عادل دشيلة خبير العدالة الانتقالية يستعيد رحلته إلى تشيلي عام 2025
في هذا الحوار، يستعيد الباحث اليمني عادل دشيلة زيارته إلى تشيلي عام 2025، حيث تعرّف إلى إسهامات منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الدينية وأسر الضحايا في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتُكبت خلال فترة الحكم الدكتاتوري. وانطلاقاً من هذه التجربة، يناقش إمكانات العدالة الانتقالية في اليمن والتحديات التي تواجهها.

وإلى الحوار:
- مارتا مينديش: في عام 2025، زرتَ تشيلي بدعم من مركز كولومبيا العالمي في العاصمة سانتياغو دي تشيلي¹. وكان الهدف التعرّف عن كثب إلى تجربة تشيلي في مجال العدالة الانتقالية، التي، بحسب ما فهمته من حديثنا، لم تبدأ مع تنحّي أوغستو بينوشيه عن رئاسة تشيلي في مارس/آذار 1990.
دشيلة: حكم بينوشيه تشيلي بين عامي 1973 و1990. وبعد تنحّيه، شهدت الجهود التي قادتها منظمات المجتمع المدني لمعالجة الانتهاكات المرتكبة خلال فترة الحكم الدكتاتوري زيادة ملحوظة. لكنني لا أقول إن العدالة الانتقالية بدأت عام 1990. فقد أدّت جهات، مثل الكنيسة الكاثوليكية²، ومنظمات مدنية وشخصيات أكاديمية وحقوقية وأدبية ومنظمات نسوية دوراً محورياً في توثيق حالات انتهاك حقوق الإنسان خلال فترة الحكم الدكتاتوري. واستمرت الكنيسة في أداء دور مهم بعد عام 1990، ولا سيما بفضل أرشيفاتها التي شكّلت العمود الفقري لكثير من جهود تقصّي الحقيقة والمصالحة.

- مارتا مينديش: هل يمكنك توضيح أبرز التغيّرات التي طرأت بعد عام 1990؟ وما أثر الانتقال السياسي في تشيلي بعد بينوشيه على العدالة الانتقالية؟
عادل دشيلة: كان السياق السياسي أحد أبرز أوجه الاختلاف بين الفترة التي سبقت عام 1990 والفترة التي تلته. وبعد تنحّي بينوشيه، تولّى السلطة ائتلاف من الأحزاب السياسية المنتمية إلى تيار الوسط واليسار تقريبا. وكانت الأحزاب المشاركة في هذا الائتلاف أكثر دعماً بكثير للعدالة الانتقالية وللعمل الذي تقوده منظمات المجتمع المدني. وبدأت هذه المنظمات جهوداً واسعة النطاق لتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان.
وكما نعلم، لم يكن ذلك ممكناً خلال فترة الحكم الدكتاتوري. لذلك، لم تكتفِ المنظمات بعد عام 1990 بتوثيق الانتهاكات التي ارتُكبت في عهد بينوشيه بمزيد من التفصيل، بل شملت جهود التوثيق أيضاً أنواعاً مختلفة من الانتهاكات. ولنأخذ حالات الاختفاء والمفقودين مثالاً: فقد فهمت من زيارتي إلى تشيلي أن المنظمات وثّقت حالات أشخاص مفقودين، بمن فيهم أشخاص قُتلوا في سجون سرية. كما كان لعملها أهمية كبيرة في تحديد المقابر وغيرها من مواقع الدفن في العاصمة وفي المدن والبلدات الأخرى في أنحاء تشيلي.

