تعز: المدينة التي يُعاد فيها رسم خريطة اليمن والإقليم والبحار
مقدمة: سؤال المصير الذي لا يحتمل التأجيل
ماذا لو سقطت تعز بيد الحركة الحوثية؟ سؤال مصيري يجب أن يكون حاضرًا بكثافة في حسابات الشرعية اليمنية أولًا، وفي قيادة التحالف وقيادة المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص؛ لأن تداعيات السقوط لن تتعلق بمستقبل تعز أو اليمن فقط، بل بمستقبل الجزيرة العربية والأمن المائي المحيط بها، وحتى بموازين القوى الإقليمية والدولية في قلب الكرة الأرضية.
ليس في الأمر مبالغة أو تهويل سياسي بهدف التحشيد، بل هو في المقام الأول قراءة عقلية واقعية للمعطيات والتطلعات التي تسابق الزمن لتتحول إلى حقائق ثابتة على الأرض، وفي المقام الثاني قراءة استشرافية منطقية للمستقبل الذي سيُبنى على تلك الحقائق، وستتحول معه إلى ثبات سياسي مسلح. ناهيك عن أن المستقبل المستهدف هنا هو مستقبل اليمن والمنطقة العربية، وحتى مصالح العالم والدول الغربية خصوصًا.
لكن الإجابة عن سؤال المقدمة لا تبدأ من الجغرافيا العسكرية، بل من المكانة السياسية التي تحتلها تعز في معادلة الصراع. فلماذا تعز تحديدًا؟ تكمن الإجابة في الدور الذي لعبته تعز منذ 2014، وهو ما يستدعي تحليل المعادلة من بدايتها: من تعز إلى مأرب، ثم إلى الشمال وحتى الجنوب.
من تعز إلى مأرب: المعادلة التي لا تحتمل التأجيل
تعز ليست مجرد محافظة في الجغرافيا اليمنية، بل هي الحصن الأخير للعقل السياسي الجمهوري في مواجهة العقل الإمامي. فمنذ انقلاب 21 سبتمبر 2014، ظلت تعز المحافظة الشمالية الوحيدة التي تمنح الشرعية اليمنية شرعية الصراع السياسي والعسكري والفكري، على أساس الثنائية الحاسمة: سلطة الشرعية في مقابل سلطة الانقلاب. وهذا التوصيف ليس ترفًا نظريًا، بل هو ما يميز تعز عن غيرها من المحافظات الجنوبية التي لا ترى معركتها مع الحركة الحوثية معركة شرعية وانقلاب بالضرورة. فبقاء تعز ومأرب وبعض مناطق الشمال خارج سيطرة الحركة يحمل دلالات عميقة في معادلة الحرب والسياسة، على قاعدة الشرعية اليمنية ومشروع الدولة الوطنية الديمقراطية التعددية.
وإذا كانت تعز قد ظلت هي المساحة المتبقية من الجغرافيا اليمنية لممارسة دور العقل السياسي الحزبي -وهو العقل النقيض جذريًا للعقل السياسي الحوثي- فإن صمودها يحمل أثرًا مضاعفًا: فإذا صمدت تعز وعاد الحوثيون مهزومين منها، فإن ذلك سينعكس إيجابًا على المستوى الوطني، وسوف تكسر ترسانة أسلحتهم، وتهدم سردية "النصر الإلهي" التي يسوقها زعيم الحركة لأتباعه.
والأهم من ذلك أن انتصار تعز سيمنح زخمًا حقيقيًا لأبناء المحافظات الشمالية الخاضعة لسلطة الحركة في مسألة المقاومة. ولأن الحركة الحوثية تدرك هذه المعادلة جيدًا، فهي تدفع بكل ثقلها وتضحي بالآلاف في مشهد دموي، ساعيةً إلى حسم المعركة في تعز؛ لأنها تعلم أن الهزيمة فيها تعني تصدعًا، إن لم يكن عدًا تنازليًا، في مستقبل سلطتها.
ما سيجري في تعز سيجعل المعادلة تتصل مباشرة بمأرب وما بعدها: فإذا انتصرت الحركة وسقطت تعز في قبضتها، فستعود بزخم هذا الانتصار إلى معركتها الثانية -إسقاط مأرب- ولن يكون إسقاط مأرب أصعب من إسقاط تعز. وبعد مأرب، ستتجه الحركة إلى تصفية بقية جبهات المواجهة في الجوف والبيضاء وصعدة. وعند هذه النقطة، تتحول معطيات المعركة وطموح الحركة وإيران في اليمن إلى حقيقة ثابتة: أن الحركة أصبحت تحكم شمال اليمن بشكل كامل، وتسيطر على 70% إلى 80% من السكان، مقابل 20% إلى 25% خارج سيطرتها في المحافظات الجنوبية، وللمحافظات الجنوبية حساباتها الخاصة في هكذا حال.
