إلى حبيبتي... في عيد ميلادها!!
وأنا أكتب الآن، أسمع ضجيج المطبعة القديمة، ورنين التلفون الأرضي العتيق، وحفيف قلمي وأقلام الزملاء على الورق، وأرى وجوه عمال الصفّ اليدوي: محمد جازم، ومحمد مشعل، وآخرين، وأصابعهم تنتقل بين خانات صناديق الحروف اليدوية يصفّون مقالات المحررين، وعامل الطباعة سعيد راوح، وأشمّ رائحة الحبر، وأسمع صوت آلة التسجيل، وأحد الزملاء يفرغ نشرة الأخبار، والأصوات المتداخلة لـ: أمين رضوان، وعبدالواسع قاسم، ومحمد البيحي، وواثق شاذلي، وعبدالسلام طاهر، ومحبوب علي، وغيرهم من المحررين.
كنا جميعًا نتكدس في غرفة واحدة صغيرة تصدر منها صحيفة 14 أكتوبر، التي صدر العدد الأول منها في مثل هذا اليوم، 19 يناير سنة 1968م، وتقع في شارع اسمه شارع شريف في مدينة عدن – كريتر، من نفس هذه الغرفة والمطبعة.
أشعر الآن، وأنا أحتفل بالذكرى الـ68 لميلاد صحيفة 14 أكتوبر، وهو بالمناسبة يصادف أيضًا عيد ميلادي، بمتعة تلك الأيام الأولى من العمل في الصحيفة؛ متعة الكتابة، والفرح الذي شعرت به عند نشر أول قصة لي. وهي متعة لا تعادلها أية متعة لشاب في مقتبل العمر يرى إنتاجه منشورًا في صحيفة، وسيقرأه الناس!
منذ تلك اللحظة أحببت الصحافة، وارتبطت بالكتابة إلى حدّ العشق، إلى درجة مجنونة، إلى درجة أنني لا أعرف مهنة غيرها. وأعتقد أنه لا توجد مهنة أخرى توفر كل هذا القدر من المتعة، برغم ما فيها من تعب ومسؤولية، لكنك عندما تتعود عليها لا تستطيع الفكاك منها.
وهي حالة من الحب، والعشق، تقدم عليها وتمارسها بقلبك، وعينيك، وأذنيك، وأصابعك، وعقلك، وكل حواسك الأخرى. وإن شئتم، هي حالة تشبه المرض!!
تسألني: ماذا أفعل الآن؟ لا شيء. أكتب. ما زلت أكتب.
على الأقل تشعرني الكتابة بأني حي، موجود. أكتب بعض القصص، بعض الذكريات، أملأ هذا الملل القاهر ببعض الكتابة. ومن قال إن الفراغ سهل، وإن الكتابة ليست صعبة؟ لكنها، على الأقل، تقتل الملل.
أشتاق إلى تلك الغرفة الصغيرة في شارع شريف في كريتر.
أشتاق إلى رائحة الحبر، وضجيج المطبعة «غوتنبرغ».
أشتاق إلى رفقة الحرف، ومعاناة الكلمة في تلك الأيام الأولى في صحيفة 14 أكتوبر.
رحم الله من غادرنا إلى العالم الآخر، وأطال في أعمار من بقي في قيد الحياة، ومتّعهم بالصحة والعافية.
والتوفيق للأجيال الجديدة التي تمسك اليوم بزمام القيادة والعمل في الصحيفة، في ظروف وإمكانيات أفضل بكثير من تلك التي بدأت بها في 19 يناير 1968م، والذين يواصلون تقاليد ورسالة الصحافة السامية بنفس الحب والإصرار لإيصال الحقيقة إلى القراء، والمساهمة في تشكيل الوعي والرأي العام.
أشتاق أن أكون معكم في احتفالكم اليوم بعيد ميلاد محبوبتي «14 أكتوبر»: الغرّاء.
وكان يسعدني لو شاركتموني بعيد ميلادي، الذي هو في نفس التاريخ، ولو من على البعد.
كل عام وأنتم و«أكتوبر» بخير؛ عمّالًا، وصحفيين، وإدارة تحرير، وقراء طبعًا، فلهم نتعب، ولهم نكتب، ويستحقون منا كل الحب والتقدير.
