الخميس 29 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • الشمايتين.. شهادة عن مديرية تنبض بالحياة وتخشى أن يبتلعها الحرب

الشمايتين.. شهادة عن مديرية تنبض بالحياة وتخشى أن يبتلعها الحرب

الشمايتين.. شهادة عن مديرية تنبض بالحياة وتخشى أن يبتلعها الحرب

عندما زرت مديرية الشمايتين بمحافظة تعز عام 2025، لم أكن أتوقع أن تقودني مهمة ميدانية مرتبطة بالتعليم إلى اكتشاف مجتمع بهذه الحيوية، ولا أن تبقى تفاصيل تلك الزيارة عالقة في ذاكرتي إلى هذا الحد. ذهبت يومها رئيسًا لفريق، وكانت مهمتنا تقتضي زيارة المدارس في كل العزل والقرى. لكن الطرق التي قطعناها، والناس الذين التقيناهم، والمدارس التي دخلناها، فتحت أمامي نافذة على مديرية بدت وكأنها تختصر حكاية اليمن في تنوعه، وقدرته على الحياة، وإصراره على التعليم والعمل، رغم سنوات الحرب والأزمات.

لم تكن الشمايتين بالنسبة إليّ مجرد منطقة عمل. كانت مساحة واسعة تتداخل فيها المدينة والقرية، والتجارة والزراعة، والتعليم والعمل السياسي، والطرق المعبدة والمسارات الجبلية الوعرة. وكلما ابتعدنا عن مدينة التربة، مركز المديرية، نحو القرى والمرتفعات والأودية، كنت أكتشف وجهًا جديدًا من هذه الحياة المتدفقة.

جغرافيا تفتح نوافذ على البحر

تقع الشمايتين في جنوب محافظة تعز، ضمن منطقة الحجرية، وتمتد تجمعاتها السكانية بين مدينة التربة والقرى والمرتفعات الجبلية والأودية. وتربطها طرق وممرات بمناطق مجاورة في محافظة لحج، فيما تمثل التربة مركزًا تجاريًا وتعليميًا وخدميًا لسكان المديرية ومحيطها.

ما لفت انتباهي منذ الأيام الأولى هو هذا التداخل النادر بين الريف والحضر. فالتربة ليست مدينة منفصلة عن محيطها الزراعي والريفي؛ إنها مركز تتدفق إليه القرى كل صباح، ثم تعود منه في المساء، محملة باحتياجاتها من التعليم والخدمات والتجارة.

وفي إحدى رحلاتنا عبر المرتفعات، وقفت على قمم جبلية شاهقة، أتاح لي علوّها مشهدًا بانوراميًا مدهشًا؛ إذ بدا الساحل الغربي وبحره قريبين وواضحين، وحين أدرت بصري نحو الشرق، انكشفت أمامي عدن والبريقة وسواحلهما بالوضوح والقرب نفسيهما. لم يكن المشهد مجرد اتساعٍ للأفق، بل تجسيدًا لطبيعة جغرافية استثنائية تتعانق فيها المرتفعات والوديان والسواحل، وتكشف عن موقع استراتيجي بالغ الأهمية، ظلّ مؤثرًا في حركة السكان والتجارة، وفي حسابات النفوذ والسيطرة عبر التاريخ.

أما الطرق، فكانت حكاية يومية أخرى. سيارات صغيرة تتحرك بين المدينة والقرى القريبة، ومركبات دفع رباعي تسلك المسارات الجبلية والطرق الترابية نحو المناطق الأكثر وعورة، وشاحنات تنقل البضائع والركاب في حركة لا تكاد تنقطع، كانت وسائل النقل تصل إلى كل قرية ومنطقة فيها، وإن اختلفت سهولة الوصول إليها تبعًا لطبيعة الطرق وبعدها عن المركز.

