خطوة إلى الأمام.. خطوتان إلى الوراء
السقوط: مفهوم متخشب وسيولة في وعي خطاب يتمثّل خطاب الخصم
يلفت انتباهي في بعض الكتابات المتداولة حول الحرب على تعز، تسلل مفاهيم متخشبة إلى الوعي، واكتسابها سيولة في الخطاب، حتى باتت تُستدعى وتُتداول دون إخضاعها للتحليل أو مساءلة دلالاتها. ومن أكثرها حضورًا مفهوم «السقوط»، الذي أصبح يُستخدم وكأن إنزال جماعات مليشياوية مسلحة على بعض التباب والجبال ومفترقات الطرق يعني سقوط المدينة، وكأن مصير مجتمع وتاريخه وهويته الوطنية يمكن اختزاله في حركة عسكرية فوق رقعة جغرافية.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها: أن يتمثل خطاب المقاومة خطاب خصمه، ويستعير مفرداته ومعاييره في قراءة الوقائع، دون أن ينتبه إلى أنه بذلك يمنحه سلطة تعريف النصر والهزيمة، والتقدم والتراجع، والسقوط والصمود.
إن المفاهيم ليست مفردات بريئة أو أوعية محايدة للوقائع؛ إنها تحمل تصورات مسبقة، وتؤسس لزوايا النظر، وتعيد تشكيل الوعي بما يتناسب مع دلالاتها. ولذلك فإن تكرار المفردة دون تفكيك بنيتها ودلالتها قد يجعلنا نعيد إنتاج الفكرة التي نعارضها، حتى ونحن نظن أننا نقف في مواجهتها.
فما السقوط الذي نتحدث عنه؟ أهو سقوط موقع جغرافي تحت سيطرة جماعة مسلحة، أم سقوط الغزاة في مستنقعهم الأخلاقي والقيمي، وعجزهم عن تحويل انتشارهم العسكري إلى شرعية سياسية واجتماعية؟ أليس من الممكن أن تعتلي جماعة مسلحة جبلًا، لكنها تسقط في المعنى الذي جاءت من أجله، وأن تسيطر على طريق، لكنها تعجز عن امتلاك إرادة المجتمع الذي تمر عبره؟
ثمة فارق جوهري بين السيطرة على المكان وامتلاكه، وبين الانتشار العسكري والقدرة على الاستقرار، وبين احتلال موقع وتحقيق انتصار سياسي. والتاريخ العسكري يقدم شواهد كثيرة على أن التفوق في السلاح لا يضمن امتلاك مصائر الشعوب. ففي فيتنام لم تستطع القوة العسكرية الأمريكية الهائلة إخضاع الإرادة الوطنية، وفي الجزائر لم يحوّل الاستعمار الفرنسي سيطرته العسكرية إلى امتلاك لمستقبل شعبها، وفي أفغانستان تحولت الجغرافيا الجبلية والامتدادات الواسعة إلى عوامل استنزاف للقوى التي دخلتها متوهمة أن التفوق العسكري وحده يحسم المعركة.
هذه التجارب، على اختلاف ظروفها، تكشف أن احتلال الأرض ليس مرادفًا لامتلاكها، وأن السيطرة على المواقع لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على الاستمرار.
وفي الحرب على تعز، لا ينبغي أن نقرأ التحولات الجغرافية بمعزل عن تناقضاتها العسكرية والاجتماعية والسياسية. فكلما تقلصت دائرة الحرب، وتبددت الكتل العسكرية الغازية من فضاءات جغرافية واسعة إلى جيوب ومواقع متفرقة بين الجبال والوديان والقرى، ازدادت كلفة الانتشار، وضاقت خيارات الحركة والإمداد والمناورة، وأصبح تأمين البقاء عبئًا متزايدًا.
فالقوة التي تدخل مجالًا جغرافيًا واسعًا لفرض إرادتها قد تجد نفسها، مع تعثر مشروعها، موزعة على مساحات تستنزفها، وتدفعها إلى أضيق دوائر المقامرة بأرواح أفرادها وعتادها. وعندها لا تعود الجغرافيا مجرد مساحة للسيطرة، بل تتحول إلى عنصر في معادلة الاستنزاف، وقد يصبح اتساع المجال الذي توهمت امتلاكه سببًا في تشتيت قوتها وتبدد شملها.
