البرازيل تختار الديمقراطية وصندوق الاقتراع
أعادت الانتخابات الرئاسية في البرازيل التأكيد على أن صندوق الاقتراع يظل الساحة التي يُحسم فيها التنافس السياسي، وأن إرادة الناخبين، مهما اشتد الاستقطاب وتعمقت الانقسامات، قادرة على تحديد مسار السلطة وتجديد التفويض الشعبي أو تغييره. فقد منح البرازيليون لويس إيناسيو لولا دا سيلفا ولاية رئاسية جديدة، بعد منافسة حادة مع فلافيو بولسونارو، في نتيجة تعكس انقسامًا سياسيًا واضحًا داخل المجتمع البرازيلي، وتضع الديمقراطية أمام اختبار يتجاوز إعلان النتائج إلى إدارة الخلاف واحترام إرادة الناخبين.
وتكتسب عودة لولا إلى الرئاسة أهمية إضافية بالنظر إلى مسيرته الاجتماعية والسياسية؛ فقد وُلد عام 1945 في أسرة فقيرة بولاية بيرنامبوكو شمال شرقي البرازيل، وبدأ العمل في سن مبكرة قبل أن يصبح عاملًا في صناعة المعادن وناشطًا نقابيًا. وصعد نجمه في سبعينيات القرن الماضي من خلال قيادة الحركة النقابية والدفاع عن حقوق العمال وتحسين أجورهم وظروف عملهم، ثم شارك في تأسيس حزب العمال البرازيلي عام 1980، وهو حزب يساري ارتبط تاريخيًا بالحركة العمالية وقضايا العدالة الاجتماعية. ومن مواقع العمل والنشاط النقابي انتقل لولا إلى العمل السياسي، حتى أصبح أحد أبرز قادة اليسار في أمريكا اللاتينية.
وتولى لولا رئاسة البرازيل للمرة الأولى عام 2003، وأُعيد انتخابه عام 2006 لولاية ثانية متتالية انتهت عام 2011. وبعد عودته إلى الرئاسة عام 2023، فاز في انتخابات أكتوبر 2026 بولاية رابعة غير متتالية، من المقرر أن تبدأ في يناير 2027. وهكذا، انتقل الرجل الذي بدأ حياته عاملًا في القطاع الصناعي وانخرط في الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة إلى قيادة واحدة من أكبر الاقتصادات في العالم، في مسيرة تبرز قدرة العمل السياسي المنظم والانتخابات على إتاحة الفرصة أمام شخصيات تنحدر من خلفيات اجتماعية متواضعة للوصول إلى أعلى مواقع السلطة.
حصل لولا على 51.79% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21% لمنافسه، في نتيجة تعكس تقاربًا كبيرًا في توجهات الناخبين ومواقفهم. وتكشف هذه النتيجة أن الفوز الانتخابي، على أهميته، لا يعني انتهاء الخلافات أو زوال الاستقطاب، بل يحمّل الفائز مسؤولية مضاعفة في التعامل مع مجتمع تتباين فيه الرؤى والمصالح والتطلعات. فالرئاسة في الأنظمة الديمقراطية تفويض لخدمة المواطنين وإدارة شؤونهم، وليست امتيازًا شخصيًا أو ملكية حزبية تتيح إقصاء المنافسين أو تجاهل الناخبين الذين اختاروا مسارًا سياسيًا مختلفًا.
وتكمن أهمية التجربة البرازيلية في أن التنافس لم يكن مجرد مواجهة بين مرشحين، بل عكس اختلافًا في الرؤى المتعلقة بالاقتصاد والأمن والعدالة الاجتماعية والبيئة ودور الدولة. وقد أظهرت الانتخابات أن القضايا المعيشية والأمنية، إلى جانب المواقف الأيديولوجية والاجتماعية، تؤثر مجتمعة في خيارات الناخبين. ومن ثم، تقتضي القراءة الجادة للنتائج فهم دوافع المجتمع وتنوع مطالبه، بعيدًا عن اختزال ملايين الأصوات في موقف واحد أو تفسير واحد.
وتحمل عودة لولا إلى الرئاسة دلالة سياسية إضافية؛ إذ تمكن من تعويض تأخره في الجولة الأولى وتحقيق الفوز في الجولة الثانية، مستفيدًا من حشد أنصاره وتوسيع قاعدة التأييد له. ويؤكد ذلك أن المنافسة الانتخابية تظل مفتوحة على احتمالات متعددة حتى إعلان النتيجة النهائية، وأن قدرة المرشحين على التواصل مع الناخبين وإقناعهم ببرامجهم ومواقفهم تؤدي دورًا مهمًا في تحديد النتائج.
