صنعاء 19C امطار خفيفة

العمل الدبلوماسي في بلادنا.. التحديات في عالم متغير

الدبلوماسية ليست وظيفة عادية، وليست مجرد منصب يتم التهافت عليه لشغله والحصول على امتيازاته، بل هي ممارسة مستمرة وأداء رفيع يتطلبان قدرات تفاوضية ومهارات عالية لمد وبناء جسور العمل مع الآخر وفتح آفاق التعاون الثنائي والمشترك مع دول العالم. تسهم الدبلوماسية في مواجهة التحديات والاختلافات التي تفرضها المتغيرات والمستجدات التي تشهدها العلاقات بين الدول، وكذا تقديم التوصيات المبنية على التحليلات والمشاورات، والإسهام في صناعة القرارات الاستراتيجية التي تؤثر على البلد وتنعكس على العلاقات التي تربطه مع بقية الدول والتكتلات في العالم.


على مدى فترات طويلة مضت، ابتعثت بلادنا عددًا كبيرًا من السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية الذين تم اعتمادهم لدى الدول الشقيقة والصديقة. ولكن، مع ذلك، لا نتذكر أن عددًا منهم قد أثرى المكتبة الوطنية -مثلًا- بإسهاماته وتجاربه وخبراته خلال فترة عمله الدبلوماسي. حتى إن معظمهم لم يترك إرثًا مهنيًا يذكر، ولم يوثق تجاربه الدبلوماسية إلا في ما ندر، مما يشكل قطيعة مهنية مع الأجيال اللاحقة، والتي تحرم من فرصة التعرف على التجارب والمحطات التي مرت بها بلادنا في علاقاتها الخارجية، والتعرف على ماهية العمل الدبلوماسي ومراحله وعلاقته برسم السياسات والعلاقات الخارجية للبلد.
هذا الأمر يعتبر خسارة كبيرة -فضلًا عن كونه يجسد عبئًا ماليًا وينعكس سلبًا على الصورة الذهنية والمعنوية لدى بقية الدول- بخاصة وأن تجارب هؤلاء الدبلوماسيين يمكن أن تمثل دروسًا قيمة وتجارب لا غنى عنها في تطوير الأداء الدبلوماسي، وذلك من خلال ما قدموه عبر فترات طويلة من الأحداث والتطورات التي عاصروها في المنطقة والعالم.
لقد كان من المهم أن يتم توثيق تجاربهم وإسهاماتهم لكي تكون مرجعًا للأجيال التالية من الدبلوماسيين والمهتمين إذا ما أردنا ذلك.
من جهة أخرى، أتساءل هنا: كم لدينا من مراكز الدراسات والبحوث السياسية والدبلوماسية التي تكون معنية بدراسة التفاعلات والمستجدات الإقليمية والعلاقات الدولية، ويقوم أو يشرف عليها سياسيون ودبلوماسيون يمنيون؟ بحيث تسهم هذه المراكز في تشخيص المشكلات في المنطقة والعالم، لا سيما تلك التي لها علاقة بحاضر ومستقبل بلادنا والأزمات المتتالية التي تواجهها، والتنبؤ بها قبل حدوثها، وتسهم في وضع الحلول والمعالجات الممكنة لها.
لقد كان بالإمكان تقديم تلك التجارب والخبرات في تطوير العلاقات الخارجية والسياسات الدولية، وتأهيل وتدريب أجيال جديدة من الدبلوماسيين، مما يعزز من كفاءة واستدامة الأداء الدبلوماسي لبلادنا، المبني على الكفاءة وقوة الأداء على المدى الطويل، والذي سيكون له أثره المباشر على عمليتي صناعة واتخاذ القرار لتعزيز مكانة البلد الإقليمية والدولية.
واليوم، تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لإعادة النظر في ماهية العمل الدبلوماسي في بلادنا، وتقييم أدائه خلال الفترات الماضية، وإعادة النظر في نوعية المعايير التي تُعتمد لاختيار أو لترشيح الممثل الدبلوماسي للبلاد، ومدى نجاعة تلك التعيينات، لا سيما تلك التي كانت تتم وفق قاعدة المحاصصة أو الانتماء والولاء لطرف حزبي معين -وهو الأمر الذي أضر بمنظومة العمل الوطني بشكل عام وفي كل المجالات- واعتبار شغل المنصب الدبلوماسي مغنمًا؛ لا التزامًا وطنيًا خالصًا يخضع لتقديم صورة ومصالح البلد أولًا وفوق كل اعتبارات ضيقة.
إن العالم اليوم يموج بالمتغيرات الجيوسياسية، والصراعات الحادة التي تؤكد على أن العالم اليوم يمر بمرحلة ولادة جديدة وبكل المقاييس الجيوسياسية، ويمثل العمل الدبلوماسي إحدى أبرز أدوات إعادة تشكيله ومصدر رئيسي للتنبؤ بما ستفضي إليه هذه الأحداث حاضرًا ومستقبلًا، بل يأخذ فيها -العمل الدبلوماسي- مجاله الأوسع لفرض وتحديد مخرجات هذه الصراعات والمخاضات، والتي يخوض خلالها الأداء الدبلوماسي سباقًا محمومًا مع ما يُسعى إلى إعادة صياغته وفرضه من خلال الأجندات والحروب الاقتصادية والعسكرية.
وهو الأمر الذي سيدفع بالبلدان الناشئة والمتخلفة دبلوماسيًا لأن تشحذ هممها وتعزز تكتلاتها السياسية وتطور من أدائها الدبلوماسي، من خلال الاختيار المناسب الذي يصنع الفرق دائمًا، ووضع المعايير الصارمة في مثل هكذا مهمات وبعثات، والاستفادة من الخبرات المتراكمة لديها، وتقديم جيل جديد من الدبلوماسيين يحظى بمستوى عالٍ من الوعي بمتطلبات العمل الوطني والدبلوماسي، ويتمتع بقدرات ومهارات عالية لاختراق ومواجهة تلك التحديات والمتغيرات، وكذا تأسيس مراكز دراسات وبحوث قادرة على ابتكار الحلول المناسبة، والتي تقفز على تلك التحديات وتتجاوزها، وتنتقل بالعمل الدبلوماسي من حالته الرثة هذه إلى آفاق أرحب في عالم صارت فيه الدبلوماسية أداة بل إكسير لبقاء الدول أو تلاشيها.

الكلمات الدلالية