خطوات خارج قفص التجهيل (الخطوة الرابعة والثمانون)
حتى لا يجد المتحذلقون والمزايدون فرصة للتطفل علينا وعلى مواقفنا، نجدد هنا تأكيدنا ووقوفنا في صف معركة استعادة الدولة، وإن كنا غير مقتنعين بمن يتصدرون حاليًا مشهد الدولة على كافة المستويات!
لسنا وحدنا من نؤكد هذا الموقف، بل الوطن بكل فئاته وشرائحه السياسية والاجتماعية يؤكد ذلك، ويقف في صف معركة استعادة الدولة ويحلم بالخروج من الكابوس الذي يعيشه ويعاني تبعاته ويدفع فاتورته على مدى سنوات الحرب!
ما نشترطه نحن وكل أبناء الوطن هو مصداقية أن تستوفي هذه المعركة شروط استعداد خوضها من حيث التعبئة والتنظيم وواحدية القرار، وأن تمثل محطة أخيرة في معاناة الوطن، وليست مجرد جولة لتحسين شروط تفاوض هنا أو هناك، وأن تمثل نهاية للعهد المظلم لكل الجماعات الخارجة عن الدولة وليست جماعة الحوثي فقط!
من يوجهون فوهات بنادقهم اليوم إلى صنعاء بحجة استعادة الدولة، عجزوا للأسف عن صنع دولة في مناطق سيطرتهم، وأخفقوا في إزالة آثار الانقلابات المسلحة الإماراتية المتلاحقة في عدن إرضاءً لبعض جماعاتها المسلحة خارج الدولة!
ومن يتحدثون في صنعاء عن سيادة اليمن ومواجهة ما يسمونه العدوان السعودي، ويوزعون رسائل الموت بواسطة الصواريخ والمسيرات على عدن وغيرها من المناطق، لا يكترثون إلى انتهاك سيادة مناطقهم من إيران وغيرها، ولا يخجلون من ممارسة سلوكهم الداعي إلى العودة بالوطن عشرات السنين إلى الخلف!
جماعات وأحزاب مجلس العليمي المتنافرة والمتصارعة والمتنافسة على التبعية للإقليم تعاني من مرض الفساد العضال الذي حولها إلى مجرد مظلة للتدخل العربي وحصر عملها كـ(محلل) ونزع عنها أهلية خوض أية معركة مصير، وحولها إلى مصنع نشط لتفريخ الجماعات المسلحة خارج الدولة ومنحها شرعية الحضور السياسي على حساب قضايا الصراع!
تلك الجماعات ومعها جماعات أخرى تشكلت على هامشها (إعلاميون ورواد تواصل اجتماعي ومخبرون وشاغلو مهن غير أخلاقية) تمثل داء الوطن العضال، وأي حديث عن محاربة إحداها لصالح الأخرى وليس لصالح الوطن، هو حديث عن حرب ضد الوطن لصالح تلك الجماعات مجتمعة!
أكثر من اثني عشر عامًا من الحرب وتوقف الحياة في اليمن عجزت فيها كل أطراف المشهد إقليميًا ويمنيًا عن إظهار أية نوايا أو برامج صادقة لإنهاء معاناة اليمن، حيث شهدت تلك السنوات حروبًا جانبيه مستحدثة خارجة عن معركة التدخل الرئيسية، مما قاد اليمن إلى أن يتحول إلى ساحة حرب دولية خرج قرارها من أيدي كافة أطراف المشهد الإقليمي وأدواتها المحلية!
تآمرت أطراف المشهد في اليمن على بعضها ومارست التذاكي للاحتيال والالتفاف على قضايا الصراع الرئيسية بدلًا من وضع حلول لتلك القضايا، فجعلت من اليمن مسرحًا كبيرًا تُعرض على جثامين وجراحات ومعاناة أبنائه مسرحية دموية كُتب السيناريو لها خارج اليمن، وتم اختيار ممثليها وتلقينهم خارج حدود اليمن أيضًا، وما زالت فصول تلك المسرحية مستمرة حتى اللحظة!
القضية الجنوبية هي أكثر طرف مورس عليه الاحتيال والتذاكي بدءًا بمحاربة الحراك الجنوبي وإنهاء حضوره، وصناعة بديل عنه بمسمى (جماعة الانتقالي) كمقاول هدم لتمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي الجنوبي مقابل إدماجها وإشراكها في إطار سلطة شرعية (ديكورية)، ثم استغلال الجماعة ذاتها للتوقيع على التزامات سيكون على الجنوبيين تحمل تبعاتها لسنوات طويلة حتى تعود قضيتهم كما كانت قبل عام النكسة 2017م وانتهاء بحل الجماعة واتهامها بالخيانة العظمى!
نسمع همهمات من بعض مرضى السلطة من الجنوبيين وهم يلوكون حديثًا فحواه أن (دعم الحوثي وعدم مواجهته ميدانيًا يمثل انتصارًا للجنوب وقضيته)، وهو حديث لا معنى له ولا وظيفة سوى أنه يكشف حقيقة المشاريع الهزيلة لهؤلاء ويفضح ما تخفيه سرديات خطابهم وشعاراتهم من رغبة مريضة استعبدت أولئك النفر، وهو في النهاية حديث لا يمثل شرفاء الجنوب!
إصرار التحالف غير المبرر وغير المفهوم على حصر (الشرعية) في جماعات وأحزاب ومناطق بعينها، وإهمال وإقصاء قوى ومناطق ومحافظات أخرى سياسيًا، يمثل أحد أهم أسباب كل ما تقدم، وسيمثل أحد أهم أسباب أية انتكاسة قادمة لا سمح الله في الميدان فالأمر لا يفقد الوطن الاستفادة من جل طاقاته فقط، بل يحوّل تلك المناطق والأطراف إلى قنبلة موقوتة قد تنفجر في وجه الجميع في أية لحظة، وتعيد الجميع إلى المربع الأول وهو ما لا نتمناه!
ارتهان مجلس جماعات الشرعية ومن خلفهم التحالف لعقيدة ووسيلة رد الفعل في مواجهة طرف يصفونه بأنه انقلب على الدولة واختطف مؤسساتها أمر يفتح الباب على مصراعيه للكثير من الظنون والشكوك والتساؤلات، لأن المنطقي أن صاحب الحق المُختطف هو الأولى بمبادرة البحث عن ذلك الحق، وليس الخاطف من يضعه المنطق في موضع المبادر بالفعل!



