الجمعة 30 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • حِينَما تَرتَد السُخْرِيَّة عَلَى قائلها!

حِينَما تَرتَد السُخْرِيَّة عَلَى قائلها!

بداية، أود التأكيد هنا أن الحـ..وثي ليس صنعاء ولا عمران ولا ذمار ولا صعدة، فهو مجرد دخيل على المجتمع اليمني ككل، ولا حاضنة له بهذه المحافظات ولا بغيرها إلا في حدود ضيقة ولدى مَن يؤمن بتوجهاته الشيعية، وهم قلة في بعض مناطق قبائل القُبل السبع المحيطة بصنعاء! ولأن ما حدث منذ ثويرة 21 سبتمبر 2014م المشؤوم ولا يزال يحدث من فرز مذهبي ومناطقي بين أبناء محافظات إقليم (آزال) وبين المحافظات اليمنية الأُخرى، إنما يرجع إلى الحوثي نفسه! بخاصة وأن الفرز كان قد انتهى إلى حد كبير من بعد ثورة السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة 1962م! ولأن الحوثي مجرد وكيل للنظام الإيراني (الفارسي)، فقد ظل ولا يزال عدوًا لمحافظات صنعاء وذمار وعمران وصعدة، بقدر ما هو عدو أيضًا لمحافظات تعز وإب وعدن وحضرموت وبقية المحافظات اليمنية كلها دون استثناء!

وفي نفس الوقت لا بد من التوضيح، والحديث هنا عن شجاعة تعز محافظة ومدينة، أن الحوثي وَمَن مَعَهُ ممن لهم ثارات وتباينات مع أبناء تعز أو مع بعضهم، ظلوا يراهنون على بعض التباينات الحزبية بوجهٍ خاص، وعلى الاختلافات في الجوانب الشخصية وغيرها بوجهٍ عام داخل تعز، بخاصة وأن الحوثي بالذات كان ولا يزال يُتابع ما يُكتب ويُنشر في مختلف الوسائل الإعلامية وشبكة التواصل الاجتماعي بين أبناء تعز ضد بعضهم البعض! الخ.. فَرَاهن بذلك على سرعة (غزو) تعز المدينة، بخاصة بعد وجود مَن تساهل معه ببعض مناطق (ريف) تعز، إما بسبب خيانات مقصودة أو بوجود طابور (خامس) ظل ينخر في جسد تلك المناطق! الخ.. فظن اقتحام مدينة تعز سيكون سهلًا ومُيَسرًا! مع وجود أبناء بعض أُسر هاشمية (مزعومة) بالمدنية أيضًا.. الخ..
لكنه تفاجأ بتوحيد كل من في داخل مدينة تعز بمختلف توجهاتهم السياسية والحزبية والاجتماعية وَغيرها، فالكل وقف صفًا واحدًا ضد العدو المُشترك لهم! ولمعرفتهم المُسبقة بمدى حجم إجرامية الحوثي وروح الانتقام لدى طفل (مرَّان) الصعدي المدعو عبدالملك الحوثي فيما لو اقتحم مدينة تعز لا سمح الله ولا قدَّر، بسبب دور تعز مدينة ومحافظة ضد توجهاته الفكرية والعقائدية واللاوطنية في اليمن بوجه عام! لذلك كان لا بد من التلاحم ووحدة الصف من أجل العقيدة والوطن وثورة السادس والعشرين من سبتمبر الخالدة، رغم محدودية الدعم الكافي للجيش والمقاومة المدافعين عن مدينة تعز، باستثناء الضربات الجوية التي لا يُنكر دورها ولا يُستهان بما تقوم بها، وعلى أمل أن تستمر حتى تحرير تعز مدينة ومحافظة.
لذلك، فإن ما أكتبه هنا إنما يقتصر على مَن ظل يَتَمسْخر من عدم شجاعة أبناء تعز بالأمس وحصر الشجاعة به وبمن يُمثل فحسب!
وهكذا أظل أتعايش هذه الأيام وسط مدينة تعز، ومشاهدة الكل للشجاعة التي باتت الميزة الوحيدة لكل أبناء المدينة دون استثناء، حيث عظمة ونبل وشجاعة أبناء تعز، ضابطًا وجنديًا ومقاوِمًا وتاجرًا وطبيبًا وكاتبًا وواعظًا و... و... فالكل يخوض معركة الشرف والكرامة، كُلٌ في ما يخصه، ضد الحوثي الغازي الذي وحّدهم بصورة غير متوقعة له ولا لِأمثاله!
