السبت 3 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • اليمن في الأطلس الإسرائيلي الجديد.. عدن في دفتر حسابات تل أبيب

اليمن في الأطلس الإسرائيلي الجديد.. عدن في دفتر حسابات تل أبيب

انهيار الحدود

فقدت الحدود المرسومة في العهد الاستعماري معناها لتحل محلها فسيفساء من القبائل والعشائر والإمارات التي كانت سائدة قبل سايكس-بيكو.

ذلك ما يراه الكاتب الإسرائيلي مئير سويسا في مقالته المنشورة بأكبر صحيفة إسرائيلية "يديعوت أحرونوت"، مارس الماضي، التي نقلتها بعض المواقع العربية تحت عنوان "سايكس بيكو ٢٠٢٦".

الحرب على ايران
الحرب على ايران

ويقول: "ما نشهده اليوم ليس مجرد حرب إسرائيلية أمريكية ضد ما يسمى محور الشر بقيادة إيران، إنه الصراع الذي سيمحو أخيرًا الخريطة التي رسمتها بريطانيا وفرنسا عام ١٩١٦، وأن هدف الحرب على إيران ليس إيران، فالدول العربية هي التالية، ولا مكان للدولة القومية، القبيلة والعشيرة هي وحدة الحكم للعرب".

ويشير إلى أنه في اللحظة التي بدأت فيها القوة العسكرية لوكلاء إيران بالتصدع، لم تعد الأيديولوجيا وحدها قادرة على السيطرة على الأرض، منوهًا إلى أنه من دون حذاء الحرس الثوري في بيروت ودمشق وصنعاء، يعود المحور الشيعي إلى موقعه التاريخي كأقلية مضطهدة في بحر سني معاد... "إسرائيل أصبحت عمليًا هي المقاول الذي ينفذ مصالح العالم السني. الدول العربية المعتدلة كانت تحلم سرًا بتفكيك الهلال الشيعي، لكنها تخشى التحرك علنًا، والآن وجدت هدفها يتحقق على يد إسرائيل والولايات المتحدة".

ويضيف: "هذا الانتصار سيأتي بثمن باهظ للنظام الإقليمي القديم القائم على الدولة القومية".

ويخلص إلى: "الفاعل الوحيد القادر على تحقيق اختراق حقيقي، هم الأكراد، المجموعة الوحيدة التي تمتلك رواية متماسكة، وأرضًا متصلة، وإصرارًا حديديًا، ولا تعتمد على أيديولوجية دينية متطرفة أو حدود استعمارية عشوائية".

تلك هي القراءة العارية لهذا الكاتب اليميني الذي تنتهي فكرته الجوهرية عند: انهيار النفوذ الإيراني= انهيار الدولة القومية المركزية في الشرق الأوسط والعودة إلى نموذج ما قبل ١٩١٦ +صعود الكرد كدولة قادمة.

يتشارك هذه الرؤية مع مئير سويسا المؤرخ والأستاذ الجامعي الأمريكي مايكل روبين، المستشار السابق في البنتاجون لشؤون إيران والعراق، وهو يرى أن اتفاقية سايكس بيكو انتهت، وأن الشرق الأوسط يجب أن يعاد رسمه على أساس عرقي طائفي، فقد فشلت دولة القومية العربية، والبديل هو كيانات صغيرة طائفية وقبلية موالية للغرب.

مايكل روبين
مايكل روبين

يلتقي سويسا مع روبين عند نقطة: الطرفان المؤهلان لرسم الخارطة الجديدة هما واشنطن وتل أبيب.

الجنوب في حسابات تل أبيب

في ١٠ سبتمبر ٢٠٢٠، تم التوقيع الرسمي على اتفاقيات إبراهيم الأب المشترك لليهود والعرب، في البيت الأبيض، بين إسرائيل والإمارات والبحرين والمغرب والسودان، وهي اتفاقيات تجاوزت القضية الفلسطينية، وقامت على منطق "السلام مقابل السلام"، وعلى فكرة أن العالم العربي القديم بما فيه القضية الفلسطينية انتهى، والبديل هو تحالفات إقليمية على أساس الأمن والاقتصاد، وكان الهدف الرئيسي منها هو دمج إسرائيل في الخليج أمنيًا واقتصاديًا.