هذا بحد ذاته سيتضاعف معه حجم النفوذ والدعم والرهان الإيراني في اليمن، وسوف تبرز معه الأسئلة المصيرية: ماذا عن الجنوب؟ وكيف سيتم التعامل معه؟ وماه نتائج ذلك على المستوى الوطني؟ وما هي السيناريوهات المحتملة؟
السيناريو الأول: استمرار الزحف والسيطرة على الجنوب بالكامل
معركة الحركة في الجنوب ستكون كارثية بكل المقاييس والنتائج. فبقدر ما ستسهم معطياتها في تمدد الحركة، بقدر ما ستعمق حالة الانقسام بشكل مدمر على مستقبل اليمنيين. فمع زحف أول نسق من مقاتلي الحركة الحوثية سيتم توظيف سردية أن "الشمال يقاتل ضد الجنوب"، وهي سردية قائمة على جراحات في الوعي الجمعي. وفي مقابل ذلك ستقاتل قوات الجنوب تحت علم "دولة الجنوب العربي" واستعادة الدولة الشطرية. وبغض النظر عن عدالة القضية الجنوبية، فإن الذهاب نحو هذا السيناريو يعني أن معادلة الصراع والحرب تحت عنوان الشرعية اليمنية وانقلاب الحركة الحوثية سوف تختفي إلى حد كبير.
هذا بالضبط ما تريده الحركة الحوثية التي تسوق منذ سنوات لسردية أن الحرب الجارية هي بين اليمن، ممثلًا بسلطة صنعاء، وبين السعودية كدولة معتدية، وليست حربًا داخلية بين سلطة الشرعية اليمنية وحركة انقلابية إمامية استولت على السلطة بقوة السلاح.
وفي حال استمرار السعودية، أو حتى دول التحالف، في دعم القوات الجنوبية بعد سيطرة الحركة على الشمال، سوف تعمل الأخيرة على سردية جديدة أكثر نجاعة في التأثير السياسي وفي تحشيد أبناء القبائل وحتى استقطاب بعض النخب السياسية، والأهم أنها سردية أكثر قبولًا وتصديقًا على المستوى العربي وحتى الدولي: أتحدث عن السردية القائلة إن السعودية أو غيرها تدعم الانفصاليين في الجنوب وتقاتل من أجل تمزيق اليمن، وهي دولة واحدة ذات سيادة وشخصية مستقلة، معترف بها عربيًا ودوليًا وممثلة في الأمم المتحدة والجامعة العربية.
القوى الفاعلة في الجنوب، أو معظمها، لن تدرك خطورة تكتيك الحركة وفق سرديتها التي نتحدث عنها؛ بمعنى أنها لن تقاتل ضد الحركة تحت علم الجمهورية اليمنية وباسم الشرعية اليمنية، بل تحت علم دولة الجنوب العربي.
وفي المقابل، ستجد الحركة الحوثية في علم الجنوب الملصق على سلاح المقاتل والمرفوع على المدرعة والعربة، وحتى في الخطاب التعبوي للمقاتلين وفي إعلامهم الحربي، دليلًا يخدم سرديتها التي تقدمها للداخل والخارج، وستتحول معها إلى مدافع عن الوحدة اليمنية، وستجد في المرجعيات الدستورية والقوانين والمواثيق الدولية ما يشرعن حربها في الجنوب وفق سردية الوحدة والانفصال، التي ستحل محل سردية الشرعية والانقلاب.
قد يقول قائل: إن الحركة تخوض الآن معارك على مشارف الجنوب، والقوات الجنوبية تقاتلها وهي ترفع علم الجنوب، فلماذا لم تثر سردية الوحدة والانفصال بعد؟ والجواب أن الحركة لم تكمل سيطرتها على الشمال بعد، وما زالت مناطق شمالية تقاتل تحت راية الشرعية، فهي تؤجل إطلاق السردية حتى تتحول إلى سلطة حاكمة على الشمال.
