الخميس 29 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • أطفال تعز في مرمى التعبئة والاستقطاب.. كيف نحميهم؟

أطفال تعز في مرمى التعبئة والاستقطاب.. كيف نحميهم؟

أطفال تعز في مرمى التعبئة والاستقطاب.. كيف نحميهم؟

يعود الطفل من المدرسة، يضع حقيبته، ثم يردد على مائدة الغداء شعارًا سمعه في الصباح. لا يعرف معناه تمامًا، لكنه يقوله بحماس، وإذا اعترض أحد من حوله نظر إليه كأنه ارتكب خطأً كبيرًا. قد يمر المشهد دون أن يلتفت إليه أحد، فهي في النهاية كلمات طفل. غير أن الكلمات التي تتكرر كل يوم تصير قناعة، والقناعة التي لا تُناقش تصير ولاءً، والولاء المفروض على طفل قد يأخذه إلى حيث لا تريد أي أسرة أن ترى ابنها.

أكتب هذا وأنا ابن تعز، وقد صارت الحجرية كلها تحت سيطرة الحوثيين منذ مطلع أكتوبر، لتلتحق بمناطق أخرى من المحافظة خاضعة لهم منذ سنوات، من الحوبان والراهدة ودمنة خدير وماوية وشرعب، إلى هجدة والقبيطة وأجزاء من جبل حبشي ومقبنة. والمنطقة التي قدّمت لليمن رجالًا حملوا فكرة الجمهورية، باتت مدارسها اليوم في يد جماعة دأبت، في كل منطقة دخلتها، على إخضاع التعليم لمناهجها وأنشطتها. ومن لا يصل إليه ذلك في المدرسة، تصله الأناشيد والمقاطع والخطب على هاتف في جيبه.

هل أبالغ في القلق؟ أتمنى ذلك. لكن ما يجري في مدارس مناطق الجماعة موثق. يذكر موجز سياساتي نشره مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية في مارس 2025 أن الحوثيين غيّروا المناهج لتتماشى مع توجهاتهم، فأدخلوا فيها الترويج لعقيدة الجهاد وتمجيد العنف، وحذفوا شخصيات يمنية وعربية لها رمزيتها. وفي كتاب اللغة العربية للصف السادس قصة عن معركة يتغير مجراها بعملية تفجيرية انتحارية ينفذها طفل مجند. طفل في الحادية عشرة يقرأ عن طفل مثله يفجّر نفسه، في قصة تجعل من فعله نقطة التحول في المعركة.

أما كتاب التاريخ للصف نفسه، ففيه صفحة تعدّد «مساوئ» بني أمية تحت عناوين مثل «ارتكاب الفواحش والمحرمات» و«الظلم والبطش»، وتقول إن «أغلب» حكامهم اشتهروا بالقسوة، دون أن تذكر لأي منهم خيرًا، ولا حتى عمر بن عبدالعزيز. لا أدافع هنا عن دولة مضت منذ ثلاثة عشر قرنًا، ففي تاريخها ما يستحق النقد. لكن الطفل الذي يقرأ هذه الصفحة لا يتعلم التاريخ. يتعلم أن يحكم على الناس جملة، وأن يرى في الماضي قائمة خصوم، وأن الحكم انتُزع من أصحابه بالنسب.

صفحة من كتاب التاريخ
صفحة من كتاب التاريخ

ويورد موجز مركز صنعاء تقديرات من عام 2021 لنحو 3700 مخيم صيفي يتلقى فيها الطلاب دروسًا عسكرية وطائفية، جُنّد منها أكثر من عشرة آلاف طفل. وأشار فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن إلى ارتفاع حاد في تجنيد الأطفال بعد أكتوبر 2023.

وفي تعز نفسها، قُتل في أغسطس 2024 حارس مدرسة للبنات في مقبنة على يد عناصر حوثية لأنه حاول منعهم من دخولها، بحسب المصدر نفسه نقلًا عن وسائل إعلام محلية. رجل بسيط وقف عند باب مدرسة، وكأنه فهم قبل كثيرين أن المدرسة جبهة أيضًا.

كيف يتسلل هذا الولاء إلى طفل؟ ببطء، وغالبًا دون عنف. شعار يتكرر في الطابور الصباحي، وقد وثّق المركز اليمني للسياسات أن الجماعة فرضت ترديد «الصرخة» في المدارس. تاريخ يُروى من زاوية واحدة. معلم يقول إن القيادة حق لأسرة دون غيرها بحكم نسبها. ومع الأيام يصدّق الطفل ما يسمعه، ثم يصير يرى في كل من يسأل خائنًا.

مقاتلو الحوثي
مقاتلو الحوثي

أبسط ما نرد به فكرة يفهمها الطفل نفسه: الناس متساوون. لا يولد أحد وله حق على غيره، ومن يحكم الناس يُختار لعدله وكفاءته. والمساواة تعني أيضًا ألا يُهان أحد بسبب أصله، كما لا يُمنح امتيازًا به.

