صنعاء 19C امطار خفيفة

أنا مش فاهم غلط!

فالشغف يذرعنا كمنفى، وتبقى المحبة غير المشوهة مجرد فرضية في واقع مختل العواطف، يتطلب جهداً مضاعفاً ومعقداً لفهمه. أما الوطن فهو مثل نصل هائج وعاق ينغرس عميقاً وسط الروح غصباً عن الوطن.

المهم لكأن كل شيء مضرج يراقبنا ونحن ننقب عنا هكذا ونضيع، ولذلك تنزلق السعادة منا باستمرار ، حتى أن ضحكة صديقي الحميم تنفصم وتتناقض تماماً من الداخل، بينما لا حيلة له سوى التباهى بها عن طيب خاطر . لكن صدقوني أنا مش فاهم غلط أبداً.. فلقد تمزقت الحكايات الجادة داخلي، ولم يكن أمامي إلا ان أطرد الجنة من تفاحة حنيني المر، أما التهكم ولو كان وقحاً وقبيحاً فهو أعلى تجليات الرقة النابعة من احتجاج الأسى الشفيف بالطبع . غير أنني أحاول التكيف مع كل هذا الهباء القاسي والساذج كي لا أنتحر. ربما لأنني مثل وحش متصوف أشعر بطمأنينة الله في ارتباكي وبارتباكه في طمأنينتي ، أو ربما لأنني كهذا الشعب المحبط والمشرد والطيب والملعون الذي يتعاطى خبز خذلاناته بين جحيمين ، بينما يصر على الحرية وعلى الغناء وعلى العرعرة ، طافحاً بالطهارات وبالمعاصي، كما بنشوة القات وبوجوم الساعة السليمانية ، إلا انه لم يتعب بعد من كل أوثانه وصلواته وخلاعاته وأوهامه وحروبه وحكمته المثخنة . لكن بالرغم من كل شيء لم أكن فاهم غلط على الإطلاق ..بل انني ما زلت أجدد حيرتي كل يوم بالتفاعلات الشهوانية مع مرايا الحقيقة، كما أكابد لخلق صرختي الخاصة باعتبارها ضمانة مناسبة ضد الجنون، ولذلك لم أجرؤ حتى الآن على اعتبار الموت هو الأكثر حنكة للخلاص، بل انني -وبتفاؤل غامض- ما زلت أردد : سنننجو ، ويالفجاجتي . فكلما ابتهج حزني بسبر نوايا الوجود في تجنيحات ذاتي اللامتناهية يحدث فقط أن تحزن بهجتي بسبر نوايا الذات في هذا الوجود الضيق والهش. بس احلف يمين انني مش فاهم غلط.. ربما لأنني سأظل أتلذذ بمسعاي في التيه النافر وأنا اقتفي خطواتي المفقودة ، أو ربما لأن الأيام التي لطخت روحي بمشاهد وأحاسيس اللامعنى العقلاني جداً ، قد علمتني أن اعترض على كل ما حدث وما سيحدث أكثر من اللازم ، أو ربما لأنني ذلك الشخص السيء والجميل بكل ما اقترفه وما سيقترفه من انتظارات وندم وذعر ولامبالاة وخيانات ونسيانات وارتعاشات روحية مُخْضَلّة مشدودة الى الريح ، وبالتأكيد ليس أمامكم سوى أن تسامحوه وتغفروا له دائماً ، على الأقل لأنه مش فاهم غلط.

الكلمات الدلالية