الأسئلة المطروحة هنا تقول: هل سيستشعر الجنوبيون المسؤولية؟ أم أن الاحتقان في الجنوب على إثر أحداث حضرموت سوف يخدم الحركة بشكل أو بآخر؟ وهل المحافظات الشرقية، في حال سيطرت الحركة على كل الشمال، ستظل موطن قدم للشرعية اليمنية، أم ستقاتل الحوثيين تحت علم دولة الجنوب، أم سيكون لها موقف ثالث؟
عمليًا، السيطرة الكاملة على الجنوب وفق السيناريو الأول لا تعني فقط سيطرة حركة سياسية انقلابية على السلطة في اليمن، بل تعني امتداد وسيطرة "الإمامة" وسلطة السلالة السياسية المذهبية إلى المحافظات الجنوبية والشرقية، وهو ما لم يحدث حتى في تاريخ اليمن القديم.
والسيطرة هنا تعني إلغاء الاعتراف بالقضية الجنوبية، ومخرجات الحوار الوطني، ومشروع الدولة الوطنية الديمقراطية الاتحادية؛ كل ذلك سيصبح في خبر كان. فالحركة الحوثية لا تقدم عبدالملك الحوثي رئيسًا لدولة، ولا زعيم جماعة سياسية، بل وليًا للأمة، والأمة هنا تتجاوز حتى الحدود السياسية للدولة الوطنية.
الأخطر من ذلك، في حال السيطرة على كامل اليمن، أن الحركة الحوثية ستسير على فلسفة النظام في إيران، أي العمل على تشيع المجتمع في اليمن؛ لأن في ذلك استمرارًا لسلطتها السياسية، وهو ما تعمل عليه في مناطق سيطرتها منذ سنوات عبر أدلجة الوعي المجتمعي ووسائل التنشئة، والهدف من ذلك خلق ولاء عقائدي لسلطة عبدالملك الحوثي.
قد يقول قائل للمرة الثانية: إن سلطة الأئمة لم تجبر اليمنيين على اعتناق المذهب الزيدي. والجواب أن الماضي لم يشهد مواجهة سلطة الإمامة لنظريات سياسية وتنظيمات سياسية وأفكار وطنية، ولهذا لم تضطر إلى تشيع المجتمع؛ كانت رمزية الانتماء إلى آل البيت كفيلة بخلق الولاء السياسي حتى خارج نطاق المذهب الزيدي، لكون الثقافة السياسية التقليدية كانت هي السائدة.
لكن الوضع في اليمن تغير منذ ستة عقود: نظام سياسي جمهوري، وأفكار وطنية، وفلسفات سياسية واجتماعية واقتصادية، وأحزاب سياسية، وديمقراطية، وانتخابات تنافسية على مقاليد السلطة. كل ذلك جعل رمزية النسب أو الانتماء إلى آل البيت غير قادرة، على أن تلعب دورها التاريخي على المستوى السياسي والاجتماعي؛ بمعنى آخر، غير قادرة على أن تمنح عبدالملك الحوثي شرعية الولاية والسلطة وديمومتها، خصوصًا خارج فضاء المذهب الزيدي. ولأن الحركة تدرك ذلك، فهي تعمل الآن، وستعمل بشكل أكبر في حال سيطرتها على كل اليمن، على تشيع اليمنيين مذهبيًا بكل الوسائل، وهذا بحد ذاته يرجع إلى حقيقة أن المذهب الشيعي على مستوى النظام المعرفي والثقافة السياسية كفيل بخلق العبودية السياسية والاجتماعية لدى المجتمعات التي تعتنق مذهب الشيعة.
السيناريو الثاني: صمود الجنوبيين وتوقف سلطة الحركة عند حكم الشمال
صمود مقاومة الجنوبيين وتوقف سلطة الحركة عند شمال اليمن يعني ترسيمًا فعليًا للانفصال، أو قيام سلطتين تمهدان لذلك. غير أن ذلك سيدخل الجنوب في صراعات سياسية داخلية مبكرة؛ لأن مشروع "دولة الجنوب العربي" سيواجه أسئلة الهوية والشرعية والتمثيل السياسي في وقت تكون فيه المؤسسات ضعيفة والمرجعيات متنازعًا عليها.
