صنعاء 19C امطار خفيفة

اللحظة الخليجية

في مناسبتين متقاربتين زمنياً، بشّر الأستاذ الإماراتي د. عبدالخالق عبدالله في القاهرة بـ"اللحظة الخليجية"، التي هي عنوان كتاب له تنبأ فيه بقيادة الخليج للأمة العربية، استناداً إلى معطيات منها: الثروة، والتقدم العلمي، والتسليح، والمكانة العربية والدولية، مع التركيز على الدور القيادي للإمارات العربية المتحدة.


المناسبة الأولى كانت مع الدكتورة رباب المهدي، الأستاذة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، التي تحاور برشاقة وفهم في بودكاستها "الحل إيه؟"، والثانية في لقاء بالقاهرة كان من بين جمهوره السيد عمرو موسى.
يقول د. عبدالخالق إن الخليج سيقود المنطقة، على الأقل في النصف الأول من هذا القرن، لأن مصر والجزائر ترهلتا، وسوريا في وضع نعلمه جميعاً، وجميعها مجتمعة غير مؤهلة للقيادة. ومن ضمن ما قاله د. عبدالله أن الإمارات تحمي أمن ستة عشر دولة عربية، لم يسمّها ولم يوضح تفاصيل هذه الحماية الأمنية وتكلفتها وقانونيتها، بمعنى: استنادها إلى اتفاقيات معلنة، وهل هي بالأصالة أم بالوكالة، وما صلتها بالتنسيق الأمني النشط بين الإمارات وإسرائيل.
نفهم أن "اللحظة الخليجية" وليدة الثروة، والمال بطبيعته ينطوي على النفوذ، حتى في إطار الأسرة الواحدة، ويولد الدور القيادي أو يغري بتقمصه. وفيما بين الدول، لا دور دون قبول عام، وبمشروع مقبول من كل أصحاب المصلحة.
في لقائه بالدكتورة رباب المهدي، صوّر د. عبدالخالق السعودية بـ"رجل مريض" تتعثر مشاريعه ولديه عقدة الأخ الكبير، وقال إن بلاده أكبر مستثمر في "رؤيتها 2030"، وتردد في القول بأنه لولا استثمارات الإمارات الكبرى فيها لما رأت رؤيتها النور. ويرى أيضاً أن عدم تنفيذ بعض مشاريع الرؤية نكسة تستتبع، بالنتيجة، تنحي السعودية وإتاحتها الفرصة للإمارات لقيادة "اللحظة الخليجية"، ثم قيادة الأمة العربية.
الإمارات، وفقاً له، تملك ثروة سيادية قدرها ترليونا دولار، وهو ما لا تملكه السعودية.
من هذا المنطق، فإن "اللحظة الخليجية" ستكون إماراتية بامتياز، أو حصراً، وخليجية بالاسم. لا يخفى على القارئ عدم وجود توافق تام بين مصالح معظم دول الخليج؛ فسياسات السعودية وقطر وسلطنة عُمان، وربما الكويت والبحرين، لا تتوافق إلا في القليل مع سياسات الإمارات، وحتى مع بعضها البعض، رغم أن الكل في مجلس تعاون واحد.
من جهة ثانية، فإن نجاح "اللحظة الخليجية" يتطلب، من باب أولى، فاعلية مؤسسية ملموسة، ومنها العسكرية، لمجلس التعاون الخليجي، والتوافق على أهداف اللحظة وتكلفتها. وهذا يتطلب تحويل مشروع "اللحظة" من كتاب إلى مشروع شامل في السياسة والاقتصاد والأمن، يقرّه المجلس ويرضى عنه العرب، حكومات وجماهير.
الدول الست تتلقى من إيران ضربات عسكرية يومية، ولم تلتئم في قمة طارئة، في ظرف مصيري، لرسم سياسة مشتركة دفاعية أو هجومية، ولم يُفعّل "درع الجزيرة". وعوضاً عن ذلك، فعّل بعض أعضائه غضبهم على مصر، التي أُريد لها أن تهب من تلقاء نفسها، وبدون دعوة، لتنسيق الأدوار العملياتية العسكرية الدفاعية والهجومية معاً.
العدوان الأمريكي-الإسرائيلي على إيران، ثم العدوان الإيراني على دول مجلس التعاون، كان قميئاً، به إخراج المجلس من وظائفه التقليدية في لحظة مصيرية.
القيادة، تحت أي مسمى، تتطلب وجوباً الاستقلال عن أي إرادة أجنبية، وهذا غير حاصل في الخليج، الذي تجثم على أرضه قواعد أمريكية لحماية إسرائيل، وليس لحماية دوله. وثانياً، تبني سياسات عروبية معادية للصهيونية ولإسرائيل ولأمريكا، المستمرتان في إنكار حق شعب فلسطين المشروع في الاستقلال والسيادة والدولة، وحق العرب جميعاً في التنمية الحقيقية.
كان لمشروع عبد الناصر القومي، السياسي والاقتصادي، قبول جماهيري عربي عفوي، وانحازت إليه الشعوب العربية لأنها رأت نفسها في قلب مشروعه. قاد عبد الناصر الأمة العربية، وبنى تنمية بميزانية سنوية قدرها مليار وخمسون ألف جنيه مصري. الثروة لا تولد، من تلقاء نفسها، دوراً قيادياً مقبولاً وطنياً وعربياً، وتجربة الراحل القذافي حية في الأذهان.
سعى مشروع عبد الناصر إلى توحيد الأمة، وليس تفتيتها، بينما يتبنى المروج لـ"اللحظة الخليجية" سياسة تفكيكية نشطة في أكثر من وطن عربي، أقربها مثالاً اليمن.
اللحظة، من جهة أخرى، لقبولها جماهيرياً، يجب أن تكون عروبية، وضد التطبيع ما لم يحصل الفلسطيني على كل حقوقه، وضد إقامة قواعد عسكرية في الوطن العربي، وبالخصوص في دول اللحظة.
وفقاً لمقال في "مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية"، نُشر في 29 ديسمبر 2025، بعد إعلان اعتراف دولة الاحتلال بجمهورية أرض الصومال في 25 ديسمبر، وصف المقال ما تقوم به الإمارات في أرض الصومال بأنه في إطار استراتيجية أسماها "بناء إمبراطورية نفوذ إماراتية"، تعتمد السيطرة على الموانئ البحرية والممرات الحيوية، بما فيها البحر الأحمر وخليج عدن، والقواعد العسكرية، وتأمين طرق التجارة والطاقة الدولية، بالتنسيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وفي هذا الصدد، كُتب الكثير عن بناء الإمارات قاعدة عسكرية في أرض الصومال لمساعدة إسرائيل على رصد وصد هجمات أنصار الله (الحوثيين) ضدها.

