الإثنين 2 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • لماذا لا يكفي أن نعلّم أبناءنا القراءة والكتابة؟

لماذا لا يكفي أن نعلّم أبناءنا القراءة والكتابة؟

قد يتعلم الطفل كيف يقرأ كلمة "العدل"، دون أن يتعلم كيف يكون عادلًا. وقد يحفظ درسًا عن احترام الآخرين، ثم يكبر وهو ينظر بريبة إلى من يختلفون عنه. وقد يحصل على أعلى الدرجات في المدرسة، دون أن يمتلك الشجاعة لطرح سؤال، أو القدرة على مراجعة فكرة ورثها، أو الاستعداد للاعتراف بأنه قد يكون مخطئًا.

هذه المفارقة تضعنا أمام سؤال يتجاوز المناهج والامتحانات والشهادات: ماذا نريد من التعليم حقًا؟ هل نريد أن نمنح أبناءنا المعرفة فحسب، أم أن نساعدهم على أن يصبحوا بشرًا قادرين على استخدامها بحكمة ومسؤولية؟
في اليمن، حيث يواجه التعليم تحديات هائلة، قد يبدو هذا السؤال سابقًا لأوانه. فهناك أطفال يكافحون للوصول إلى المدرسة، ومعلمون يعملون في ظروف شديدة الصعوبة، وأسر تنشغل بتأمين أبسط متطلبات الحياة. غير أن قسوة هذه الظروف لا تجعل السؤال عن غاية التعليم أقل أهمية، بل ربما تجعله أكثر إلحاحًا. فما جدوى أن نبذل كل هذا الجهد لإبقاء المدارس مفتوحة، إذا لم نتساءل أيضًا عما ينبغي أن يحدث داخلها؟
لقد ترسخ في وعينا تصور للتعليم يربط النجاح بالقدرة على الحفظ، والتفوق بالحصول على الدرجات، والمستقبل بالحصول على الشهادة. ولا شك أن اكتساب المعرفة والمؤهلات أمر ضروري، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه الوسائل إلى غايات نهائية، وحين ننسى أن التعليم ليس مجرد عملية لإضافة المعلومات إلى ذاكرة الإنسان، بل فرصة لتنمية قدراته وتوسيع وعيه وتشكيل علاقته بالعالم.
فالإنسان يستطيع أن يمتلك قدرًا كبيرًا من المعرفة، وأن يظل أسيرًا للتعصب. ويستطيع أن يتقن مهارات معقدة، دون أن يمتلك حسًا بالمسؤولية تجاه الآخرين. وقد يعرف الكثير عن التاريخ، لكنه يعجز عن استخلاص الدروس من أخطائه. وهذه ليست حجة ضد المعرفة، بل تذكير بأن المعرفة وحدها لا تضمن حسن استخدامها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط مقدار ما يعرفه أبناؤنا، بل كيف يفكرون فيما يعرفونه، ولأي غاية يستخدمونه.
ومن هنا تبدأ الحاجة إلى مراجعة بعض افتراضاتنا التربوية. فنحن كثيرًا ما نكافئ الطفل على امتلاك الإجابة الصحيحة، لكننا لا نمنح السؤال الجيد التقدير نفسه. وقد نعدّ الطاعة دليلًا على حسن التربية، حتى عندما تكون على حساب الفضول والاستقلال الفكري. ومع مرور الوقت، يمكن أن يتعلم الطفل أن وظيفته هي تكرار ما يُقال له، لا اختباره أو فهم أسبابه.
وليس المقصود أن يتحول التعليم إلى تشجيع على الاعتراض لمجرد الاعتراض، أو أن يفقد المعلم مكانته ودوره. بل أن تنبع مكانته من قدرته على إيقاظ العقل، لا من احتكار الإجابات. فالمعلم الناجح لا يكتفي بأن يجعل طلابه يعرفون ما يعرفه، وإنما يساعدهم على اكتساب الأدوات التي تمكّنهم من التعلم والتفكير حتى في غيابه.
ولعل هذا الأمر يكتسب أهمية خاصة في مجتمع تتعدد فيه الانتماءات والتجارب والروايات حول الماضي والحاضر. فالطفل الذي يتعلم منذ صغره أن يميّز بين الحقيقة والرأي، وأن يستمع قبل أن يحكم، وأن يفحص الأدلة بدلًا من الاكتفاء بما يقوله أصحاب النفوذ أو الجماعة، سيكون أكثر قدرة على التعامل مع الاختلاف دون أن يراه تهديدًا لهويته.