وهنا يبرز السؤال الأكثر تعقيدًا: هل سيقوم الجنوب دولةً واحدة أم دولتين؟ فالمشهد الجنوبي ليس متجانسًا، بل تتجاذبه مراكز قوى متعددة -عدن وأبين ولحج في الغرب، وحضرموت والمهرة وشبوة في الشرق، وسقطرى في البحر- ولكل منها حساباتها الخاصة ومخاوفها من هيمنة مركز على آخر. فإذا قامت دولة جنوبية واحدة، فإنها ستكون دولة هشة مؤسسيًا، مثقلة بأسئلة الشرعية والتمثيل، ومهددة بالانقسام الداخلي في أية لحظة. وإذا انقسم الجنوب إلى دولتين -غربية وشرقية- فإن المشهد اليمني سيتحول إلى ثلاثة كيانات أو أكثر، وهو سيناريو يعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة بأكملها.
هذا الانقسام المحتمل لن ينعكس أثره على اليمنيين وحدهم، بل يمتد إلى المنطقة بأسرها. فدولة جنوبية غربية على باب المندب ستكون رهينة صراعات النفوذ بين القوى الإقليمية، وقد تتحول إلى قاعدة بحرية لطرف ضد آخر. ودولة شرقية في حضرموت والمهرة -المتاخمة للسعودية وعُمان- ستصبح ساحة تنافس مباشر على النفط والغاز والممرات البرية.
في ختام الحديث عن الداخل اليمني قد يقول قائل للمرة الثالثة: مهما تمكنت الحركة الحوثية من السيطرة على الشمال أو على اليمن بشكل عام، فإن اليمنيين لن يستكينوا وسوف يمارسون أشكالًا نضالية متعددة تُسقط سلطة الحركة الحوثية. والجواب: نعم، هذا غير مستحيل، لكن الواقع يقول إن الحركة الحوثية منذ 12 عامًا وهي تسيطر على أكثر من 65% من السكان في اليمن، وتقدم أسوأ نموذج للسلطة الحاكمة، وتجاهر في التنصل من المسؤولية تجاه الموظف والمواطن، وتمارس بكل الوسائل ثقافة رجعية وأبشع استبداد سياسي يمس كل تفاصيل الحياة، ومع ذلك لم تشهد المناطق التي تسيطر عليها أشكالًا نضالية أو حراكًا سياسيًا أو شعبيًا رافضًا، بل خضوعًا وطاعة.
الأمن القومي العربي والملاحة الدولية: الابتزاز المزدوج
إيران لا تحتاج إلى احتلال اليمن بالمفهوم العسكري التقليدي، بل تحتاج إلى ذراع طائفي يحكم في صنعاء ويسيطر على الساحل الغربي وباب المندب، لتضيف ورقة ضغط استراتيجية إلى جانب هرمز. هذا ما يوصف بـ"الابتزاز المزدوج": هرمز في الشرق، وباب المندب في الغرب، وكلاهما يجب أن يكونا في يدها على حساب الأمن القومي العربي. والأمن القومي العربي، في هذه المعادلة، ليس مفهومًا فضفاضًا؛ فهو يعني أمن السعودية التي تحاول الهروب من فخ هرمز، وتجد نفسها في فخ باب المندب، ويعني أمن دول الخليج، وأمن مصر عبر قناة السويس، وأمن البحر الأحمر. إذن، حزمة الأمن كلها ستصبح مرتهنة لقرار حركة مسلحة واحدة.
من نافلة القول إنه إذا سيطر الحوثيون على شمال اليمن أو كامل اليمن، تكون إيران قد حققت ما لم تحققه عبر عقود: موطئ قدم دائم على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ناهيك عن تحويل اليمن إلى منصة إطلاق الصواريخ والطيران المسير وفق أجنداتها ومعادلة صراعها دون أن تتحمل تبعات ذلك، كما يحدث الآن في القصف على المملكة العربية السعودية.
وبالنسبة للغرب، فإن باب المندب، الذي يمر عبره ما بين 10% إلى 15% من التجارة العالمية، سيتحول من ممر حيوي إلى نقطة ابتزاز دائمة. وقد أثبتت هجمات الحوثيين على السفن التجارية منذ 2023 أن هذا ليس تهديدًا نظريًا، إذ حوّلت شركات الشحن الكبرى مساراتها إلى رأس الرجاء الصالح، وارتفعت تكاليف التأمين والنقل، وتأثرت سلاسل الإمداد العالمية. لكن الخطر الأكبر هو الجمع بين المضيقين: طائرة مسيرة واحدة أو لغم بحري يكفي لرفض شركات التأمين التغطية، وتحويل السفن إلى الطريق الأطول والأكثر تكلفة، وفرض تكلفة اقتصادية هائلة على الغرب دون مواجهة عسكرية مباشرة. وإذا اقترن تعطيل باب المندب بهرمز، فإن أسعار الطاقة قد ترتفع إلى مستويات لا يستطيع الاقتصاد العالمي تحملها؛ فحرية الملاحة، التي كانت مضمونة، ستصبح رهينة لقرار حركة مسلحة في اليمن.