وثمة جانب آخر أودّ التشديد عليه، وهو العلاقة الفريدة التي ربطت منظمات المجتمع المدني بأسر الضحايا. فلم تكن أسر كثيرة على علم بهذه المواقع، ولا بأن أقاربها كانوا قد فارقوا الحياة أثناء الاحتجاز. ولم تقتصر هذه العلاقة المميزة على حالات الاختفاء؛ إذ يمكن القول إن منظمات المجتمع المدني أدّت، من نواحٍ عديدة، دور الوكيل المعنوي لأسر الضحايا، فرفعت أصواتها ونجحت حيث أخفق آخرون.
من المهم فهم أن الظروف السياسية أصبحت بعد عام 1990 أكثر ملاءمةً بصورة ملحوظة للعدالة الانتقالية ولعمل منظمات المجتمع المدني. غير أن هذا لا يعني أن الجهود لم تكن قائمة قبل ذلك.
- مارتا مينديش: بعد مرور ثلاثين عاماً على تسعينيات القرن الماضي، هل ينبغي أن نعيد النظر في تصورنا لجهود التوثيق؟ وهل تحققت أهداف العدالة الانتقالية التي سعى التوثيق إلى دعمها؟ وهل لا يزال التوثيق ذا أهمية، ولأي أغراض؟
عادل دشيلة : يشكّل التوثيق العمود الفقري لكثير من جهود العدالة الانتقالية. وحتى إن لم تتحقق الأهداف المنشودة "في حينها"، فإن التوثيق يظل داعماً لها في وقت لاحق، عندما تصبح الظروف أكثر ملاءمة. وفي حالة تشيلي، وكما ذكرت، تمكّنت منظمات المجتمع المدني من توثيق أكثر من ألف حالة لأشخاص مفقودين، مع أن العدد الحقيقي يُرجّح أن يكون أكبر بكثير³. ولم يُكشف عن مصير سوى عدد قليل من هذه الحالات. ولا تزال الأسر تضغط على مؤسسات الدولة لحل الحالات المتبقية، وفي الوقت نفسه توجد مواقع تذكارية عديدة مرتبطة بحالات الاختفاء وبانتهاكات أخرى لحقوق الإنسان. وتتيح هذه المواقع للجميع الاطلاع على الجرائم التي ارتُكبت بحق الناس في تشيلي خلال فترة الحكم الدكتاتوري. ومن هذا المنظور، يكتسب التوثيق أهمية أيضاً في إحياء الذاكرة، وهو عنصر مهم من عناصر جهود العدالة الانتقالية في البلاد⁴.

وفي عام 2006، خلال ولايتها الرئاسية الأولى، أنشأت ميشيل باشيليت اليوم الوطني للمحتجزين المختفين⁵، وحددت 30 أغسطس/آب يوماً رسمياً لإحياء الذكرى، ليتزامن مع اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري. وبعيداً عن إحياء الذاكرة، يجدر بالذكر أنها أنشأت أيضاً المعهد الوطني لحقوق الإنسان⁶، الذي يضطلع بدور هيئة وطنية مستقلة لرصد أوضاع حقوق الإنسان في البلاد.
- مارتا مينديش : إلى أي مدى تعتقد أن تنفيذ جهود العدالة الانتقالية في مناخ سياسي مواتٍ كان مهماً؟ وهل يمكن أن تنجح العدالة الانتقالية من دون دعم الأحزاب السياسية الرئيسية والفاعلين السياسيين في البلد؟
عادل دشيلة : أعتقد أن دعم الأحزاب السياسية كان مهماً جداً لمنظمات المجتمع المدني وغيرها من القطاعات الاجتماعية، ولا سيما منذ تسعينيات القرن الماضي. فقد كانت تلك المنظمات نشطة للغاية، وأدّت دوراً مهماً في اعتماد الجهاز السياسي في البلاد عدداً كبيراً من التدابير التي اقترحتها⁷. ومع ذلك، من المهم التأكيد أن نجاح العدالة الانتقالية في تشيلي لم يكن نتيجة عمل منظمة واحدة أو مجموعة صغيرة من المنظمات. وكما ذكرت سابقاً، أدّت الكنيسة الكاثوليكية وغيرها من الجهات الدينية دوراً أساسياً في جمع المعلومات عن الانتهاكات والتجاوزات المرتكبة حتى خلال فترة الحكم الدكتاتوري؛ فقد وُثّقت قرابة 300 ألف حالة فردية! وما يلفت النظر في السياق التشيلي هو تكامل أدوار المنظمات بعضها مع بعض، وتشكيلها شبكة مترابطة من التعاون والدعم المتبادل. وقد قامت علاقة قوية جمعت الأحزاب السياسية والشباب والطلاب والنقابات والمؤسسات الدينية والمجتمع المدني والأسر.