إن كثيرًا من خلافاتنا لا تنشأ من اختلاف المصالح وحده، بل من الطريقة التي تعلمنا بها النظر إلى أفكارنا وأفكار الآخرين. وحين يعتاد الإنسان أن يرى رأيه حقيقة مكتملة، وأن يفسر الاختلاف معه بوصفه جهلًا أو عداءً، يصبح الحوار عسيرًا، وتغدو إمكانية التعلم المتبادل محدودة. أما التعليم الذي ينمّي التواضع الفكري، فإنه يساعد الإنسان على إدراك أن اقتناعه بفكرة لا يعفيه من فحصها، وأن احترام الآخر لا يستلزم الموافقة على كل ما يقوله.
لكن تنمية العقل، على ضرورتها، ليست سوى جانب من المهمة.
فما الذي يجعل الإنسان يستخدم قدراته لخدمة المجتمع بدلًا من استغلاله؟ وما الذي يمنعه من توظيف ذكائه لتحقيق منفعة شخصية على حساب المصلحة العامة؟ هنا تبرز أهمية التربية الأخلاقية، لا باعتبارها مجموعة من المواعظ التي تضاف إلى الكتب المدرسية، بل بوصفها جزءًا من التجربة التعليمية ذاتها.
فالطالب لا يتعلم العدالة من تعريفها في كتاب التربية الوطنية بقدر ما يتعلمها حين يرى أن قواعد المدرسة تُطبق على الجميع دون محاباة. ولا يتعلم احترام الكرامة الإنسانية من ترديد العبارات الجميلة، بينما يتعرض أحد زملائه للإهانة بسبب فقره أو لهجته أو خلفيته الاجتماعية. ولا تنمو لديه المسؤولية بمجرد مطالبته بأن يكون مسؤولًا، بل حين تُتاح له فرص حقيقية للمشاركة وتحمل نتائج اختياراته.
بهذا المعنى، تحمل المدرسة منهجين في الوقت نفسه: منهجًا مكتوبًا في الكتب، وآخر غير مكتوب يتجسد في العلاقات والسلوك اليومي. وقد يكون المنهج الثاني أعمق أثرًا في تكوين الإنسان من الأول.
ومن المهم كذلك أن نعيد النظر في الفكرة التي تجعل النجاح الفردي الغاية شبه الوحيدة للتعليم. فمن الطبيعي أن يرغب الآباء في أن يحصل أبناؤهم على وظائف جيدة وحياة كريمة، لكن هل تنتهي مسؤولية الإنسان عند حدود نجاحه الشخصي؟ وهل يمكن لمجتمع أن يتقدم إذا أصبح كل فرد فيه أكثر مهارة في تحسين وضعه الخاص، دون أن يصبح أقدر على التعاون مع الآخرين في معالجة المشكلات المشتركة؟
إن التعليم الذي يحتاجه اليمن لا ينبغي أن يكتفي بإعداد أفراد قادرين على المنافسة، بل يجب أن يسهم أيضًا في إعداد مواطنين قادرين على العمل معًا. فالتحديات التي تواجه مجتمعنا، من شح المياه إلى تدهور البيئة وضعف الخدمات وتراجع الثقة، وتدهور المؤسسات الصحية، لا يستطيع فرد مهما بلغت كفاءته أن يعالجها بمفرده. إنها تتطلب معرفة علمية، وقدرة على التشاور، وإحساسًا بالمصلحة المشتركة، واستعدادًا لتحمل المسؤولية.
ويمكن للمدرسة أن تغرس هذه القدرات من خلال ممارسات بسيطة لكنها عميقة الأثر. تخيلوا مثلًا أن يتعلم الطلاب عن المياه، ثم يعملوا معًا على دراسة مشكلة هدرها في مدرستهم أو حيهم، ويقترحوا حلولًا قابلة للتنفيذ. في مثل هذه التجربة، لا يتعلم الطفل معلومات علمية فحسب، بل يتعلم كيف يبحث ويسأل ويستمع ويختلف ويتعاون، وكيف تتحول المعرفة إلى مساهمة ملموسة في حياة الناس.
وهنا يتغير معنى التعليم نفسه؛ فلا يعود الطالب مجرد متلقٍّ ينتظر أن يكتمل تعليمه كي يصبح نافعًا، بل إنسانًا يستطيع، في كل مرحلة من نموه، أن يسهم بحسب قدراته في تحسين الواقع من حوله.
