الإثنين 2 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • نهاية القطب الأوحد: هل انتهى عصر الهيمنة الأمريكية وبدأ نظام تعدد الأقطاب؟

نهاية القطب الأوحد: هل انتهى عصر الهيمنة الأمريكية وبدأ نظام تعدد الأقطاب؟

تنادي بعض الدول اليوم بنهاية النظام العالمي الذي جاء على أنقاض الحرب العالمية الثانية (1939-1945م)، وخرجت منه قوتان عالميتان هما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، ودخلت القوتان في حالة من الاستقطاب السياسي العميق أنتجت ما عُرفت بالحرب الباردة، التي شملت التنافس في مختلف المجالات، وانقسم العالم حينها إلى معسكرين: غربي تقوده الولايات المتحدة، وشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي، وبينهما نشأت كتلة محايدة تدعى كتلة عدم الانحياز، تأسست في مؤتمر باندونغ في إندونيسيا عام 1955م. وظل العالم يعيش تحت هيمنة القطبين قرابة نصف قرن، حتى عام 1991م الذي شكّل تحولًا مفصليًا نحو الهيمنة القطبية الواحدة، إذ شهد إعلان انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه إلى دول مستقلة،


وكان ذلك بمثابة انهيار مؤقت للنظام العالمي الذي جاء في نهاية الحرب العالمية الثانية، لا سيما أن انهياره كقطب عالمي فتح الطريق مشرعة أمام تفرد الولايات المتحدة بالنظام العالمي، وتحوله من نظام القطبين إلى نظام القطب الواحد، مما مهد لها الهيمنة دون منافس يذكر، فأصبحت صاحبة الكلمة العليا والمتحكمة في مصيره السياسي لتفردها في القرار الدولي نظرًا لانعدام الند القوي أمامها، فأخذت ترسم سياسة العالم بما يتوافق مع بقائها منفردة في قيادته، وقد اختل توازنه الحقيقي عقب انهيار الاتحاد السوفيتي القوة الموازنة لها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
والسؤال المهم اليوم: ما جدوى الحديث عن تغيير النظام العالمي طالما لا يوجد قطب مكافئ وند لقوة الولايات المتحدة؟ وما الفائدة التي سيجنيها العالم من ظهور أقطاب جديدة تعيد صياغة النظام العالمي على أساس تعدد الأقطاب؟
تظل الأهداف والأماني بعيدة عن التحقق إن لم تدفع بفاعلية على الأرض، فالجميع يطمح لتغيير النظام العالمي، وهناك حديث واضح نسمعه على الدوام من قيادات روسيا والصين وتركيا وكندا مؤخرًا، ومع ذلك فإن الأمر مجرد أمانٍ يحلم الجميع بتطبيقها بعيدًا عن الرغبة في دفع الكلفة لتحقيقه، لسبب بسيط هو الابتعاد عن مواجهة القوة الأمريكية المهيمنة، إلا أن هناك بوادر حقيقية لا يمكن إغفالها، تتمثل في الصراع العنيف في منطقة الشرق الأوسط الذي أعتبره صورة مصغرة للصراع الدولي بين نظام القطبية الواحدة الذي نراه يتداعى، ونظام متعدد الأقطاب يولد، وبينهما مراحل كبيرة من العنف لتثبيت جميع الأطراف رؤيتها، لاسيما أن الولايات المتحدة تبدي عدم استعداد للتخلي عن هيمنتها المطلقة، وما نراه اليوم في تحريك القوة الأمريكية نحو السيطرة على فنزويلا في أمريكا الجنوبية والتوجه نحو إيران ليس بعيدًا عن محاولة أمريكية للتأكيد على أنها لا تزال القوة العالمية دون منازع في التحكم بالقرار العالمي، ومع ذلك فإن تعثرها الكبير في كسر إيران كان له تبعاته، إذ جعل صانع القرار الأمريكي يعيد حساباته ويراجع سياساته في التعامل مع الملفات الساخنة، فهناك لاعبون جدد في المسرح الدولي أمثال الصين وروسيا وأوروبا العجوز وبعض الدول الإسلامية، رافق ذلك ظهور العديد من ميادين الصراع في أوكرانيا وفلسطين المحتلة وإيران واليمن، وكلها ميادين حساسة لها ما بعدها من ترتيبات سياسية بعيدًا عن مشروع الهيمنة الأمريكية الذي ظل سائدًا خلال العقود الثلاثة الماضية.
