الأحد 1 نوفمبر 2026
  • الرئيسية
  • السعودية بين ضجيج الحلفاء ومكاسب سلطة صنعاء

السعودية بين ضجيج الحلفاء ومكاسب سلطة صنعاء

وقعت السعودية في فخ الفجوة بين امتلاك أدوات التأثير والقدرة على تحويلها إلى نتائج سياسية مستقرة في اليمن، فوفرة التمويل والمنابر الإعلامية والعلاقات الدولية لا تصنع وحدها حليفًا قادرًا على إدارة دولة، ولا تمنح القوى المدعومة ثقة الناس تلقائيًا، وقد تمثل الخلل في التعويل على القيادات والشخصيات والتحالفات أكثر من الاستثمار في مؤسسات تعمل وتخضع للمساءلة، بينما يقيس المواطن جدوى أي مشروع بما يلمسه من أمن وعدالة وخدمات وفرص للعيش.

وحين تصبح العلاقة مع الراعي الخارجي أهم من العلاقة بالمجتمع تتنافس القوى على الوصول إلى المسؤولين وكسب رضا الممول بدلًا من التنافس على تحسين حياة الناس، وتجد السعودية نفسها أمام معادلة مكلفة تدعم حلفاء لمنع انهيارهم، فيما يسهم تنازعهم وضعف أدائهم في إطالة الأزمة التي يفترض أن ينهيها هذا الدعم.

وفي قلب هذا الإخفاق تبرز مسؤولية الإخوان المسلمين والتيار المرتبط بهم داخل حزب الإصلاح، فقد منحهم نفوذهم الواسع داخل مؤسسات الشرعية وشبكاتهم التنظيمية والإعلامية فرصة للمشاركة في بناء بديل سياسي مقنع، لكن حجم هذا النفوذ لم يتحول إلى نتائج توازيه في بناء المؤسسات أو توحيد القوى المناهضة للحوثيين، ولا يعني ذلك أن الشرعية ملك خالص للإصلاح، أو أن بقية أطرافها معفاة من المسؤولية، بل يعني أن من يمتلك تأثيرًا أكبر يتحمل مسؤولية أكبر، ولا يستقيم أن يقدم نفسه باعتباره القوة الأقدر على التنظيم والقيادة ثم يتنصل من نتائج الأداء العام. والمشكلة الأعمق تبدأ حين تصبح المحافظة على الحصة الحزبية ومواقع النفوذ أولوية تتقدم على إصلاح الدولة، وحين تقاس الشراكة بمدى خضوع الآخرين للتنظيم بدلًا من قدرتها على جمع المختلفين حول مشروع وطني.

ولم تعد معركة اليمن محصورة في السلاح والجبهات، فقد امتدت إلى صناعة الرواية والتحكم في الأصوات التي تصل إلى الجمهور عبر القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي والبودكاست ومراكز الدراسات وبيوت الخبرة والمنظمات والندوات، وتظهر إشكالية هذه الأدوات حين تستخدم لإعادة إنتاج الدائرة السياسية نفسها، فتستضاف الشخصيات المتوافقة، وتستبعد الأصوات الناقدة، وتطرح الأسئلة التي تدين الخصم، وتتجنب مساءلة الحليف. وليس كل ظهور إعلامي دليلًا على تبعية، ولا كل تقارب في الخطاب إثباتًا لتمويل مشترك، لكن تكرار الانتقاء وغياب المساءلة يحولان المنصة إلى طرف في الصراع مهما رفعت شعار الاستقلال. وهنا يتجلى إخفاق القوى المرتبطة بالإخوان حين لا ينعكس اتساع حضورها الإعلامي على قدرتها على بناء الثقة خارج جمهورها أو تقديم نموذج للحكم يستحق التأييد، فإدانة الحوثيين مهما كانت مبررة لا تكفي لإثبات أهلية خصومهم لقيادة الدولة.

ويتعمق هذا الخلل عندما ينتقل التنافس من خدمة القضية اليمنية إلى التزاحم على أموال الدعم ودعوات السفر ومقاعد الندوات والمؤتمرات، واحتكار صفة تمثيل اليمنيين، فهذه الأنشطة يمكن أن تخدم السلام والمعرفة والمناصرة، لكنها تفقد قيمتها حين تصبح بديلًا عن العمل أو وسيلة لتدوير الوجوه والمصالح نفسها، وحين ترتبط المكانة السياسية باستمرار التمويل والظهور أكثر من ارتباطها بنتائج قابلة للقياس، تضعف الحوافز لمراجعة الأخطاء، ويصبح الحفاظ على شبكة العلاقات أهم من تصحيح المسار، ويدفع اليمنيون ثمن هذه الفجوة بين خطاب يتحدث عن إنقاذهم وممارسة تنشغل بتوزيع فرص الحديث باسمهم، فيما تبقى الأسئلة الأساسية بلا إجابة: ماذا تحقق للناس وكيف أنفقت الموارد ومن يتحمل مسؤولية الفشل؟

ويستفيد الحوثيون من هذا المأزق كلما اتسعت الفجوة بين السعودية وحلفائها وبين تطلعات المجتمع اليمني، إذ يمنحهم تشتت خصومهم وضعف أدائهم فرصة لتعزيز سلطتهم وتقديم أنفسهم باعتبارهم الطرف الأكثر تماسكًا، كما يتيح لهم حضورهم المباشر عبر أجهزة السلطة وشبكات التعبئة التأثير في حياة الناس، بينما تمنحهم أخطاء التدخل الخارجي مادة لتغذية خطاب السيادة، ولهذا فإن خروج السعودية من فخ اليمن يحتاج إلى استراتيجية تحول هدفها من إدارة تناقضات الحلفاء إلى بناء شروط استقرار قابل للاستمرار تبدأ بربط الدعم بإصلاح المؤسسات وشفافية الإنفاق ووقف تمويل التنافس بين القوى المحسوبة على المعسكر نفسه وتوسيع التواصل مع المجتمع اليمني بما يتجاوز الوسطاء الحزبيين وتركيز الأولويات الأمنية على حماية الحدود ومنع الاعتداءات ضمن ترتيبات متبادلة وقابلة للتحقق، وبالتوازي دعم تسوية يمنية شاملة برعاية الأمم المتحدة تربط التفاهمات الأمنية بضمانات سياسية واقتصادية، وتحول دون عرقلة السلام من أطراف مستفيدة من استمرار الحرب أو تكريس تقاسم البلاد بين القوى المتصارعة، فالمخرج السعودي المستدام هو انتقال تدريجي من الانخراط في الصراع إلى ضمان تسوية تحمي أمن المملكة وتدعم قدرة اليمنيين على بناء دولتهم.