لكانت إسرائيل قد حققت مكسبا استراتيجيا يتجاوز أي إنجاز عسكري.
فهي لطالما سعت إلى الهروب من أزمتها السياسية والأخلاقية عبر إعادة تعريف العدو، ودفع الآخرين إلى خوض المعركة التي تريدها هي، لا المعركة التي تفرضها حقائق المنطقة.
لكن هذا الرهان فشل، لأن عددا من الدول العربية الكبرى، وفي مقدمتها السعودية ومصر وقطر والكويت، أدرك أن الانجرار إلى هذه المواجهة لن يخدم الأمن العربي، بل سيحول العرب إلى أدوات في معركة تخدم المشروع الإسرائيلي أكثر مما تخدم مصالحهم الوطنية أو استقرارهم الإقليمي.
وهذا الموقف لا يعني بالضرورة اصطفافا مع إيران أو تبنيا لمشروعها، بل يعني ببساطة رفض الوقوع في الفخ الإسرائيلي.
فالدخول في حرب من هذا النوع لم يكن سيؤدي إلى إضعاف إيران بقدر ما كان سيؤدي إلى استنزاف العالم العربي، وتفجير المنطقة من الداخل، وتعميق انقساماتها وصراعاتها.
وهنا برزت حقيقة مهمة: أن بعض الأطراف التي راهنت إسرائيل على دورها، أو ظنت أنها قادرة على تعويض غياب الموقف العربي الكبير، لا تملك في النهاية الوزن الكافي لإعادة تشكيل مشهد إقليمي بهذا الحجم.
فالتحولات الكبرى في المنطقة لا تصنعها المواقف الإعلامية أو الاصطفافات الصغيرة، بل تحسمها الدول التي تملك الثقل السياسي والاستراتيجي الحقيقي.
أما إيران، فقد استفادت بلا شك من هذا الفشل، لأنها واجهت خصومها دون أن تنجح إسرائيل في تحويلها إلى عدو عربي جامع.
لكن ذلك لا يعني أنها حققت "انتصارا مطلقا"، لأن المنطقة كلها خرجت من هذه الجولة أكثر توترا، وأكثر هشاشة، وأكثر عرضة لجولات قادمة أشد خطورة.
الخلاصة أن إسرائيل لم تفشل فقط في تحقيق أهداف عسكرية أو أمنية، بل فشلت قبل ذلك في فرض تعريفها للصراع، وفي جر العرب إلى حرب ليست حربهم.
وفي مثل هذه المواجهات، لا يكون الانتصار دائما في تدمير الخصم، بل أحيانا في منعه من فرض المعركة التي يريدها.
وهذا، في جوهره، هو ما حدث.

الكلمات الدلالية