عُمان: من المساندة غير المعلنة إلى الانضمام العلني؟
يبقى سؤال عُمان محوريًا، وهي الدولة التي تمارس دورًا مساندًا لإيران وللحركة الحوثية غير معلن. والسؤال ليس فقط: هل ستظل عُمان وسيطًا؟ بل الأهم: هل ستجاهر في القول وتنضم علنًا إلى محور إيران في حال سيطرت الحركة الحوثية على اليمن؟ على الأرجح، إذا نجحت إيران في السيطرة على اليمن عبر الحركة الحوثية، فإن هذا النجاح سيكون عامل تشجيع لعُمان على الانضمام العلني إلى محور إيران؛ لأن انتصارًا استراتيجيًا بهذا الحجم سيجعل الانحياز إلى المحور المنتصر أقل تكلفة سياسية وأكثر مردودًا.
عُمان ليست عضوًا في التحالف العربي، ولم تشارك في الحرب، واختارت سياسة "الأبواب المفتوحة"، لكن هذا الحياد واجه انتقادات مع تقارير عن تهريب أسلحة عبر أراضيها، ومع استضافتها الدائمة للمتحدث باسم الحوثيين.
غير أن الأخطر في انضمام عُمان العلني إلى محور إيران لا يتوقف عند باب المندب، بل يمتد إلى مضيق هرمز نفسه. فعُمان تتحكم في الضفة الجنوبية للمضيق عبر شبه جزيرة مسندم وجزيرة مصيرة، وإذا انضمت علنًا إلى المحور الإيراني، فإن طهران ستحصل على نفوذ أو سيطرة على ضفتي هرمز، الضفة الشمالية الإيرانية والضفة الجنوبية العُمانية، بالإضافة إلى باب المندب عبر الحوثيين. وهنا يتحول "الابتزاز المزدوج" من تهديد نظري إلى حصار استراتيجي مكتمل على الملاحة في الخليج والبحر الأحمر في آن واحد، ويصبح الغطاء الخليجي لهذا الحصار هو الأخطر؛ لأنه يُفقد أي رد خليجي مشترك شرعيته وفعاليته.
هذه المخاطر تقودنا أيضًا للحديث عن البعد البري: السيطرة الحوثية على شمال اليمن، أو كامل اليمن، مع انضمام عُمان إلى المحور، تعني أن السعودية ستجد نفسها محاصرة بريًا من الجنوب والجنوب الشرقي عبر شريط جغرافي متصل يمتد على امتداد عُمان واليمن، وهو ليس مجرد خط على الخريطة، بل طوق بري يحيط بالسعودية من جهتها الجنوبية بأكملها من الربع الخالي إلى البحر، وقاعدة لوجستية يمكن من خلالها نقل الأسلحة والخبراء والمسيرات دون الحاجة إلى ممرات بحرية مراقبة، وعمق استراتيجي يمنح إيران قدرة على فتح جبهات متعددة ضد السعودية في آن واحد: من نجران وجيزان وعسير إلى الشرقية والربع الخالي، مع تهديد بحري متزامن في البحر الأحمر وخليج عمان.
وهذا كله يجب أن يُقرأ في سياق التراجع الاستراتيجي الإيراني في المشرق. فإذا كانت إيران قد خسرت ذراعها السورية بعد سقوط الأسد، وتراجعت قدرة حزب الله بعد حرب لبنان، فإن اليمن وعُمان يمثلان التعويض الاستراتيجي الأمثل: اليمن يمنح إيران عمقًا بحريًا على باب المندب والبحر الأحمر، وعُمان تمنحها عمقًا خليجيًا على هرمز وخليج عمان، ومعًا يشكلان قوسًا استراتيجيًا يمتد من مسقط إلى باب المندب يطوق الجزيرة العربية من الشرق والجنوب، ويعوض إيران عن أي تراجع في الهلال الخصيب. يُضاف إلى ذلك البعد الجيوسياسي المذهبي؛ فانضمام عُمان ذات الأغلبية الإباضية إلى محور إيران-الحوثي الشيعي الإمامي سيخلق تحالفًا مذهبيًا هجينًا لكنه فعال استراتيجيًا، ويُستخدم لترويج سردية "التطويق المذهبي" للسعودية والسنة، وقد يزيد من تعقيد المشهد الداخلي في دول الخليج، ويمنح إيران قدرة على التلاعب بالتوازنات الطائفية في المنطقة.
