اليمن يُستنزف والقيادة غائبة: شعب يقاتل ومسؤولون يحافظون على مناصبهم
ليست كل الهزائم نتيجة قوة الخصم، ولا كل الخسائر سببها ضعف القضية. أحيانًا تكون المأساة في غياب القيادة القادرة على تحويل الحق، والدعم، وإرادة الشعب إلى مشروع نصر حقيقي.
وهذا هو جوهر مأساة اليمن اليوم.
المعركة ليست خلافًا سياسيًا عابرًا، بل معركة استعادة دولة اختطفتها مليشيات مسلحة، وإعادة حق اليمنيين في دولة تقوم على الحرية والكرامة والمساواة. ومع ذلك، وبعد سنوات طويلة، ما زالت الخسائر تتكرر، فيما تبدو القيادة التي يفترض أنها تدير معركة استعادة الدولة بعيدة عن حجم الخطر ومعاناة الناس.
الشرعية تملك اعترافًا دوليًا، ودعمًا إقليميًا، وإمكانات سياسية وعسكرية، وشعبًا دفع من دمه وماله ومستقبله ثمنًا باهظًا. ومع ذلك، أين النتيجة؟
لماذا تتقدم المليشيات بينما تتراجع مؤسسات الدولة؟
لماذا يقاتل رجال المقاومة بأبسط الإمكانات، بينما توجد موارد كبيرة يفترض أنها موجهة لمعركة استعادة الدولة؟
ولماذا يدفع الناس في صعدة وتعز ومأرب والحديدة والضالع وشبوة والبيضاء وغيرها الثمن، بينما يعيش كثير ممن يتصدرون المشهد بعيدًا عن الجبهات وعن تفاصيل معاناة المواطن؟
إن أكثر ما يوجع ليس فقط خسارة الأرض، بل الفجوة الهائلة بين من يضحون ومن يقررون.
هناك رجال يقاتلون ويموتون، وأسر تفقد أبناءها، ونازحون فقدوا بيوتهم، ومدن دفعت أثمانًا قاسية، وفي المقابل يستمر مسؤولون في مواقعهم وامتيازاتهم دون محاسبة حقيقية على فشل أو خسارة أو قرار كارثي.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: من يحاسب من؟ أين البرلمان؟ أين الأحزاب؟ وأين مؤسسات الرقابة؟
المشكلة ليست في شجاعة اليمنيين. لقد أثبت المقاتلون والمقاومون في أكثر من جبهة أن الإرادة موجودة، وأن رجالًا بإمكانات محدودة يستطيعون الصمود حين تتوفر لهم القيادة والإسناد.
ولا يمكن إنكار الدور العسكري للتحالف العربي، وبصورة خاصة الدعم السعودي الذي أسهم في منع سقوط مناطق عديدة وساند القوات والمقاومة في مراحل شديدة الصعوبة. لكن الدعم الخارجي، مهما بلغ، لا يمكن أن يكون بديلًا عن قيادة يمنية حاضرة في الميدان، تخطط وتتابع وتحاسب وتتحمل مسؤوليتها أمام شعبها.
فالانتصار لا تصنعه الأموال وحدها، ولا الطائرات وحدها، ولا الاعترافات الدولية.
الانتصار يحتاج قيادة.
قيادة لا تنام بينما رجالها يقاتلون، وتتحرك قبل الكارثة لا بعدها، ويكون همها استعادة الدولة لا الحفاظ على المناصب.
من المؤلم أن يقترب الخطر من مناطق جديدة بينما ما تزال أدوات القرار تعمل بعقلية رد الفعل. وهنا يجب أن يقال بوضوح: المناصب ليست ملكًا لأحد، والشرعية ليست امتيازًا شخصيًا، بل مسؤولية.
ومن يفشل في أداء هذه المسؤولية عليه أن يفسح المجال لمن يستطيع القيام بها.
ليس عيبًا أن يستقيل المسؤول إذا أخفق، بل العيب أن تتراكم الخسائر ويبقى في موقعه وكأن شيئًا لم يحدث.
اليمن لم يعد يحتمل مزيدًا من التجارب. من صعدة إلى المهرة، ومن تعز إلى عدن، هناك شعب أنهكته الحرب والفقر والنزوح والانقسام. شعب يريد دولة وأمنًا وكرامة، وقيادة تشعر بما يشعر به.
ومع ذلك، يبقى ما يستحق الاحترام: الأبطال الذين يقفون في الميدان، والمقاومون الذين يدافعون عن مناطقهم بإمكاناتهم الذاتية، والشرفاء الذين يدعمونهم، وكل من بقي متمسكًا بفكرة الجمهورية والدولة والمواطنة.
لكن صمود الناس لا يجوز أن يتحول إلى مبرر لاستمرار فشل القيادة.
ولا يجوز أن يبقى الجندي والمقاوم وحدهما يدفعان الثمن، بينما المسؤول يحتفظ بمنصبه مهما كانت النتائج.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي قضية عادلة أن تكون لها قيادة لا توازي عدالة قضيتها.
واليمن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من التبريرات، بل إلى مراجعة شاملة، وقيادة حقيقية، وغرفة قرار موحدة، ومحاسبة صارمة، وإدارة للمعركة بعقل الدولة لا بعقل المحاصصة.
وإذا كانت القيادة الحالية عاجزة عن ذلك، فعليها أن تمتلك شجاعة الاعتراف بالفشل، وتفسح الطريق لغيرها.
فاليمن أكبر من الأشخاص، وأغلى من المناصب، ودماء أبنائه ليست ثمنًا لبقاء أحد في السلطة.
وسيأتي يوم يسأل فيه اليمنيون كل من تولى مسؤولية في هذه المرحلة:
ماذا فعلتم حين كانت الدولة تُنتزع من أيديكم؟
وماذا فعلتم بالإمكانات التي كانت بين أيديكم؟
ولماذا ظل الشعب يقاتل ويضحي... بينما كانت القيادة غائبة؟
والتاريخ، مهما تأخر، لا ينسى.