من الخطأ القول إن الولايات المتحدة ستقاوم إلى ما لا نهاية لحماية تربعها كقطب وحيد يقود العالم، لأن ذلك مشروع استنزاف طويل الأمد يمكن الدول المنافسة لها وفي مقدمتها الصين من إزاحتها بسهولة، وهذا ما تنبه له صانع القرار الأمريكي، ويتضح من خلال حديث نائب الرئيس جي دي فانس الذي أشار بقوله: "عصر الهيمنة الأمريكية غير المتنازع عليها قد انتهى"، قالها في خطاب تخرج الأكاديمية البحرية الأمريكية في مايو 2025م وكررها بعدها: "أمريكا كانت لفترة قصيرة قوة عظمى بلا ند بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، الآن تواجه تهديدات جدية في كل مجال، الصين وروسيا وغيرهما مصممة على هزيمتنا في كل مجال، من الطيف الترددي إلى المدار الأرضي المنخفض إلى سلاسل الإمداد". وهذا يبين مدى إدراك واشنطن للمخاطر التي تتربص بها في التدخل المباشر في نزاعات العالم، لأن ذلك يعني ببساطة الاستنزاف، وأن قادة أمريكا السابقين استنزفوا الجيش في بناء الديمقراطيات في الشرق الأوسط بدل الاستعداد لمنافسين حقيقيين مثل الصين التي تنمو بقوة كبيرة، كما قال نائب الرئيس: "كم يمكن أن يكون صعبًا بناء بعض الديمقراطيات في الشرق الأوسط؟ تبين أنه شبه مستحيل، ومكلف بشكل لا يصدق".
لم يكن ذلك موقف نائب الرئيس وحده، بل نفس الفكرة أقر بها الرئيس دونالد ترامب في تعليقه على كلام الرئيس الصيني شي جين بينغ بأن أمريكا أمة في انحدار، فرد عليه ترامب: "قبل عامين، كنا بالفعل أمة في حالة انحدار، في ذلك أوافق الرئيس الصيني 100%"، ثم قال: "الآن أمريكا عادت الأكثر تألقًا في العالم". وخلاصة القول: صانع القرار الأمريكي أدرك أن الولايات المتحدة لم تعد القطب الأوحد المتربع على عرش العالم، وأن أي قول بذلك قد انتهى، لأن العالم دخل عصر تعدد الأقطاب، وكل ما تحتاجه واشنطن هو ضرورة إعادة التصنيع الداخلي لأن الأمن الصناعي هو ركيزة الأمن القومي، والعمل لبناء أمريكا أولًا، وما يؤكد ذلك الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني، إذ أظهر الرئيس الأمريكي حفاوة كبيرة تميزت بكسره لبروتوكول استقبال الرؤساء الذي يقتصر على الاستقبال عند باب البيت الأبيض، فكانت السجادة الحمراء والانتظار عند سلم الطائرة، وهي صورة لم تكن مألوفة عند الرؤساء الأمريكيين السابقين، وهذا يفسر اعترافًا أمريكيًا واضحًا بقوة الصين كقطب عالمي يجب احترامه والتفاهم معه على المصالح المشتركة عوضًا عن استعدائه والتصادم معه لأن ذلك لا يخدم أمريكا.
تبين التوجهات الأمريكية الأخيرة وتصريحات الرئيس بضرورة عقد قمة ثلاثية بين قيادات الولايات المتحدة والصين وروسيا في العاصمة بكين دلالة واضحة على أن العالم يعيد هندسة نظامه بصورة جديدة بعيدًا عن مظلة الهيمنة الأمريكية خلال العقود الماضية التي تميزت باختلال التوازن الدولي الذي وضع كأساس للنظام العالمي نهاية الحرب العالمية الثانية. وتوضح التحركات السياسية وصول العالم إلى نقطة اللاعودة في هذا المنحى بعد طفو الخلاف العميق بين أوروبا والولايات المتحدة، حليفي الأمس والمتقاسمين للنفوذ على مستوى العالم، في مشهد دراماتيكي ينبئ بوجود مسار جديد في طور التشكل لاختيار الأقطاب العالمية الجديدة.