غير أن أي رؤية جادة لإصلاح التعليم يجب أن تحذر من الوقوع في وهم تحميل المدرسة مسؤولية إصلاح المجتمع بأكمله. فالطفل الذي يتعلم في صفه قيمة الحوار، ثم يعود إلى بيئة لا يُسمح فيها بالاختلاف، يعيش تناقضًا يصعب تجاهله. والطفل الذي يتلقى درسًا عن الأمانة بينما يرى أن الغش أو المحاباة قد يكونان طريقًا للنجاح، يتعلم من الواقع درسًا آخر قد يكون أشد تأثيرًا.
ولهذا فإن إصلاح التعليم ليس شأن وزارة التربية أو المعلمين وحدهم، بل مسؤولية ثقافية واجتماعية أوسع. وهو يبدأ أيضًا من الأسئلة التي نطرحها في بيوتنا، ومن الطريقة التي نتعامل بها مع أخطاء أبنائنا، ومن استعدادنا نحن الكبار لممارسة القيم التي نطالب الصغار بالالتزام بها.
كما لا يمكن لهذه الرؤية أن تتحقق دون ضمان فرص عادلة للتعلم للفتيات والفتيان، وتأهيل المعلمين وتحسين ظروفهم، وتوفير بيئة مدرسية آمنة ومحفزة. فالدعوة إلى تنمية الإنسان تفقد مصداقيتها إذا لم تقترن بصون كرامة من يقومون بتعليمه، وبالاعتراف بحق كل طفل في تنمية قدراته دون تمييز.
إن اليمن لا يحتاج إلى جيل يحفظ إجاباتنا عن الأسئلة القديمة فحسب، بل إلى جيل يمتلك القدرة على مواجهة أسئلة جديدة ربما لا نعرف نحن إجاباتها. جيل لا يرى المعرفة امتيازًا شخصيًا أو أداة للتفوق على الآخرين، وإنما قدرة تقترن بالمسؤولية. ولا يختزل الانتماء إلى الوطن في الشعارات، بل يدرك أن قيمة هذا الانتماء تتجلى أيضًا في العمل من أجل خير الناس وصون كرامتهم.
ولعل أعمق تحول يمكن أن يحدث في نظرتنا إلى التعليم هو أن نتوقف عن التعامل مع الطفل بوصفه وعاءً نملؤه بما نعرف، وأن نبدأ في رؤيته إنسانًا يمتلك إمكانات عقلية وأخلاقية واجتماعية تحتاج إلى الرعاية والتنمية. فالتعليم لا ينبغي أن يصنع نسخًا متشابهة من الماضي، وإنما أن يفتح أمام الأجيال الجديدة القدرة على فهم ما ورثته، والتمييز بين ما يستحق الحفاظ عليه وما يحتاج إلى مراجعة، والمشاركة الواعية في صناعة المستقبل.
وحين نفكر في إعادة بناء اليمن، فإننا غالبًا ما نتخيل الطرق والمدارس والمستشفيات والمؤسسات التي نريد إصلاحها. وكل ذلك ضروري. لكن ثمة بناءً آخر أقل ظهورًا وأبعد أثرًا: بناء الإنسان الذي سيحافظ على هذه المؤسسات، ويمنحها معناها، ويستخدمها لخدمة الجميع.
لهذا لا يكفي أن نسأل كم طفلًا تعلم القراءة والكتابة، أو كم طالبًا اجتاز الامتحانات. ينبغي أن نسأل أيضًا: هل أصبح أبناؤنا أقدر على التفكير باستقلال؟ هل تعلموا أن يختلفوا دون أن يتعادوا؟ هل أصبحوا أكثر إحساسًا بالعدل والمسؤولية، وأكثر استعدادًا للعمل مع غيرهم من أجل الصالح العام؟
فالقراءة والكتابة تمنحان الإنسان القدرة على فهم الكلمات، أما التربية المتكاملة فتمكّنه من فهم مسؤوليته تجاه العالم الذي تصفه تلك الكلمات. وربما يكون هذا هو التعليم الذي نحتاج إليه حقًا: تعليم لا يكتفي بإعداد أبنائنا للعيش في المجتمع كما هو، بل يساعدهم على امتلاك المعرفة والبصيرة والإرادة اللازمة للمشاركة في جعله أفضل.