مدينة وقرى لا تهدأ

في التربة، تتجمع الأسواق والمتاجر والمرافق الصحية والتعليمية، وتتحرك الحياة من الصباح حتى المساء. تستقبل المدينة طلابًا وطالبات قادمين من القرى، وموظفين وتجارًا وأسرًا تقصدها لإنجاز احتياجاتها اليومية. وتضم جامعة حكومية وفروع لجامعات خاصة ومعاهد للتأهيل، إلى جانب مدارس تستقبل أعدادًا كبيرة من الطلاب.

التربة
التربة

لكن ما أثار إعجابي أن هذا الحراك لم يكن حكرًا على المدينة. ففي القرى البعيدة، على رؤوس الجبال وفي أطراف الأودية، وجدت حياة اجتماعية وتعليمية نشطة، وأسرًا تحرص على تعليم أبنائها وبناتها، وخريجين يواصلون التدريس رغم صعوبة الظروف.

حتى الخبز الطازج (الروتي)كان يصل إلى قرى نائية وبعيدة في كل الصباح، وكذلك وقت الغداء وفي العشاء. ولفتني أن أسرًا كثيرة تشتري الخبز الجاهز، حتى في مناطق اعتادت فيها النساء إعداده داخل المنازل. وربما أسهم انشغال بعض النساء بالدراسة والعمل في هذا التغير، إلى جانب عوامل أخرى تتصل بأنماط المعيشة وتوافر الخدمات.

وفي الوقت نفسه، لم تختفِ الزراعة من المشهد الحضري. فقد شاهدت اهتمامًا بزراعة الأراضي وتربية الأبقار والماعز، حتى في محيط بعض المنازل الواسعة داخل المدينة. وكان هذا الاهتمام أكثر وضوحًا في القرى والأودية، حيث تتداخل الزراعة وتربية المواشي مع التجارة والتعليم والوظائف العامة.

غير أن هذه الموارد تواجه تحدياتها الخاصة، من بينها ندرة المياه وتأثير التغيرات المناخية في سبل العيش والإنتاج الزراعي. وقد تناولت هذه القضايا دراسة أعدتها مؤسسة تمدين الشباب بالشراكة مع منظمة أوكسفام عن الشمايتين والمعافر، يمكن الاطلاع عليها في الدراسة البحثية حول التغيرات المناخية والاستعدادات المحلية.

التعليم.. الحكاية الأعمق

إذا كان هناك ما جعل الشمايتين مختلفة في ذاكرتي عن مناطق ريفية أخرى عملت فيها، فهو حجم الاهتمام بالتعليم، واتساعه من المدينة إلى القرى البعيدة. لقد رأيت مدارس مكتظة بالطلاب والطالبات، ومدارس في قرى ريفية تستقبل أكثر من ألف طالب وطالبة، ومدارس للبنات موزعة في مناطق ريفية متفرقة، وفصولًا تضم طالبات ومعلمات بأعداد لافتة.

وفي مدارس البنات، رأيت الفصول تكتظ بالطالبات، وبدا عدد المعلمات مكتملًا، فيما كانت التخصصات العلمية حاضرة وتغطي معظم احتياجات تلك لمدارس من خريجات الجامعات والمعاهد. لم يكن المشهد مجرد كثافة طلابية؛ كان تعبيرًا عن مجتمع يصر على أن يظل التعليم جزءًا من حياته، رغم الحرب وتراجع الموارد وانقطاع الرواتب عن كثير من العاملين في القطاع العام.

خلال عملنا في المديرية، وصلنا إلى قرابة ألف معلمة متطوعة في المديرية، وفق حصيلة المهمة الميدانية التي شاركت فيها. وكانت الغالبية من خريجات الجامعات والمعاهد المتوسطة، وبينهن متخصصات في الرياضيات والفيزياء والكيمياء والأحياء، وبعضهن يحملن تقديرات دراسية مرتفعة.

هذا العدد وحده يكشف جانبًا من حجم الجهد الذي بذلته النساء والخريجات للحفاظ على استمرار الدراسة. فبدلًا من أن تقف الشهادة الجامعية عند حدود انتظار الوظيفة، وجدت كثيرات أنفسهن أمام الفصول الدراسية، يحاولن سد النقص في الكوادر التعليمية، أحيانًا بلا أجر منتظم، وأحيانًا مقابل حوافز رمزية يوفرها تاجر أو مبادرة محلية أو الأهالي.

