أوروبا بين سايكس بيكو وارتدادات حرب الشرق الأوسط في شوارعها
تعيش أوروبا اليوم على صفيح ساخن، بعد أن خرج المواطنون الأوروبيون إلى الشوارع للمطالبة بتحسين المعيشة والأوضاع التي تفاقمت بشكل كبير نتيجة الحرب المشتعلة في الشرق الأوسط التي أشعلتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل بمهاجمة إيران خلال الفترة الماضية، مما أدى إلى خنق إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية،
وارتفعت الأسعار التي ضربت أوروبا، لا سيما بعد أن أصبحت سلاسل إمداد الطاقة من الشرق الأوسط مهددة بالتوقف الكلي إذا ما استمرت الولايات المتحدة وإسرائيل في عربدتهما في المنطقة على حساب الدول المنتجة التي تكبدت خسائر تقدر بالمليارات نتيجة مغامرة تبدو محسوبة بدقة لدى صانع القرار الأمريكي وحليفته الأولى في الشرق الأوسط، بهدف تغيير الخريطة السياسية وإعادة صياغتها حسب نتائج الحرب الجديدة، بعيداً عن حسابات القارة الأوروبية التي تقف متفرجة في مشهد سريالي من التدمير الممنهج لمشروعها الاستعماري الذي رسمته في الربع الأول من القرن العشرين فيما عُرف باتفاقية سايكس-بيكو بين بريطانيا وفرنسا، اللتين رسمتا خريطة الشرق الأوسط لقرن ونيف، وما زالت البلاد العربية تعاني تبعاته إلى اليوم.
والسؤال الجوهري: هل ما نشاهده اليوم في مدن وشوارع أوروبا يعد مؤشراً واضحاً على انتهاء مشاريع الاستعمار الأوروبي في الشرق الأوسط؟ وما دور الولايات المتحدة وإسرائيل في ذلك؟ وما موقف الدول الإقليمية من التحولات الجيوسياسية في المنطقة؟
إن ما تعيشه المدن والشوارع الأوروبية هو نتاج ارتداد طبيعي للأحداث التي أصابت الشرق الأوسط، بدءاً من أحداث طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م حتى يومنا هذا، لا سيما أن المنطقة تعد بمثابة رئة تعج بالعديد من المصالح الأوروبية التي تعرضت لضغط مباشر بعد مهاجمة الولايات المتحدة وإسرائيل لإيران منذ فبراير الماضي، التي بادرت بالرد بصورة لم تكن متوقعة في حسبان صانع القرار الأمريكي والإسرائيلي، وكان للرد الإيراني صداه الكبير في التأثير على موقف أوروبا السياسي تجاه الحرب، وكان من ثماره رفض أوروبا -حليفة الولايات المتحدة وإسرائيل- المشاركة إلى جانبها في الحرب على إيران، خشية استهداف جميع المصالح الأوروبية في المنطقة، أو بعبارة أخرى، استهداف مصالح أي دولة أوروبية تشارك إلى جانب واشنطن وتل أبيب في الحرب. فأحدث موقف الدول الأوروبية المحايدة شرخاً عميقاً بينها وبين حليفتها الأولى الولايات المتحدة، التي بدأت بمعاقبة الأوروبيين لموقفهم المتخاذل تجاهها. ولم تكتف القيادة الأمريكية بالموقف السياسي، بل بدأت تلوح أمامهم بالعديد من أوراق الضغط، منها الحديث عن إمكانية ضم جزيرة غرينلاند التابعة لمملكة الدنمارك، العضو في الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تصريح سفير الولايات المتحدة في تركيا ومبعوثها للعراق وسوريا، توم براك، عن الخطأ الذي ارتكبته كل من فرنسا وبريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى بتوقيع اتفاقية سايكس-بيكو التي جزأت المنطقة إلى كيانات مستقلة، مما أثر على ترابطها وجعلها في حالة غير مستقرة.