غير أن التحدي الأهم يبدأ بعد الانتخابات؛ فالفوز يمنح صاحبه حق تولي السلطة وفق القواعد الدستورية، لكنه لا يعفيه من المساءلة، ولا يمنحه تفويضًا مفتوحًا يتجاوز حدود القانون والمؤسسات. وتظل قيمة الشرعية الانتخابية مرتبطة باحترام الدستور، وصون الحريات، وضمان استقلال المؤسسات، وإتاحة المجال للمعارضة، وتكريس مبدأ تداول السلطة. فالديمقراطية لا تُختبر بسلامة الوصول إلى الحكم وحدها، بل أيضًا بطريقة ممارسته، ومدى احترام حقوق المواطنين وحقهم في الاختلاف والمحاسبة.
ومن هنا، فإن مسؤولية لولا لا تقتصر على الوفاء بتعهداته الانتخابية، بل تشمل معالجة القضايا التي أثارت قلق قطاعات واسعة من البرازيليين، وفي مقدمتها تكاليف المعيشة والأمن وفرص العمل والعدالة الاجتماعية. كما أن الانقسام الذي أظهرته النتائج يستدعي إدارة سياسية قادرة على التواصل مع مختلف الفئات، من دون تحويل الاختلاف إلى خصومة دائمة أو جعل الانتماء الحزبي معيارًا للحقوق والفرص. فالمواطن الذي صوّت للفائز له حقوق وواجبات، وكذلك المواطن الذي اختار منافسه؛ والمساواة بينهما أمام القانون أساس لا يستقيم الحكم الديمقراطي من دونه.
وتزداد هذه المسؤولية تعقيدًا في ظل التوازنات داخل المؤسسات التشريعية، حيث قد تواجه الحكومة صعوبات في تمرير برامجها، الأمر الذي يجعل الحوار والتفاوض وبناء التوافقات السياسية ضرورة عملية، لا مجرد شعارات انتخابية. فالحكم لا يستقيم بإرادة طرف واحد، ولا يتحقق الاستقرار بتهميش القوى المخالفة، بل بقدرة المؤسسات على استيعاب التعدد وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية الضيقة.
أما على المستوى الدولي، فتتجاوز أهمية الانتخابات البرازيلية حدود البلاد، بالنظر إلى مكانة البرازيل في أمريكا اللاتينية ودورها في قضايا المناخ والتجارة والعلاقات الدولية. وسيكون تعامل الإدارة الجديدة مع حماية غابات الأمازون، والتنمية الاقتصادية، ومصالح السكان الأصليين، والعلاقات مع القوى الدولية، جزءًا من اختبار قدرتها على الجمع بين الالتزامات الداخلية ومكانة البلاد الخارجية. كما أن مواقف البرازيل من القضايا الدولية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، تظل جزءًا من حضورها الدبلوماسي ودورها في الدفاع عن الحلول السياسية واحترام حقوق الشعوب. وتبقى نتائج هذه السياسات مرهونة بما سيُنفّذ من قرارات وإجراءات، لا بما يُطرح من وعود خلال الحملات الانتخابية وحدها.
وتكشف التجربة البرازيلية أن الديمقراطية لا تعني اتفاق الجميع على مرشح واحد أو برنامج واحد، بل تقوم على قواعد واضحة يتنافس المختلفون في إطارها، ثم يحتكمون إلى النتائج ويواصلون ممارسة حقوقهم السياسية عبر المؤسسات والقانون. واحترام إرادة الناخبين لا يقتصر على قبول الخاسرين بالنتيجة، بل يشمل أيضًا التزام الفائز بحقوق المعارضة، وضمان حق المجتمع في مراقبة السلطة ونقدها وتغييرها عبر الوسائل الدستورية.
وتتجلى قيمة الانتخابات في تحويل التنافس على الحكم من صراع على احتكار السلطة إلى منافسة سياسية تحكمها قواعد معلومة، ويظل فيها الشعب صاحب الكلمة الفصل. فالسلطة مؤقتة، مهما طال بقاؤها، والشرعية لا تُصان بالشعارات أو الانتصارات الانتخابية وحدها، بل بالإنجاز والمساءلة واحترام القانون. والشعوب التي تملك حق الاختيار تملك أيضًا حق التقييم والمحاسبة، فلا يصبح الفوز الانتخابي صكًا مفتوحًا للحكم، بل مسؤولية متجددة أمام المواطنين.
لقد حسم الناخب البرازيلي اختياره عبر صندوق الاقتراع، لكن نجاح التجربة لن يُقاس بنسبة الفوز وحدها، بل بما ستقدمه السلطة من استجابة لمطالب المجتمع، وما ستصونه من حقوق وحريات، وما ستبنيه من ثقة بين المواطنين ومؤسسات الحكم. فالديمقراطية الحقيقية تجعل الفائز مسؤولًا أمام الشعب، ولا تمنح السلطة حق امتلاك الدولة، بل تلزمها بخدمة المجتمع. الشعب أبقى، والسلطة مؤقتة، وصندوق الاقتراع هو الطريق الذي يمنح الحكم شرعيته، بينما يمنحه احترام المواطنين واستحقاق ثقتهم مبرر الاستمرار.