ومن الشهادات التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي حكاية معلمة متطوعة من مواليد عام 1963، قررت التدريس بعد اندلاع الحرب، في حين كانت قد تخرجت من الثانوية العامة في عام 1982. كانت من مديرية المعافر، لكنها تقطع المسافة يوميًا إلى منطقة الصافية في الشمايتين لتدريس الطلاب والطالبات. فيما كان أحد التجار يتكفل بتكاليف المواصلات لها ولعدد من زميلاتها.

لم يكن ما أثار إعجابي مجرد عودتها إلى المدرسة بعد سنوات طويلة، بل الحماسة التي وجدتها لديها، وإصرارها على مواصلة العمل رغم مشقة الانتقال بين مديريتين. كانت تذهب إلى المدرسة وتعود منها كل يوم، وكأن الحرب لم تستطع انتزاع علاقتها بالتعليم.

وفي قرى أخرى، وجدنا معلمين تجاوز بعضهم سن التقاعد، لكنهم ظلوا يمارسون التدريس لتغطية العجز. كما شاهدنا مدارس أنشأها تجار من أبناء المنطقة ومغتربون وفاعلو خير، وبعضها يضم فصولًا ومعامل ومرافق صحية ومنظومات للطاقة الشمسية ومساكن للمعلمين.

وفي العزاعز، برزت تجربة صندوق دعم التعليم، التي تناولها تقرير الرصيف برس عن تجربة صندوق دعم التعليم، كما وثّق تقرير تعز تايم افتتاح مدرسة البيان الأساسية في العزاعز جانبًا من جهود توسيع القدرة الاستيعابية للمدارس.

وفي بني شيبان، لفت انتباهي مبنى واسع متعدد الطوابق مخصص لتعليم اللغات والحاسوب، في منطقة ريفية بعيدة نسبيًا عن مركز المدينة. كان وجود منشأة تعليمية بهذا الحجم في ذلك الموقع مثالًا على ما يمكن أن تصنعه المبادرات المحلية حين يتحول التعليم إلى أولوية مجتمعية.

لقد رأيت في الشمايتين مدارس وجامعة ومراكز تعليمية ومبادرات لم أكن أتوقع وجود بعضها في مناطق بهذه الطبيعة الجغرافية، خصوصًا أنني عملت في مشروعات تعليمية عدة في عدد من المحافظات اليمنية، وزرت مدارس في مناطق ريفية ونائية أخرى.

ثقافة العمل والانتماء إلى المكان

خلال تنقلاتي، لمست اهتمامًا واضحًا بالتعليم والعمل والوظيفة، وحرصًا لدى كثير من الأسر على إرسال أبنائها إلى الجامعة والمعاهد، حتى عندما كانت تكاليف المواصلات والرسوم الدراسية تقتطع جزءًا مهمًا من دخلها.

وكان من اللافت أن أبناء القرى البعيدة يشاركون أبناء المدينة الطموح نفسه؛ فالطالب الذي يعيش في قرية على رأس جبل قد يقطع مسافة طويلة للوصول إلى المدرسة، ثم يواصل طريقه إلى الجامعة في التربة. وفي المساء يعود إلى قريته، ليبدأ يومًا جديدًا في الصباح التالي.

ولمست كذلك تنوع كبير في التوجهات، وسقف عالي للحريات، وحضورًا لافتًا للنقاشات السياسية والثقافية في المجالس والأسواق ووسائل النقل. كانت الحرب وأوضاع البلاد والتعليم ومستقبل الدولة موضوعات تتكرر في أحاديث الناس في المنطقة التي ارتبطت تاريخيًا بالحركات الوطنية والسياسية والتحولات التي شهدها اليمن الحديث.