توقيع اتفاقيات إبراهيم في البيت الأبيض
توقيع اتفاقيات إبراهيم في البيت الأبيض

على إثر ذلك، برزت مجموعة من الخبراء والكتاب المختصين بالشأن الخليجي، وتزايد اهتمام المراكز الإسرائيلية الاستراتيجية والأمنية بمنطقة الخليج واليمن، بخاصة الجنوب، بعد تصريحات عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي، المرحبة بالاتفاق والتطبيع، في ديسمبر ٢٠٢٠، الذي نشرت فيه وثيقة باسم آري هايشتاين، الباحث في معهد القدس للاستراتيجية والأمن، والرئيس السابق لطاقم معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في تل أبيب iNSs، تحت عنوان: لماذا ينبغي على إسرائيل دعم الانفصاليين الجنوبيين؟

عيدروس الزبيدي -أ.ف.ب
عيدروس الزبيدي -أ.ف.ب

قال هايشتاين صراحة إن على إسرائيل أن تعيد النظر في سياستها تجاه اليمن، وأن تفكر في دعم المجلس الانتقالي بصورة أكثر نشاطًا، مبررًا ذلك بجملة من المصالح الإسرائيلية، ومواجهة النفوذ الإيراني، وإضعاف الحوثيين، ومواجهة التنظيمات المتطرفة.

في السياق، تركزت الوثائق اللاحقة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي على البحر الأحمر واليمن، وبدت أقل اهتمامًا بمسألة الحرب الداخلية، وقالت وثيقة صادرة عن المعهد إن الهجمات الحوثية جعلت باب المندب جزءًا من المواجهة الإقليمية، وإن اتفاقيات أبراهام التي وضعت التعاون العسكري الأمريكي الإسرائيلي تحت القيادة المركزية الأمريكية، تتيح لإسرائيل أن تكون شريكًا في تحالف بحري إقليمي.

من هذا المنظور تغير معنى جنوب اليمن!

وتبعًا لذلك، لم يعد الجنوب وقضية الانفصال يمنية، بل تحول في الرؤية الاستراتيجية إلى موقع بحري: عدن، سقطرى، باب المندب، خليج عدن... كلها بدأت بالظهور داخل شبكة واحدة.

قلعة صيرة
قلعة صيرة

بعد هايشتاين، برز دور الدكتور يوئيل غوزانسكي، رئيس برنامج الخليج في معهد الأمن القومي الإسرائيلي، خبير سابق في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي بمكتب رئيس الوزراء، وفي ديسمبر ٢٠٢٥، نشر له المعهد مادة بعنوان: "جنوب اليمن ينهض مجددًا"، ربطت التطورات في عدن وحضرموت وموقع الجنوب البحري مباشرة بالمصالح الإسرائيلية، وأشارت، أيضًا، إلى أن عيدروس الزبيدي سبق أن ألمح إلى إمكانية انضمام جنوب اليمن إلى اتفاقيات أبراهام مستقبلًا.

يوئيل غوزانسكي
يوئيل غوزانسكي

وفيما أشارت هذه الوثيقة إلى أن الجنوب أقرب إلى الإمارات، فقد اعتبرته جزءًا محتملًا من شبكة تقودها الإمارات وإسرائيل في إطار الأمن البحري.

في ديسمبر ٢٠٢٥، أيضًا، ظهر النص الإسرائيلي الأمريكي الأهم الممهور بتوقيع مايكل روبين، بعنوان: "بعد أرض الصومال، ينبغي الاعتراف بجنوب اليمن"، وتضمن دعوة لإسرائيل والولايات المتحدة ودول اتفاقيات أبراهام إلى الاعتراف بجنوب اليمن، وإقامة علاقات دبلوماسية معه، وتحدث عن عدن أو جنوب الجزيرة العربية ككيان مستقل.

واضح أن كتابات سويسا وهايشتاين وغوزانيسكي وروبين، تلتقي على النظر إلى اليمن من البحر، كبلد بلا سكان، بلا صنعاء ولا عدن ولا أحد، بإسقاط للحرب وللمحنة اليمنية المتطاولة... النظر إلى بلد اللا أحد من باب المندب، حيث تبدو اليمن في تلك الخرائط الاستراتيجية أقل شبهًا ببلد وأكثر شبهًا بمفصل بحري يصل آسيا بإفريقيا والبحر الأحمر إلى قناة السويس وإيلات.

ولئن كانت الخرائط اليمنية تحتوي صنعاء كعاصمة تاريخية وعدن كمدينة وميناء، فقد انعدمتا، قيمة ومعنى، في الخرائط الإسرائيلية الجديدة تمامًا، خط بحري طويل يبدأ بخليج عدن ولا ينتهي إلا بإيلات.

لم تعد ثمة قضية يمنية، أو قضية جنوبية، وإنما عقدة بحرية، ولا سياسة داخلية يمنية، فقد احتلت الجغرافيا موقع الصدارة، وغدت كل النقاط والمواقع البحرية المذكورة آنفًا، طريقًا حيويًا للتجارة الإسرائيلية، بحسب المصادر الإسرائيلية التي طالما كررت التأكيد بأن الهجمات الحوثية جعلت هذا البعد أكثر وضوحًا.