ماذا تفعل إذا عاد ابنك بفكرة كهذه؟ أول ما يخطر لكثير من الآباء أن يغضبوا أو يوبخوا، وهذا يعلّم الطفل شيئًا واحدًا: أن يخفي ما يسمعه. اسأله بدل ذلك، بهدوء: أين سمعت هذا؟ ماذا تفهم منه؟ ما الدليل عليه؟ وإذا قال إن جماعة بعينها تستحق القيادة بسبب نسبها، اسأله: هل يجعل النسب الإنسان أعدل؟ وهل يفقد جارك حقوقه لأنه من أسرة أخرى؟ لن يتغير رأيه في جلسة واحدة، ولا ينبغي أن ننتظر ذلك. المهم أن يتعلم أن الأفكار تُفحص، وأن بيته مكان يستطيع أن يقول فيه ما يسمعه دون خوف. وتحت سلطة الجماعة، يغدو هذا الحوار في البيت أهم من أي وقت، وأحوج إلى الحذر. فنحن نريد أن يفكر الطفل بحرية في بيته، لا أن يجادل في المدرسة حيث قد يعرّضه الجدال للخطر. والطفل الذي يثق بأهله هو من سيخبرهم إذا ضُغط عليه للمشاركة في نشاط لا يريده.

وما لا تستطيع المدرسة أن تقوله اليوم، يستطيع البيت أن يرويه. حكاية عن تاريخ تعز واليمن يرويها جد لأحفاده، أو اسم رجل من أبنائها حمل فكرة المساواة، يكفيان لكي يعرف الطفل أن لبلده تاريخًا غير الذي يُروى له. والمعلمون الذين بقوا في مدارسهم يستطيعون، بحكمة وهدوء، أن يعلّموا الطلاب كيف يسألون ويقارنون، دون أن يجازفوا بأنفسهم. أما من يملكون حرية الكلام، في مدينة تعز وفي المهجر، من إعلاميين ومثقفين، فعليهم أن يقدّموا لأسر الحجرية وسائر مناطق تعز الخاضعة للجماعة ما يعينها: محتوى بسيطًا يصل إلى الهواتف، وصوتًا يذكّر الأطفال بأنهم أبناء وطن لا أتباع جماعة. ولا يصح أن تُترك أسرة وحدها في مواجهة ما هو أكبر منها.

ستعود الحجرية وكل أرض تعز إلى أهلها، اليوم أو غدًا. أما الطفل الذي تعلّم أن نسب بعض الناس يمنحهم حقًا عليه، وأن السؤال خيانة، فاستعادته أصعب بكثير. ولذلك تبدأ حماية أطفال تعز من سؤال يطرحه أب على ابنه في المساء: أين سمعت هذا؟

وفيما يلي دليل مختصر للأسر والمعلمين، يتضمن علامات تستحق الانتباه، وأسئلة تفتح الحوار مع الأبناء، وطرقاً علمية لحمايتهم.

ملحق: دليل الأسرة والمعلم

كيف نحمي أبناءنا من التعبئة والاستقطاب؟

أولًا: علامات تستحق الحوار

تحدّث مع طفلك بهدوء إذا لاحظت أنه:

يردد شعارات لا يفهم معناها.

يعتقد أن جماعة تستحق الحكم بسبب نسبها.

يرى كل من يخالف جماعته خائنًا.

يخاف من طرح الأسئلة.

ثانيًا: علامات خطر تستدعي التحرك فورًا

يتحدث عن الجبهة أو الشهادة.

يغيب عن البيت كثيرًا، أو يرافق شبابًا أكبر منه.

يحمل مالًا أو هدايا لا تعرف مصدرها.

يلحّ على حضور المخيمات الصيفية.

ثالثًا: خمسة أسئلة تفتح الحوار

أين سمعت هذا؟

ماذا تفهم منه؟

ما الدليل عليه؟

هل يوجد رأي آخر؟

هل يعامل الناس بالمساواة؟

لا تجعل الحوار امتحانًا، ولا تسخر من إجاباته.

رابعًا: علّمه كشف الحيلة

علّم طفلك ثلاث حيل يستخدمها من يريد التأثير فيه، بأمثلة من الحياة اليومية:

«إما معنا أو ضدنا»: مثل قول أحدهم: «من لا يشجع فريقنا فهو عدونا». الحقيقة أن الناس ليسوا فريقين فقط.

تحميل جماعة كل المصائب: مثل قول أحدهم: «كل مشاكل الحارة سببها عائلة فلان». المشكلات لها أسباب كثيرة.

إثارة الغضب بدل الدليل: كلام يجعلك تغضب أو تخاف بسرعة. هنا اسأل: أين الدليل؟

تدرّبوا معًا على عبارة سمعها الطفل: هل فيها واحدة من هذه الحيل؟

خامسًا: راعِ عمر طفلك

الطفل الصغير: علّمه العدل والمساواة واحترام الجار، ولا تتحدث أمامه في السياسة، فقد يردد ما يسمعه دون أن يدرك العواقب.

الطفل الأكبر: تحدث معه بصراحة، وعلّمه أن يحتفظ بأسئلته للبيت.

سادسًا: قدّم له بديلًا

الطفل لا ينجذب إلى الفكرة وحدها، وإنما إلى ما يرافقها من نشاط وصحبة وإحساس بالأهمية. فامنحه في البيت والحي ما يحتاجه: نشاطًا يحبه، وصحبة آمنة، ومسؤولية تشعره بقيمته.

للمعلمين: علّموا الطلاب كيف يسألون ويقارنون، بحكمة، ودون أن تعرّضوا أنفسكم أو طلابكم للخطر.

عند الضغط أو التهديد: سلامة الطفل أولًا. لا تدفعه إلى مواجهة، واطلب المساعدة ممن تثق بهم بطريقة آمنة.

نريد أبناء يعرفون كيف يفكرون، لا أبناء يُطلب منهم الولاء قبل أن يفهموا.