الخميس 29 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • السعادة خيار... ولكن هل نملك حرية الاختيار؟

السعادة خيار... ولكن هل نملك حرية الاختيار؟

هناك عبارات نسمعها كثيرًا حتى نفقد القدرة على التأمل في معانيها. ومن بينها عبارة "السعادة خيار". تبدو العبارة جميلة ومفعمة بالتفاؤل، لكنها قد تثير تساؤلًا مشروعًا لدى إنسان يواجه صعوبات الحياة: كيف أختار السعادة وأنا لا أملك دائمًا حرية اختيار ظروفي؟

في اليمن، حيث أثقلت سنوات المعاناة كاهل الإنسان، قد تبدو السعادة أحيانًا حلمًا بعيدًا. فكيف نتحدث عن السعادة لمن فقد عزيزًا، أو ينتظر راتبًا، أو يبحث عن دواء، أو يخشى على مستقبل أبنائه؟

إن الإجابة لا تبدأ بإنكار الألم، ولا بدعوة الناس إلى الابتسام رغم جراحهم، بل بفهم أعمق لمعنى السعادة نفسها.

فالسعادة ليست غياب المعاناة، وإنما قدرتنا على ألا نسمح للمعاناة بأن تسلبنا إنسانيتنا أو تطفئ كل نور في داخلنا.

نحن لا نختار دائمًا ما يحدث لنا، لكننا نملك، بدرجات متفاوتة، حرية اختيار موقفنا مما يحدث. نستطيع أن نستسلم للمرارة، أو أن نحاول تحويل التجربة إلى وعي. نستطيع أن نسمح للكراهية بأن تتسلل إلى قلوبنا، أو أن نحافظ على قدرتنا على المحبة رغم الاختلاف. نستطيع أن ننظر إلى الآخرين بوصفهم منافسين على فرص الحياة المحدودة، أو شركاء في بناء حياة أكثر كرامة للجميع.

ولعل أول خطوة نحو السعادة تبدأ حين نتوقف عن اختزالها في المال والممتلكات والمظاهر الاجتماعية.

لا شك أن الإنسان يحتاج إلى الغذاء والأمان والعمل والعدالة، وأن الفقر والظلم ليسا مجرد حالتين نفسيتين يمكن تجاوزهما بالتفكير الإيجابي. لكن التجربة الإنسانية تعلمنا أيضًا أن الوفرة المادية وحدها لا تكفي لصناعة الطمأنينة. فقد يمتلك الإنسان الكثير ويشعر بالفراغ، وقد تكون إمكاناته محدودة لكنه يجد في أسرته وعلاقاته وعمله النافع معنى عميقًا للحياة.

وهنا يظهر سؤال يستحق أن نطرحه على أنفسنا: هل نبحث عن السعادة فيما نأخذه من الحياة فقط، أم فيما نقدمه لها أيضًا؟

حين يساعد شاب جارًا مسنًا، أو تعلّم أم أبناءها احترام الآخرين، أو يختار معلم أن يمنح طلابه الأمل بدلًا من تكريس الإحباط، فإن هؤلاء لا يقدمون أعمالًا طيبة فحسب، بل يسهمون في بناء مجتمع أكثر قدرة على السعادة.

فالسعادة التي نحتفظ بها لأنفسنا قد تكون عابرة، أما السعادة التي نشاركها مع الآخرين فتترك أثرًا يتجاوز حدود حياتنا.

ومن هنا، لا تعود السعادة شأنًا فرديًا خالصًا، بل تصبح مسؤولية اجتماعية أيضًا.

كيف يمكن أن ننعم براحة البال ونحن نغذي الخصومات داخل أسرنا؟ وكيف نطالب بمجتمع سعيد ونحن نحكم على الناس بأسمائهم أو مناطقهم أو معتقداتهم؟ وكيف نتطلع إلى مستقبل أفضل إذا لم نمنح الفتيات والفتيان فرصًا متكافئة للتعليم وتحقيق طموحاتهم؟

إن احترام كرامة الإنسان، والاعتراف بحقوق النساء، والقدرة على التعايش مع الاختلاف، ليست مجرد شعارات أخلاقية، بل أسس لحياة اجتماعية أكثر أمنًا واستقرارًا وسعادة.

ولعل من أكبر الأخطاء التي نقع فيها أننا نربط سعادتنا بتغير الآخرين قبل أن نبدأ بتغيير أنفسنا. ننتظر أن يصبح المجتمع أكثر تسامحًا، بينما نعجز أحيانًا عن التسامح مع أقرب الناس إلينا. ونطالب بالصدق والعدل، لكننا قد نتساهل مع الكذب أو التمييز حين يخدمان مصالحنا.

إن التغيير الحقيقي يبدأ من مساحة صغيرة نملك التأثير فيها: طريقة حديثنا، وأحكامنا على الآخرين، وتربيتنا لأطفالنا، وقدرتنا على الإصغاء، وشجاعتنا في مراجعة أفكارنا والبحث عن الحقيقة بدلًا من الاكتفاء بما ورثناه من أحكام مسبقة.

لكن ذلك لا يعفي المؤسسات والمجتمع من مسؤولياتهم. فلا يصح أن نطالب الإنسان باختيار السعادة، ثم نتجاهل حقه في العدالة والتعليم والأمان والعمل الكريم. إن السعادة مسؤولية مشتركة، تتطلب جهدًا فرديًا وبيئة اجتماعية تحفظ الكرامة وتتيح الفرص.

وربما يحتاج اليمن اليوم، إلى جانب إعادة بناء ما تهدم من طرق ومنازل ومؤسسات، إلى إعادة بناء شيء لا يقل أهمية: الثقة بين الناس.

نحتاج إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتعادى، وكيف نتحاور دون أن نهين، وكيف ننظر إلى تنوعنا باعتباره مصدر ثراء لا سببًا للانقسام. نحتاج إلى ثقافة ترى في نجاح الآخر إضافة إلى نجاحنا، وفي خدمة المجتمع طريقًا لتحقيق الذات، وفي الأمل مسؤولية تتجسد في العمل لا مجرد أمنية نرددها.

وهذا لا يعني أن نحمل الإنسان المنهك عبء التفاؤل الدائم. فمن حقه أن يحزن وأن يتعب وأن يطلب المساندة. فالسعادة الحقيقية لا تشترط إنكار المشاعر الصعبة، بل تفسح لها مكانًا دون أن تجعلها المصير الوحيد لحياتنا.

في النهاية، ربما لا تكون عبارة "السعادة خيار" وعدًا بأننا نستطيع التحكم بكل ظروفنا، وإنما تذكيرًا بأننا نستطيع، حتى وسط الصعوبات، أن نختار القيم التي نعيش بها، والمعنى الذي نسعى إليه، والأثر الذي نتركه في حياة الآخرين.

قد لا نستطيع أن نختار كل ما تمنحنا الحياة، لكننا نستطيع أن نشارك في اختيار الحياة التي نريد أن نبنيها.

وحين نختار الصدق بدلًا من الخداع، والتعاون بدلًا من الأنانية، والرحمة بدلًا من القسوة، والعمل بدلًا من اليأس، فإننا لا نختار سعادتنا وحدها، بل نضع حجرًا صغيرًا في بناء سعادة مجتمع بأكمله.

فالسعادة، في أعمق معانيها، ليست مجرد شعور جميل ننتظره، بل طريقة إنسانية نختار أن نعيش بها.