على هذا الخط، الطريق، لا تظهر سقطرى كجزيرة يمنية ساحرة، بل باعتبارها موقعًا في شبكة الموانئ والممرات المندرجة لخدمة المصالح الإسرائيلية الحيوية!

سقطرى بعدسة الغابري
جزيرة سقطرى- بعدسة عبدالرحمن الغابري

في كل الأحوال، تربط جميع المصادر والكتابات الإسرائيلية بين دعم الإمارات للقوى الجنوبية وبين مصالحها الإقليمية في الموانئ والسواحل اليمنية، وتعتبر الجنوب جزءًا من شبكة النفوذ الإماراتي، وتعول على أبوظبي في تأهيل القوى المحلية المناسبة لخدمة مصالحها والاستجابة لتوقعاتها المتماهية مع الإمارات التي لا تنظر إلى عدن كميناء، وإنما كموقع بحري، عقدة مواصلات، نقطة مراقبة.

ذلك ما يحدث لبلد منهك، مستنزف على النحو الذي سمح للقوى الخارجية بالتجرؤ على رسم مستقبله من خلال موانئه وممراته البحرية، لا من خلال مدنه وسكانه وتاريخه ومصالحه.

وفيما يدخل اليمن في فصل جديد من جحيم هذه الحرب التي انزلقت إليها مليشيات لا تفقه شيئًا في أبجديات البحر، هنالك من يرسم خريطة له، ويقترح شكله الآتي كما يشاء.

وتجمع المصادر والكتابات الإسرائيلية على أنه بعد اتفاقيات إبراهيم مباشرة لا ينبغي أن تقرأ أحداث المنطقة بمعزل عن هذا التحول الإقليمي، ولا ينبغي التعامل مع الجنوب باعتباره قضية يمنية، ويفترض وضع المجلس الانتقالي في إطار حسابات التحالفات وموازين القوى.

هكذا دخل الجنوب في دفتر الحسابات الإسرائيلية، واللافت أنه بعد أحداث حضرموت في ديسمبر ٢٠٢٤ عاد آري هايشتاين لينشر في "ناشيونال إنترست" تحليلًا عن "صعود وسقوط المجلس الانتقالي الجنوبي"، في يناير ٢٠٢٥، تطرق فيه إلى التنافس الإماراتي السعودي، وسوء تقدير الانتقالي، ولم يتحدث عن اليمن بوصفه بلدًا غارقًا في الحرب، بل بوصفه مساحة ينبغي لإسرائيل أن تعيد النظر في موقعها منها، ومن موقع الجنوب في حسابات البحر الأحمر والإقليم.

آري هايشتاين
آري هايشتاين

أكد هذا الخبير في معهد دراسات الأمن القومي على ضرورة إعادة تشكيل منظومة الأمن والتجارة في البحر الأحمر: في نهاية الأمر، ليست المسألة خريطة جديدة لليمن فحسب، وإنما من يملك حق رسم الخريطة، وحق تسمية البحار والموانئ والجزر، ومن يقف خارج الورقة التي ترسم عليها حدود المستقبل.

لقد اقترب هايشتاين من اليمن ليس بوصفه مأساة إنسانية، أو بلدًا منقسمًا تتناتشه قوى إقليمية، وإنما باعتباره مساحة يتوجب التعاطي معها في ضوء المقتضيات التي فرضها دخول المنطقة مرحلة جديدة بعد اتفاقيات أبراهام التي أبرمت حينما كانت الحرب اليمنية وصلت إلى طريق مسدود، ولم تعد فيها الأمور في الجنوب متعلقة بحق تقرير المصير، ولا مرتبطة بالتاريخ السياسي لجنوب اليمن، ولا بتقييم تجربة الوحدة اليمنية، بقدر ما صار ينظر إليها من زاوية: ما القوة التي يمكن أن تخدم إسرائيل في يمن مضطرب؟

إن هايشتاين وغيره من الكتاب والخبراء الاستراتيجيين لا يقعون في سوء تقديرهم لليمن أو لمدينة عدن سهوًا، بل يستندون إلى منهجية تأخذ بالحسبان أهمية الموقع الاستراتيجي لهذه المدينة، دونما اكتراث لواقع أنها ميناء وذاكرة وبيوت وأحياء وحيوات ومعالم وعلامات وطبقات متراكمة من التاريخ.

ما تريده الأطالس الأمنية هذه لعدن هو محوها من الوجود، واختزالها إلى مجرد نقطة على خط بحري طويل، مزنرة بأحزمة من الخفر المرتزقة، الحراس لمصالح إسرائيل وغيرها.