خاتمة: تعز ليست مدينة، هي معادلة
تعز ليست مجرد محافظة يمنية. هي المعادلة التي تحدد ما إذا كان اليمن سيظل دولة ذات سيادة أم سيتحول إلى قاعدة استراتيجية لإيران على باب المندب. هي الفاصل بين سردية "الانقلاب على الجمهورية" وسردية "الحرب بين الشمال والجنوب". وهي الاختبار الذي سيحدد ما إذا كانت السعودية قادرة على حماية عمقها الاستراتيجي، وما إذا كان الغرب قادرًا على الحفاظ على حرية الملاحة، وما إذا كان الأمن القومي العربي قادرًا على منع تحول اليمن إلى ذراع دائم لإيران.
ومن يدير حسابات الشرعية اليمنية، ومن يقود التحالف، ومن يراقب من عواصم القرار، يجب أن يدرك أن سقوط تعز لن يكون نهاية الحرب، بل بداية حرب جديدة، أكثر تعقيدًا وخطورة. حرب لن تكون على الأرض فقط، بل على الشرعية، وعلى السردية، وعلى مستقبل دول الإقليم وعلى خرائط الطاقة والتجارة في قلب الكرة الأرضية.
وهنا يجب التوقف عند نقطة جوهرية لا تقل خطورة عن الجغرافيا، وهي ضرورة أن يظل الصراع والحرب مع الحركة الحوثية تحت عنوان "الشرعية والانقلاب" على كل المستويات، ليس لأن هذا هو العنوان الصحيح لحقيقة الصراع والحرب فقط، بل لأن أي عنوان آخر يخلق سرديات تُشرعن للحركة الحوثية. فإذا خرج الصراع عن عنوانه الصحيح إلى عناوين أخرى -"الشمال والجنوب"، "السعودية واليمن"، "السنة والشيعة"، "الوحدة والانفصال"- فإن الحوثيين سيكسبون تلقائيًا شرعية ضمنية؛ لأن كل هذه العناوين تضعهم كطرف في صراع سياسي أو جيوسياسي مشروع، وليس كحركة انقلابية استولت على السلطة بقوة السلاح. وعنوان "الشرعية والانقلاب" هو وحده الذي يُبقي الحركة في موقع المعتدي على اليمنيين وعلى الجمهورية، لا المدافع عن طائفة أو منطقة أو قضية، وهو وحده الذي يوحّد اليمنيين تحت سقف الجمهورية ويجعل الحرب معركة وطنية لا معركة مناطق. أما عنوان "الشمال والجنوب" فيمنح الحوثيين شرعية الوحدة الوطنية ويسلبها صفة الانقلاب، وعنوان "السعودية واليمن" يمنحها شرعية داخلية ويحوّلها من حركة انقلابية إلى طرف وطني في صراع دولي، وعنوان "السنة والشيعة" يظهرها كمدافع عن طائفة. وإذا قاتل الجنوبيون تحت علم "الجنوب العربي" سيظهر الحوثي كمدافع عن الوحدة، وإذا قاتلت السعودية تحت عنوان "حماية الملاحة" سيظهر كمدافع عن السيادة.
لهذا فإن تعز هي العنوان والمكان والمعركة الأبرز التي تجسد حقيقة الصراع بين الشرعية والانقلاب وبين الإمامة والجمهورية؛ لأنها المحافظة الشمالية التي لم تسقط، وبقيت تحت سيطرة الشرعية رغم الحصار المطبق والحرب المستمرة، وهي الدليل المادي على أن الحرب ليست بين شمال وجنوب بل بين شرعية وانقلاب، والمكان الذي يحمل فيه المقاتل سلاحه باسم الجمهورية لا باسم منطقة أو طائفة. وسقوط تعز لا يعني سقوط مدينة، بل يعني سقوط مأرب والشمال وسقوط السردية الوطنية التي تُشرعن الحرب نفسها، وتحوّل الصراع إلى فوضى عناوين تشرعن للحوثي.
ولهذا فإن سؤال الختام في هذه المقالة لا يقول: "هل يمكن إنقاذ تعز أو فك حصارها؟"، بل: "هل هناك إدراك حقيقي لما يعنيه سقوطها؟".