لكن ثمة وجهًا آخر للمسألة، لا يقل أهمية عن نقد مفهوم السقوط، وهو تجميد مفهوم التقدم نفسه في دلالة جغرافية، بحيث يصبح كل تراجع في مساحة ما هزيمة، وكل تقدم إليها انتصارًا، بصرف النظر عن طبيعة المكاسب والاختلالات التي ترافقها.
وهنا تحضرني فكرة لينين التي جسّدها في عنوان كتابه «خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء»، وإن كان سياقها سياسيًا وتنظيميًا مختلفًا. فالدلالة التي يمكن استلهامها ليست في اتجاه الحركة وحده، وإنما في قراءة التناقضات التي تعترض مسار التقدم، وفي إدراك أن الحركة إلى الخلف قد تكون جزءًا من مراجعة المسار وإعادة بناء شروط التقدم.
وقد يسخر أحدهم من هذا المنطق، لكنه يغفل أن التفكير الجدلي لا يقيس الحركة بمجرد اتجاهها المكاني، ولا يجعل التراجع نقيضًا مطلقًا للتقدم.
فقد تتقدم المقاومة خطوتين في حيز جغرافي، ثم تكتشف أن هذا التقدم تسكنه الهشاشة، وتشوبه الاختراقات والخيانة، وتنتقص من قيمته اختلالات إنسانية وتنظيمية وأخلاقية. فما جدوى الاحتفاظ بمكسب جغرافي إذا كان يحمل في داخله عوامل انهياره؟ وما قيمة تقدم مكاني لا يصاحبه تقدم في صلابة الإرادة وسلامة الموقف ونقاء الوسيلة؟
إن التخلص من هذا التقدم الهش، والعودة خطوة إلى الخلف، قد يكون تصحيحًا للمسار، وتحررًا من عوامل الاختلال، واكتسابًا لنقطة انطلاق أكثر ثباتًا. فالخطوة التي تأتي بعد مراجعة نقدية قد تكون أكثر قيمة من خطوتين سبقتاها دون أن تتخلصا من مواطن الضعف.
وهذا لا يعني تمجيد التراجع أو تبريره، وإنما التمييز بين تراجع تفرضه الهزيمة، وتراجع تقتضيه مراجعة واعية، وبين تقدم يراكم القوة، وتقدم ظاهري يخفي في داخله أسباب الانهيار.
إن التقدم الحقيقي لا يُقاس فقط بما نضيفه إلى مساحة انتشارنا، بل بما نضيفه إلى الإنسان، وإلى الوعي والتنظيم، وإلى القيم الإنسانية والأخلاقية التي تمنح المقاومة مشروعيتها. وما لم تكن هذه القيم جزءًا من معادلة التقدم، فقد تتحول المكاسب الجغرافية إلى خسائر في المعنى والغاية.
ولعل البيت الشعري:
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها
فُرجت، وكنت أظنها لا تُفرجُ
يستحضر جانبًا من هذه المفارقة؛ فليس كل تضييق نهاية، ولا كل اتساع انتصارًا، ولا كل انحسار سقوطًا. وإنما تتحدد دلالة الحركة بما تنتجه من تحولات في موازين القوة والقدرة على الاستمرار.
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه خطاب المقاومة أن يتحول إلى صدى لغوي لخطاب الغزاة، فيتبنى تعريفهم للسقوط، ويستعير مقاييسهم للنصر والهزيمة، ويختزل المعركة في خرائط السيطرة والانتشار. فبهذا لا يكون قد خسر معركة المفاهيم فحسب، وإنما يكون قد تنازل عن استقلال وعيه في قراءة المعركة.
تعز ليست تبة أو جبلًا أو مفترق طريق، وليست مساحة جغرافية تنتظر من يعلن سقوطها. إنها مجتمع وذاكرة وطنية وفكرة جمهورية وثورة وانتماء للمستقبل. ولا تختزل إرادة مجتمع في موضع بندقية، كما لا يُستدل على مصير مدينة من حركة جماعات مسلحة فوق تضاريسها.
قد تسقط المواقع ولا تسقط المدن، وقد يتراجع المدافعون جغرافيًا ليتقدموا في شروط المعركة، وقد يعتلي الغزاة الجبال بينما يسقطون في امتحان الشرعية والتاريخ والقيم.
فالسقوط الأخطر أن نفقد القدرة على التفكير خارج المفاهيم التي يصوغها خصمنا، وأن نسمح له بتحديد معنى انتصارنا وهزيمتنا نيابة عنا.