وإذا كان البعض بخاصة من غير أبناء تعز قد يستغرب كيف تحول القَلَم إلى بندقية وسماعة الطبيب إلى سلاح، والمدرس والمُحاضِر إلى مُقاوم، والمهني إلى جندي، والحزبي إلى فدائي، والتاجر إلى قائد ميداني والطالب إلى مدافع.. و.. و.. كيف تحول هذا كله إلى توليفة واحدة حفاظًا على عقيدتهم ووطنهم ومدينتهم وأرضهم وعرضهم وحاضر ومستقبل أبنائهم وأحفادهم؟!
أقول إذا كان البعض يستغرب من ذلك.، فإن أمثالي لم ولن يستغرب، فهذا هو ديدن ابن تعز محافظة ومدينة ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا بعون الله وتوفيقه..
وبالمقابل، أتذكر بعضًا من بعض أبناء قبائل إقليم آزال عامة، وبعضًا من أبناء قبائل (الطوق) المحيطة بالعاصمة صنعاء، بخاصة ممن ظلوا أو بالأحرى ظل بعضهم يسخرون من وَدَاعة وحِكمة وصبر أبناء تعز من المتواجدين بينهم هنا وهناك.. وقد تكون السخرية ممن درسه أو عالجه أو احتاج إليه في مهنة من المِهن التي يمتاز بها أبناء تعز أكثر من غيرهم، بل تأتي السخرية أحيانًا رغم ما باتت تمثله تعز من تطور وعطاء ثقافي واقتصادي وسياسي واجتماعي، وتواجدهم في كل محافظات ومدن اليمن، وهم يمارسون مَهَامهم المختلفة بكل صدق وأمانة، وامتيازهم بِعصَامية نادرة، وتلك هي إحدى مميزاتهم! حتى إن تواجد أبناء محافظة تعز خارج اليمن، بخاصة في الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية، يُعَد أكبر من تواجد غيرهم من أبناء المحافظات اليمنية الأُخرى بجانب أبناء محافظة حضرموت العزيزة.. الخ.
وتأتي السخرية من أبناء محافظة تعز، لعدم وجود صفة الشجاعة بهم حسب زعم بعض أبناء قبائل "الطوق"! فالشجاعة القبلية هي خاصة بهم كما ظلوا يزعمون ويكررون! حتى جاءت المليشيات الحُوثية، فظللنا نتابع مواقف بعض مشايخ وأبناء قبائل همدان وخولان الطيال وخولان بني عامر وبني حشيش وسنحان وأرحب وبني مطر، بجانب جزء يسير من بعض مشايخ حاشد وبكيل وغيرهما، لنتفاجأ أن أكبر شيخ من مشايخ "الطوق" بات ينام مبكرًا خوفًا من أصغر مُشرف حوثي! وأصبح معظم أطفالهم مُجرد وقود لجبهات المليشيات الحوثية لمحاربة أشقائهم في محافظتي تعز ومأرب وَغيرهما! وبات معظم آباء بعض هؤلاء الأطفال لا يعرفون مصير أبنائهم، بخاصة القتلى والجرحى منهم، إلا نادرًا، وعندما يتفضل أحد قناديل الحوثة بإخبارهم! بينما عند مقتل قنديل "هاشمي" مزعوم تخرج نفس هذه القبائل بالآلاف تشيّع وتستنكر وتشجُب! فهل هناك إهانة لهم أكبر من هذه الإهانة؟!
وقد تكون بعض القواسم المُشتركة بين العقيدة الزيدية (الجارودية) التي قد يدين بها بعض أبناء القبائل، وبين العقيدة "الشيعية" الحوثية، بعض من أسباب وقوف بعض هذه القبائل مع التوجهات والأهداف الحوثية! لكن حديثي هنا ينحصر في زعمهم بحصر الشجاعة لدى بعضهم دون غيرهم!
إنني لا أتحدث هنا بصيغة الجمع! فبعض من أبناء ومشايخ هذه القبائل، بخاصة من بعض قبائل عمران وصعدة أيضًا، هم مع الشرعية وضد المليشيات الحوثية، وبعضهم ضحوا بأموالهم وأنفسهم، ونالوا من ظلم المليشيات الحوثية ما ناله أبناء المحافظات اليمنية الأُخرى! فقد كان عدد أبناء صعدة من المسجونين بِنفس الزنزانة معنا في سجن الأمن الحوثي (القومي) سابقًا بصنعاء، هم ثلث العدد وبزنزانة واحدة! ودخل زميلنا ابن محافظة عمران الشيخ جمال المعمري السجن سليمًا وخرج منه مشلولًا.. وهذا على سبيل المثال لا الحصر!