كما أن قرب المنطقة من لحج وعدن جعلها جزءًا من شبكة التواصل بين شمال اليمن وجنوبه قبل الوحدة، وأسهم في تشكيل علاقاتها الاجتماعية والسياسية. ولا يمكن اختزال هذه الذاكرة المتنوعة في اتجاه سياسي واحد، لكنها تفسر جانبًا من حضور الشأن العام في حياة كثير من سكانها.

أما ما بقي في ذاكرتي من تعامل الناس، فهو البشاشة والكرم وحسن الاستقبال، إلى جانب الاعتزاز بالمكان. رأيت تجارًا يساهمون في بناء المدارس، وآخرين يدعمون المعلمين أو مشروعات المياه والطرق والتدريب، وأهالي يشاركون بما يستطيعون لتلبية احتياجات مناطقهم.

هذه المبادرات ليست تفاصيل هامشية؛ إنها جزء من هوية المنطقة ومصادر حيويتها الاقتصادية والاجتماعية. فالطريق الذي ينقل البضائع هو نفسه الذي يصل الطالب بجامعته، والمعلمة بمدرستها، والمريض بالمرفق الصحي، والأسرة بأقاربها في المدن الأخرى.

الشمايتين.. شهادة للتاريخ

عندما تنقلت بين مدارس الشمايتين، رأيت مجتمعًا يواصل الحياة رغم الحرب؛ مدارس مكتظة، ومعلمات متطوعات يقطعن المسافات، وأسواقًا لا تهدأ، وطلابًا يتوافدون من القرى إلى الجامعات والمدارس، وأهالي وتجارًا يبذلون ما يستطيعون للحفاظ على التعليم والخدمات. كانت الشمايتين تجمع بين حيوية المدينة وامتداد الريف، وبين الذاكرة السياسية والثقافية وروح العمل والتكافل، في مشهد يكشف عن مجتمع جعل التعليم والعمل جزءًا من حياته اليومية، رغم شح الموارد وتراجع الخدمات.

لكن التطورات العسكرية اللاحقة، وما رافقها من مخاوف على مدينة التربة والطرق وحركة السكان، جعلت استعادة تلك المشاهد أكثر إيلامًا. فالمهدد ليس مدينة وحدها، بل حياة متكاملة بنتها سنوات من الجهد؛ مدارس أنشأها الأهالي، ومعلمات حافظن على استمرار الدراسة، وأسر تحملت تكاليف تعليم أبنائها، وقرى ارتبطت بالمدينة في مصالحها اليومية. وإذا تعطلت الطرق وتدهورت الأوضاع الأمنية، فإن آثار ذلك ستمتد إلى التعليم والتجارة والخدمات، وإلى قدرة الناس على مواصلة حياتهم بأمان وكرامة.

لم تكن الشمايتين التي عرفتها خالية من المشكلات، لكنها امتلكت طاقة اجتماعية لافتة، ورأيت فيها كيف يصنع الناس فرصهم بالعمل والتعلم والتكافل، وكيف يتحول الانتماء إلى المكان إلى مدارس ومبادرات ومساعدات تسند المعلمين والطلاب. وما أخشاه أن يأتي يوم تصبح فيه هذه المشاهد مجرد ذكريات، وأن نتحدث عن المدارس المكتظة والأسواق النشطة والمعلمات المتطوعات بصيغة الماضي.

إن الخسارة الأكبر ليست تغير السيطرة على الأرض وحده، بل أن يفقد الناس ما بنوه عبر سنوات من العمل والأمل، وأن يُحرموا من مواصلة الحياة التي عرفوها. فالشمايتين ليست أرضًا فحسب، بل مجتمعًا يجب أن تُصان حياته، وتُحمى مدارسه وطرقه، ويُضمن لأبنائه حقهم في التعليم والعمل والحرية والأمان. هذه شهادتي عما رأيته، محاولة لحفظ صورة مديرية لا تستحق أن تُروى حكايتها بوصفها ساحة حرب، بل بوصفها مكانًا أحب أهله الحياة، وسعوا إلى بناء مستقبل أفضل لأبنائهم.