وتتضاعف قتامة المشهد مع تغليب دور الجغرافيا البحرية التي فرضت حضورها الشرس مؤخرًا بكل جهامة، وغدا معها اليمن بلادًا بلا دواخل ولا بحار ولا سواحل، وأصبح جنوبه جزءًا من جغرافيا بحرية تتجاوز حدود اليمن بكثير، وفقًا لتصورات خبراء معاهد ومراكز الدراسات الأمنية الإسرائيلية.

وفي نظر كبير الخبراء في المعهد القومي للدراسات الأمنية بتل أبيب، يوئيل غوزانسكي، فإن الجنوب ليس مجرد قضية انفصال، بل أصبح كيانًا محتملًا على ساحل البحر الأحمر، له ميناء وموقع وباب مندب وراعٍ إقليمي: الإمارات، وهو -أي الجنوب- نافذة متاحه لإسرائيل عبر المرور بإدارة العلاقة مع أبوظبي.

وتظل النقطة الأهم في تقديرات هذا الخبير، ليست "الجنوب"، إنها: البحر، وهو يصر على انتزاع عدن من الجغرافيا اليمنية إلى الجغرافيا الإقليمية، وفي نصه لم تعد عدن مجرد ميناء لعاصمة محتملة، إنه ميناء يقع قرب مضيق باب المندب، والمضيق نفسه يقع داخل مجال بحري تقول إسرائيل إنه حيوي لأمنها!

ولا يتوقف الأمر عند حدود ما يصدر عن الكتاب والخبراء في مصانع الفكر والقرار الإسرائيلي، فالمعطيات الأمنية والاقتصادية والسياسية التي نشأت بعد اتفاقيات أبراهام أصبحت نشطة وفعالة، وأضحى منطقها يقول إن المسألة تجاوزت سؤال الدولة الجنوبية المحتملة إلى سؤال المكان الذي تحكمه دولة كهذه، إن قامت، داخل نظام إقليمي يتغير أمام أعيننا.

يرى غوزانيسكي أن أبوظبي تلعب دور الوسيط أو الجسر لعبور الجنوب نحو البيئة التي نشأت حول اتفاقيات إبراهيم.

من هنا يكتسي الحديث عن أطلس إسرائيلي جديد للمنطقة، أهميته، فالخريطة ترسم وتصنع عبر الحروب، ومناطق النفوذ والممرات البحرية والاقتصاد والتحالفات، ثم تمنح شرعية سياسية وقانونية في وقت لاحق.

وتبعًا لمنطق الأمور هذا، فإن الخريطة اليمنية القادمة لن تبدأ من صنعاء ولا من عدن، وإنما من الساحل والبحر وباب المندب وحضرموت والمهرة، حيث العمق البحري الاستراتيجي.

لقد انتهت سايكس بيكو، لأن القوى التي كانت تحرس المنظومة التي نشأت بموجبها، لم تعد صاحبة قرار، ولأن الخريطة الجديدة ترسم بالدم والنار، قطعة قطعة، في غزة وسوريا والعراق واليمن والبحر الأحمر والقرن الإفريقي، وهنالك خرائط أخرى تنعكس فيها تصورات دول وقوى إقليمية مناوئة لما ترسمه اليد الإسرائيلية الأمريكية، ويبقى الأمر الأكثر إثارة كامنًا في أن اليمن يقع عند نقطة تقاطع كل هذه الخرائط.

أما ما هو ظاهر ومؤكد وعنيد، فيكمن في واقع أن إسرائيل هي الطرف المبادر لطرح تصور جغرافي جديد للمنطقة، وتتعامل مع مجموعة دول هذه المنطقة باعتبارها شبكة من الممرات والتحالفات ومصادر الطاقة والموانئ ونقاط الاختناق الاستراتيجي التي ينبغي أن تكرس لمصلحتها.

بمقتضى هذا التصور يصبح البحر الأحمر وباب المندب وموانئ اليمن وسواحلها جزءًا من جغرافيا أكبر، تتجاوز اليمن وحدوده المتعارف عليها، ويا لبؤس هذا البلد الذي يفتقر إلى الفاعلين المؤهلين لاقتراح خارطة تتدارك بلادهم في ضوء هذه التطورات الدراماتيكية التي تشهدها البلاد ومنطقة باب المندب وحضرموت والمهرة، حيث أصبح من الوارد أن تتبلور خارطة لليمن تبدأ من الشرق -حضرموت والمهرة- استجابة لمنطق الجغرافيا الاستراتيجية، خارطة تضع أيدينا على شيء مختلف تمامًا عما عهدنا في حقبة الخريطة اليمنية التقليدية التي كانت فيها صنعاء تحتفظ بموقع المركز السياسي التاريخي، قبل أن تعصف بها جائحة ما قبل التاريخ.