في منزل "خوسيه دومينغو كانياس"
- مارتا مينديش: ما أوجه الاختلاف والتشابه التي لاحظتها بين السياقين التشيلي واليمني؟
عادل دشيلة : كما هو الحال في تشيلي، تعمل منظمات المجتمع المدني في اليمن أيضاً عن كثب مع أسر الضحايا. لكن العلاقة بين منظمات المجتمع المدني والجماعات الدينية تختلف في اليمن، على سبيل المثال. ولاحظت كذلك أن الجهات الفاعلة في المجتمع المدني في تشيلي كثيراً ما جمعت مواردها للعمل بصورة جماعية من أجل تحقيق أهداف مشتركة. بل إن بعض المنظمات التشيلية تواصلت مع منظمات في بلدان أخرى تعمل على قضايا مماثلة. ومن الأمثلة التي تخطر ببالي منظمة الضمير⁸، وهي منظمة فلسطينية غير حكومية تعمل على دعم المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية والفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، لليمن خصوصيات كثيرة. فقد استعانت بلدان عديدة لديها تجارب في العدالة الانتقالية بخبرات دولية، لكنني أعتقد أن اليمن يفضّل حلاً يعكس ثقافته ويعطي الأولوية للمعرفة المنتَجة محلياً. ويشمل ذلك دور القبائل، من دون أن يقتصر عليه. فقد أسهمت القبائل إسهاماً كبيراً في جهود حل النزاعات، وساعدت في تسوية غالبية القضايا التي عُرضت على الوساطة القبلية⁹. وفي الأسر القبلية، يحمي القانون العرفي القبلي الضحايا، بمن فيهم الأطفال والنساء والفئات المهمشة. كما يمكن للقبائل أن توفر لهذه الفئات قدراً من الحماية الأمنية. ولا تزال القوانين والأعراف القبلية اليمنية تفتقر إلى الدراسة الوافية، على الرغم من وجودها منذ قرون؛ ولهذا السبب، يمكنها وينبغي لها أن تسهم في تشكيل العدالة الانتقالية وتعزيزها.
- مارتا مينديش: وأخيراً، أرى اختلافاً مهماً آخر بين تشيلي واليمن يتعلق بالعلاقة بين الأحزاب السياسية والعدالة الانتقالية. فهل تختلف هذه العلاقة في اليمن، حيث أدّت الأحزاب السياسية، على امتداد تاريخنا وفي النزاعات المختلفة التي شهدها البلد، دوراً مباشراً في الانتهاكات أو أسهمت في وقوعها؟ ولهذا الأمر تبعات كثيرة على أي اتفاق سلام مستقبلي، ولا يمكننا أن نتوقع أن تدعم الأحزاب جهود المساءلة بالضرورة. لكن ذلك لا يعني أنها لن تدعم تدابير أخرى من تدابير العدالة الانتقالية.
عادل دشيلة : تحاول الأحزاب السياسية في الوقت الراهن التركيز على إنهاء الانقلاب العسكري. وهي تريد تطبيق شكل من أشكال المصالحة الوطنية، وقد يشمل ذلك العدالة التصالحية. ومن ثم يمكن تناول بعض جوانب العدالة الانتقالية، مثل جبر الضرر وكشف الحقيقة. وقد يشمل هذا الأخير، على سبيل المثال، جهود البحث عن المفقودين. ومن المهم أيضاً معالجة مسألة جبر الضرر للأسر، ولا سيما الأسر التي فقدت منازلها أو توفي أفراد منها أو أُصيبوا إصابات بالغة. فعندما يُطرح موضوع التعويض، يمكن أن ينفتح المجال لمناقشة احتياجات الضحايا في إطار اتفاق سلام أو اتفاق لتقاسم السلطة، حتى في غياب اتفاق بشأن المساءلة.
الهوامش والمراجع