حتى قبيلة (حاشد) التي ظلت تحكم اليمن ردحًا من الزمن، والمعروفة بصلابتها ضد (الإمامة)، وبتضحياتها مع النظام الجمهوري، باتت اليوم دون شيخ أو مرجع، كحال قبيلة بكيل التي ظلت ولا تزال بلا شيخ، دون أن أستثني أحدًا كائنًا من كان! بخاصة من بعد وفاة الطيب الذكر، الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر -رحمه الله- والذي ظل كميزان بين مختلف القبائل، ومسموعًا لديها، ومرجعًا بمجمل مجريات الحياة.. وأحسب لو كان حيًا لَمَا حدث انقلاب 21 سبتمبر 2014م المشؤوم، ولما بات بعض مشايخ قبيلته مجرد مشرفين لدى الحوثة، وبعض أبناء مشايخ قبيلته أيضًا مجرد طُهاة للكعك لدى المليشيات الحوثية! بل وَلَمَا أصبح مشايخ قبائل حاشد وغيرها بهذا الذل والهوان.. وأيًا كان وجود بعض التباين مع بعض توجهات وأهداف الشيخ الأحمر، وهو أمر وارد حتمًا! فإن ما لا يختلف عليه اثنان أنه وكما عرفته عن قُرب كان رجلًا وشيخًا استثنائيًا بِحق، كما عاش شيخًا ومات شيخًا رحمه الله!
ومرة أُخرى، لا أهدف مما أقوله هنا، النيل من بعض مشايخ وقبائل (الطوق) بالذات، وإنما أردتُ التأكيد أن بعض الشدائد والمحن، تكشف حقائق وشجاعة ومعادن بعض الرجال في كل زمانٍ ومكان! وربما قد تكون حَسَنة الحوثي الوحيدة، إن كنا نعتبرها كذلك، هي إظهار شجاعة وجوهر قبائل "الطوق" بوجهٍ خاص أو بالأحرى بعضها، حيث ظهرت في فترة هذه المليشيات التي هي ذاتها تتسم بالجُبن والخداع، معظم أو بعض مشايخها مُجرد نُمور من ورق! فيا للعجب! بينما أبناء تعز الذين ظلوا لدى بعض مشايخ وأبناء هذه القبائل موضع سخرية، لتظهر معادنهم وشجاعتهم حفاظًا على عقيدتهم ووطنهم ومحافظتهم ضد الغزاة بصورة يعجز الوصف عن وصفها!
وبالطبع دون أي انتظار من أبناء تعز لأي اعتبار ممن كانوا يسخرون بالأمس منهم، مع ذلك، أليس من الإنصاف رد اعتبار هذه القبائل لتعز ولشجاعتها بجانب شجاعة أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية وَغيرها؟! مع أن تعز مدينة ومحافظة دفعت ولا تزال الثمن غاليًا، سواء في حرب عام 2015م أو خلال الـ55 يومًا الماضية.. فالثمن لم يكن هينًا، وما ذلك إلا لأن ثمن الحرية غالٍ!
"وللحرية الحمراء بابٌ
بكل يَدٍ مُضرَّجة يُدَقُّ"
وكما تَعَلَّم بعض بل معظم أبناء هذه القبائل على أيدي أبناء تعز وأمثالها، فما الذي يمنع من التعلم منهم بما يخص تعلم حب الشجاعة والحرية والإباء والتثبت على المبادئ والقيم والحرص على الأرض والعرض ضد كل دخيل! بجانب فهم أهم أسباب ودوافع أبناء تعز وعدن وأمثالها في الوقوف ضد المليشيات الحوثية، وبعدم إعطاء طفلها المدعو عبدالملك أية قُدسية، بينما هو مجرد شبه أُميّ قد يكون أحد أبناء بعض القبائل ذاتها أعلم وأتقى وأشجع منه، ودون أية مقارنة تذكر؟!
أجل، ظلت قبائل "الطوق" هذه تزعم حصر الشجاعة بها دونما عداها، لتظهر على حقيقتها، ولو كانت كما ظلت تزعم، لما التزمت الصمت على المليشيات، ولا أقول مواجهاتها، أيا كانت الظروف والأهداف والتوجيهات المُغايرة؟!
