علي قناف زهرة.. الرجل الذي خافوا من صورته بعد 35 سنة

لم يكن يبحث عن سلطة، كان يبحث عن وطن يشبه الحلم الذي رآه في عيون رئيسه.
كان ضابطًا من طراز نادر، قائدًا للواء السادس مدرع، القوة الضاربة في صنعاء، لكنه لم يستخدمها يومًا ليستعرض أو ليبتز تاجرًا أو ليقطع طريقًا. كان يرى أن الدبابة وُجدت لتحرس حدود الوطن، لا لتحرس كرسي الحاكم.
كان من الدائرة الضيقة جدًا للرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، من أولئك الذين يفهمون الحمدي دون أن يتكلم. حين قال الحمدي لا قبيلة في الدولة، كان هو أول من نفذها في معسكره، لا وساطة ولا محسوبية، الكفاءة فقط. وحين أطلق الحمدي لجان التعاون الأهلي، كان جنوده ينزلون بلباس مدني يساعدون الأهالي في شق الطرق.
في مساء 11 أكتوبر 1977، كان جالسًا مع رفاقه في اجتماع عادي، يتحدثون عن عمل الغد. قبل ذلك بساعتين، كان الحمدي وأخوه عبدالله يُعدمان في شقة حقيرة في صنعاء، لكن الخبر لم يكن قد وصل إليهم. كانوا يظنون أن الدولة لا تزال بخير.

فجأة، جاء اتصال من القيادة العامة: "تعال فورًا". قام بكل أدب، استأذن من زملائه، ولبس كابَه وذهب. كان يظن أنه ذاهب ليتلقى أوامر عادية. لكنه كان ذاهبًا إلى كمين.
الذين اغتالوا الحمدي كانوا يعرفون جيدًا من هو هذا الرجل، يعرفون أن قائد المدرعات لن يسكت، وأن اللواء السادس لن يبقى في الثكنة إذا علم أن رئيسه قُتل. فكان لا بد أن يُستدرج قبل أن يسمع الخبر، قبل أن يتصرف.
دخل مبنى القيادة، فأُخذ سلاحه، وغُطيت عيناه، وأُدخل إلى قبو. ومنذ تلك اللحظة، في مساء 11 أكتوبر 1977، اختفى.
لا محاكمة، لا تهمة، لا جثمان، ولا قبر.
ظل اسمه محرمًا لعقود. أسرته ممنوعة من السؤال، وأصدقاؤه ممنوعون من ذكره. حتى جاءت الثورة الشبابية، فظهرت ملامحه لأول مرة على جدار في جسر مذبح بصنعاء، ضمن جداريات تخلد ذكرى المخفيين.
كان المشهد مهيبًا. ابنته التي كبرت وهو غائب، جاءت بيدها تلمس ملامح أبيها على الجدار. حفيدته التي لم تره أبدًا، كانت تلتقط الصور لجدارية جدها الشاب الوسيم وتبكي. الناس توقفوا، بعضهم تذكر، وبعضهم عرف لأول مرة أن هناك بطلًا اسمه علي قناف زهرة.

ولم يتحملوا صورته 24 ساعة. في اليوم التالي، جاءت أطقم عسكرية وطمست الجدارية بالطلاء الأبيض. خافوا من رسمة.
لكن قبل أن تُطمس، حدث ما هو أهم من الجدارية نفسها. جنود قدامى، ممن خدموا في السبعينيات، توقفوا أمام الصورة، تأملوها طويلًا، ثم تهامسوا فيما بينهم: "ماذا عن عبدالله الشمسي؟". كأنهم كانوا يعرفون أن القبو لم يكن فيه زهرة وحده، وأن هناك رفاقًا آخرين دُفنوا أحياءً معه، وأن طمس صورة لن يطمس ذاكرة كاملة.

علي قناف زهرة لم يمت، لأنه لم يُدفن. والمخفي قسرًا لا يموت، يبقى معلقًا بين السماء والأرض، ويبقى أهله معلقين معه، ينتظرون طرقة باب لا تأتي.
لقد كان أول ثمن دفع لاغتيال الحلم الحمدي، وكان دليلًا على أن ما حدث في 11 أكتوبر لم يكن جريمة قتل فقط، بل كان انقلابًا كاملًا على فكرة الدولة.
رحم الله الشهيد الحي الرائد علي قناف زهرة.