إن الحراك الشعبي الذي يجتاح المدن الفرنسية والإسبانية وغيرها من الدول الأوروبية هو نتاج طبيعي لما جنته تلك السياسات الاستعمارية في مختلف مناطق العالم من استئثار بخيرات الشعوب المستعمَرة بهدف جلب الاستقرار والرفاهية للشعوب الأوروبية على حساب الشعوب المسحوقة، التي أخذت تداوي جراحها وتتحرر شيئاً فشيئاً من القيود الأوروبية التي حرمتها من الاستفادة من ثرواتها بسبب الاستغلال والاحتكار بيد نخب وُضعت بعد الاستقلال لحماية مصالح المستعمر الذي رحل وسلم الأمانة للمخلصين له من بني جلدتنا، لتستمر حكاية المعاناة التي بدأت بالتجزئة وتعمقت بزرع إسرائيل بصورة عدوانية وقسرية في المنطقة لمنع أي نهضة عربية، والاستمرار في الاستفادة من ثرواتها الحيوية، لا سيما موارد الطاقة التي تعد الدينامو المحرك للاقتصادات الأوروبية التي ظلت تحصل على نصيب الأسد منها على حساب مصالح الشعوب وحقوقها. لذلك، نرى اليوم هذا الحراك الشعبي نتيجة تفاقم الأوضاع الاقتصادية وتأثر المستوى المعيشي للمواطن الأوروبي بعد تعرض إمدادات الطاقة إلى أوروبا للضغط المستمر نتيجة تذبذب سلاسل الإمداد من الشرق الأوسط، فضلاً عن إيقاف روسيا للنفط والغاز عن أوروبا بسبب دعم الدول الأوروبية لأوكرانيا في صراعها مع روسيا، وفرضها شروطاً إضافية جديدة لمن يرغب بشراء موارد الطاقة، مما فاقم أزمة الطاقة في أوروبا التي تعول بصورة كبيرة، بعد أزمة أوكرانيا، على الطاقة القادمة من الشرق الأوسط.
قد تبدو حرب الطاقة والممرات المائية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط سبباً مباشراً للأزمة التي تشهدها المدن والشوارع الأوروبية اليوم، إلا أن القول بأن الطاقة وحدها هي السبب الوحيد قد جانب الصواب، لتداخل العديد من الملفات السياسية الساخنة على مستوى العالم، منها ما هو مرتبط بإعادة توزيع النفوذ وإعادة بناء النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب. ورغم ذلك، لا تبدو تلك مؤشرات رئيسية لسبب الأزمة، إلا أن المرجح وجود تباينات واختلاف واسع بين دول أوروبا وحليفتهم الاستراتيجية الولايات المتحدة، وظهر الشرخ جلياً خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وامتناع الدول الأوروبية بشكل علني عن الاستجابة لطلب المساعدة من حلفاء أمريكا للوقوف بجانبها في الحرب، التي أحرجت الجانب الأمريكي بعد أن ردت إيران بإغلاق مضيق هرمز أمام تدفق مصادر الطاقة من الخليج إلى الأسواق العالمية، مما زاد الضغط على وصول الإمدادات إلى أوروبا. فضلاً عن ذلك، لا يمكن قراءة الأحداث التي نشاهدها اليوم في شوارع أوروبا بعيداً عن وجود يد إسرائيلية خفية ترغب في معاقبة الأنظمة السياسية الأوروبية المؤيدة للقضية الفلسطينية التي أدانت الجرائم الإسرائيلية، من خلال استخدام وسائل الإعلام الأوروبية المملوكة لرجال أعمال إسرائيليين بهدف تهييج الشارع على الحكومات لإحداث تغيير في الواقع السياسي وتصعيد الأحزاب ذات التوجه اليميني المؤيدة لإسرائيل عبر التحذير من الإسلاموفوبيا وسيطرة المهاجرين على المدن الأوروبية، وهو الأمر الذي صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تعليقه على الأحداث الأوروبية.
رئيس قسم الإعلام، جامعة ذمار.



