كثافة الحضارة وعمق التاريخ أقوى من جحيم ترامب
هذه ليست حرب خرائط ومقدرات وطاقة، هي أشمل وأبعد من هذا بكثير، حرب البعد الديني هو أحد أبعادها وعناوينها، حرب اجتمع فيها أهل عيسى وموسى، اجتمع فيها الإنجيل بالتلمود، وتفرق فيها أهل علي ومعاوية، بالنسبة لترامب وإدارته لا يفرقون بين إسلام سني وآخر شيعي، والإسلام عندهم كله دين كراهية وتطرف وإرهاب، يقول السناتور ليندسي غراهام، وهو أحد المقربين جدًا من ترامب واللوبي الصهيوني: "هذه حرب دينية، ويجب القضاء على الإسلام، وإن إسرائيل تحارب لأجل الإنسانية جمعاء".
يرى العسكريون المحيطين بترامب أن "الحرب على إيران جزء من خطة الله الإلهية، وأن الرئيس الأمريكي ترامب مختار من قبل المسيح لخوض الحرب من أجل إحداث معركة هرمجدون"، هذه حرب مرتبطة بالمقدس واستحضار المسيح.
أما اليهود فمازالت نبوءة الثمانين عامًا تسيطر على العقل اليهودي، على مدى ثلاثة آلاف سنة من التاريخ يعيش اليهودي على فكرة أن أية دولة يهودية لم تُعمر لأكثر من ثمانين عامًا، واليوم مع اقتراب العام 2028 يعيش اليهود كابوس اقتراب الفناء والزوال، فإسرائيل تريد سحق إيران، كون إيران هي الدولة الإقليمية التي تملك القوة والقدرة على المنافسة، هذه حرب تدار على أرض المسلمين، وفوق خزانات النفط والغاز، ومن خلال دماء شعوب فرض عليها أن تكون مادة خام في سوق الخرائط الجديدة، الهدف أبعد من كسر إيران وهزيمتها، الهدف إعادة تشكيل جغرافية المنطقة لكي تكون مطواعة جدًا وأقل ممانعة ومقاومة وأكثر قبولًا بريادة إسرائيلية لهذه المنطقة.
لم يتركوا لإيران إلا خيار المواجهة الصلبة، لم تتمكن إسرائيل من نزع سلاح حزب الله وهو على مساحة 2500 كيلومتر مربع، وبتعداد سكاني مليون ونصف، بعد ضربات استمرت لأكثر من شهرين، وعليه لا يمكن لإسرائيل وأمريكا مجتمعتين سحق دولة بمساحة أقرب من قارة، وبتعداد سكاني يتجاوز تسعين مليونًا كلهم عناوين شهادة بحسب معتقدهم، وبعقيدة ترى أن الاستسلام هو خيانة ثانية للحسين بعد أن تخلى عنه الأسلاف في الزمن البعيد، لذلك يفضلون القتال المتواصل حتى الموت وفاء للحسين.
ما لم يسأل عنه ترامب هو جغرافية إيران وتضاريسها، عمق تاريخها، وكثافة حضارتها، وطبيعة الشخصية الإيرانية العنيدة والصلبة، سواء كان الفرد فيها من أنصار الملالي أو من أنصار القومية، نسي ترامب أهمية التاريخ والجغرافيا والفلسفة والفنون والتنوع، لم يستدعِ للبيت الأبيض مؤرخين وفلاسفة وعلماء اجتماع، وسياسيين، اعتمد على القوة الفائقة، لكنه تفاجأ بحضور التاريخ وقوة الجغرافيا.
عندما أراد هتلر غزو روسيا لم يقرأ التاريخ ولم يقرأ الجغرافيا، لم يقرأ بسالة الروس والقوقازيين، لأجل ذلك كانت روسيا هي مقبرة هتلر وجنوده.
اليوم أمريكا تملك التكنولوجيا الفائقة جدًا والسلاح الأكثر تطورًا في العالم، أمريكا تضع الخطط العسكرية على الورق، وتضع حسابات الربح والخسارة، وكل هذا لا يصنع نصرًا، فالتاريخ والجغرافيا وغزارة الانتماء الديني والقومي هي مفاتيح النفس الطويل في الصمود والمواجهة الصلبة والنصر. أمريكا دولة بلا جذور عميقة، بلا كثافة تاريخ، لذلك ترامب ومن حوله يملكون قوة السلاح في مواجهة دولة تملك قوة التاريخ وقوة الجغرافيا، وشعب صلب متطرف لتاريخه ولقوميته، وبالتالي يصعب كسر أمة بهذا الثراء التاريخي والعمق الإنساني.
المخرج الإيراني العالمي جعفر بناهي، الحائز على جائزة السعفة الذهبية من مهرجان كان السينمائي، وعلى جائزة الدب الذهبي من مهرجان برلين، وهو المعارض الشديد للنظام في طهران والهارب منه، يعود إلى بلاده ويقول بكل شجاعة إنه يقف مع بلاده، وعاد ليموت فيها. هذه هي الشخصية الإيرانية التي لم يقرأها ترامب والإدارة المحيطة به.
اليوم ترامب يهدد بالجحيم ويقول إن "حضارة بأكملها ستموت الليلة". مثل هذا القول المجنون أعلى وأقوى درجة من الفاشية، يمهل ويتوعد بإعادة إيران إلى العصر الحجري، ورجل بهذا الغرور والفاشية لن يتردد بفعل ذلك، لكن كل هذا لن يصنع له نصرًا، والحرب لن تكون خاطفة كما يعتقد ويتصور.
يمكن للقوة الغاشمة أن تدمر وتدك المدن، لكنها لا يمكنها تدمر الأمة، الدول كثيفة الحضارة عميقة التاريخ قد تمرض، لكنها لا تموت، فهي تجيد وتحسن النهوض، وهذا سر ديمومتها.
وفي هذه الحرب انكشفت أقنعة كثيرة، وتبين اليوم بصورة واضحة أن أمريكا لا تريد حماية دول الخليج، بل تريد توريطهم في حربها المجنونة على إيران لكي تنعم إسرائيل بالهدوء والأمان. لقد اختار أمراء الخليج المظلة الأمريكية لحماية بلدانهم من خلال القواعد العسكرية المنتشرة في هذه الدول، وكان ذلك على حساب أي ترتيبات أمنية إقليمية وعربية، تصوروا وبعد كل هذا بغباء شديد يتساءل مستشار رئيس دولة الإمارات: أين مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وفي مقدمتها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ودولنا وشعوبنا تتعرض للعدوان؟! ثم يتساءل: أين الدول العربية والإقليمية الكبرى مما يحدث لنا؟! كان الأجدر به أن يتساءل: ماذا فعلت لهم القواعد الأمريكية التي أنفقوا عليها التريليونات؟ نسي هذا المستشار أن أمراء خليجه تصوروا أن الأمن مثل السلعة يمكن أن تشتريه بالمال، لذلك شاهدنا حجم الابتزاز الذي مارسه ترامب مع أمراء الخليج، هذا الابتزاز المقرون بالسخرية والتهكم مكنه من جمع تريليونات الدولارات، ولكن الحرب الأخيرة كشفت أن هذه القواعد وجدت لحماية إسرائيل، وليس دول الخليج.