والغريب، مع أنه لم يَعُد يوجد في اليمن غريب حتى الشيطان، أنه رغم وجود بعض أبناء هذه القبائل ممن يحملون شهادات علمية بمختلف التخصصات، وليسوا كآبائهم مثلًا! إلا أن التعصب القبلي والأنانية والاستحواذ قد تكون بعضًا من أسباب خنوع وجُبن هذه القبائل واستمرار الجهل بجوانب أُخرى، إذ إن أميّة بعض حملة الشهادات تُولِّد جهلًا مُركبًا.. نفس حملة الشهادات من أبناء "الهواشم" كما يزعمون، من كان يتصور أن يصبح حاصل شهادات عُليا ومن بعض أرقى الجامعات، متعصبًا لسلالته وهاشميته؟! ولتصبح أُسود الأمس مجرد جُبناء..
"إذا ما الجهلُ خُيم في بلادٍ
رأيتَ أُسودها مُنِحَت قُرونا"
وكم وقفتُ مليًا أمام صورة نشرها أحد أبناء هذه القبائل أنفسهم في "تويتر" وَغيره، حيث اختصرت هذه الصورة حجم الفارق بين صورة رجال ونساء تعز وهم يحملون السلاح، وبين صورة رجال قبائل "الطوق" بمن فيهم أساتذة أكاديميون وغيرهم وهم يزحفون على بطونهم حسب توجيهات المليشيات لهم.
اللهم لا شماتة!
وآخر مهازل قبائل "الطوق" بالذات ومدى ما وصل إليه ما تبقى من مشايخ بها من ضعف وهوان، هو إعلانها يوم السبت 24 أكتوبر الجاري، النكف على "تعز"، حسب ما قرأتُ، مع أن النكف بالعُرف القبلي إنما يأتي لنصرة المظلوم التي هي "تعز" وليس للظالم.. وهو الحوثي! وكأني بالشاعر ابن الجهم يخاطب القبائل أو بالأحرى بعض مشايخها اليوم بقوله:
"إذا ما عُدَّ مثلكم رِجَالًا
فما فضلُ الرجال على النساءِ؟"
مكتفيًا بالرد على مشايخ النكف هؤلاء برد أحد أبناء خولان ممن تثقفوا وفضلوا الحرية على العبودية، رغم تواجده بينهم؛ أعني الرجل الاستثنائي بحق وزير الثقافة الأسبق الزميل القدير خالد الرويشان، رعاه الله، ومن يرغب بمعرفة رده فما عليه إلا العودة إلى المنشور الذي نشره بنفس يوم إعلان النكف، على صفحته وعلى بعض المواقع والجروبات.
وفي نفس الوقت، لا بد من إنصاف أبناء وأُسر العاصمة المحتلة حاليًا، العزيزة صنعاء! والذين ظلوا ولا يزالون يدفعون ثمن عصبية وجهل وغباء أبناء وشيوخ القبائل، بخاصة قبائل (الطوق) المحيطة بها! منذ ثويرة عام 1948 مرورًا بمحاصرتها عام 1967م، وانتهاءً بثويرة 21 سبتمبر 2014م المشؤومة.
وظلت تفتح ذراعيها لاستقبال أبناء اليمن، كل اليمن، دون استثناء، ليس فقط لكونها عاصمة اليمن الموحد، وإنما لأريحية وصفاء ونقاء أبنائها.. ليجد بعض اليمنيين فيها الأمن بعد الخوف، والسعة بعد الضيق، والغِنى بعد الفقر، والرخاء بعد الشدة. وعاش الكل فيها بكل حُب وانسجام ووئام.. حتى جاءت ثويرة الحوثي المَشؤومة التي أيقظت المذهبية والمناطقية بأبشع صُورها، لينال أبناء مدينة صنعاء من آثارها المدمرة ما ناله غيرها بمختلف محافظات ومدن اليمن.
إن ما أردتُ إيجازه هنا، بهذه "الدردشة" التي قد تعطي مقارنة موجزة بين أبناء تعز محافظة ومدينة وأمثالها، وبين بعض قبائل إقليم (آزال)، بخاصة القُبل السبع المحيطة بالعاصمة المحتلة حاليًا.. إنما أردت التذكير فقط بأن حصر الشجاعة أو غيرها من بعض الصفات لدى بعض القبائل دون غيرها، تأتي المحن لتظهر الحقائق المجردة عبر الأرض والمغايرة لذلك الحصر والادعاء، ولترتد السخرية على قائلها! مع أن اليمن -كل اليمن- هو مجموعة قبائل، قد تختلف بالعرض وببعض الجوهر أيضاً! ثم، هذه هي تعز، التي باتت حالة استثنائية بحق، دون تعصب ولا شطط، عند الراضين عن ذلك، وعند غيرهم.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
تعز، 29-10-2026م