الحاجة إلى عمق استراتيجي:

من البديهي، لنجاح "اللحظة الخليجية" في قيادة الأمة العربية، تسوية ملعب دولة جوار مهمة للخليج كله، هي اليمن، في إطار وحدة اليمن، ثم تأهيل اليمن لعضوية مجلس التعاون الخليجي في غضون ثلاث إلى خمس سنوات.
هذا يساعد، أولاً، على تعريب "اللحظة الخليجية"، وثانياً، الاطمئنان إلى بعدها العربي، وثالثاً، زيادة مساحة قبولها عربياً. هذا بجانب رفض الاحتلال الإسرائيلي وتجميد التطبيع معه حتى تستقل فلسطين وتنشأ دولتها.
إن من يريد القيادة كصاحب رسالة، عليه أن يتواضع، ولا يتعالى لأنه يملك ترليوني دولار، ولا يصف من يفترض بأنه هو المؤهل للقيادة بأنه "ترهل" (مصر)، أو لديه "عقدة الأخ الأكبر" (السعودية)، لأن هذا يفتح الباب للتوجس من "الأخ الأوسط".

إعلان دمشق:

أشار عمرو موسى، في تعليقه على محاضرة د. عبدالخالق، إلى "إعلان دمشق" عام 1991، بعد تحرير الكويت، الذي ضم دول الخليج الست ومصر وسوريا، ونص على التعاون السياسي والاقتصادي والأمني، وقُتل في المهد بسبب ضغوط أمريكية بإيحاء إسرائيلي.
تلك التجربة، التي لم ترَ النور، تعيد طرح السؤال عن أسباب تراجع العمل الوحدوي العربي، وعن ضغوط الخارج، وعن أن نجاح أي مشروع قيادي يتطلب رضا إسرائيل عنه قبل أمريكا.
تلك التجربة ينبغي أن تكون عبرة لأي مسعى للتعاون أو للقيادة، وأن تصبح المصالح العربية هي الهادية لها.

الكلمات الدلالية