الجمعة 11 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • المفكر عبد الحسين شعبان لـ"النداء": العالم يتجه إلى تعددية قطبية والعرب بحاجة إلى مشروع نهضوي جديد

المفكر عبد الحسين شعبان لـ"النداء": العالم يتجه إلى تعددية قطبية والعرب بحاجة إلى مشروع نهضوي جديد

المفكر عبد الحسين شعبان لـ"النداء": العالم يتجه إلى تعددية قطبية والعرب بحاجة إلى مشروع نهضوي جديد

مقدمة
الدكتور عبد الحسين شعبان مفكر متعدّد، وعضوي، كبير، وكثير إسهاماته في الثَّقافة العَربيَّة، والفكر، والأدب عميقة، ومتَّسعة. إصداراته تغمر المكتبات العربية، وصلاته بالفكر الأممي متينة؛ يتمازج حَدَّ التَّوحُّد القومي بالأممي في رؤاه. فالبعد الإنساني في وتفكيره وسلوكه ومواقفه عَبرَ ما يقرب من نصف قرن من الزمن، حاضر ومائز.
انتسب بَاكرًا إلى الحزب الشُّيوعي العراقي، إبَّان معارك العراق، والأمة العربية ضِدَّ الرَّجعية، والاستعمار والصُّهيونية؛ ولكنه ظلّ مُحتفظًا بقدرٍ من الاستقلالية والتَّميُّز.
تَربَّى في بيئة متدينة ومحافظة، وانحاز للعصر الحديث والمعرفة والعلم. درس في جامعة بغداد «الاقتصاد والعلوم السِّياسِيَّة»، وواصل دراسة القانون في تشيكوسلوفاكيا، ليصبح خبَيرًا دوليًا في القانون الدولي؛ مدافعًا عن الحريات والحقوق في وطنه العراق وعَربيًّا وَدوليًّا، ونال عدّة جوائز وأوسمة من بينها وسام أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي (القاهرة، 2003)، كما نال مؤخرًا جائزة الشاعرة المبدعة الدكتورة سعاد الصباح في يوم الوفاء (2024).

قرأ الفكر الإسلامي والديني؛ مُنفتحًا على العهدين: القديم والحديث. تحاور مع كبار مراجع الفقه الإسلامي وعلماء الكلام من المدارس والتيارات المختلفة.

درس الفكر الماركسي من منابعه الأصلية ومصادره الأساسية، مواصلًا قراءاته المنفتحة على الفكر الإنساني، وهو من المفكرين القلائل الذين امتلكوا القدرة والشَّجاعة على نقد التيارات المختلفة القومية والإسلامية واليسارية، وقد تصدى لنقد اليسار الطفولي والدوغما والتعصُّب، معليًا من شأن العقلانية، وقد غادر العمل الحزبي، ولكنه بقي يتعاطى بالسياسة من موقع فكري وثقافي، وليس من موقع أيديولوجي متزمّت، كما كانت تفرضه الاتجاهات الستيالينية والجدانوفية ونظريات الانحياز الأعمى.

احتفى كَثيرًا بفكر وسيرة المفكر اللامع عامر عبد الله، ودرس حياته وعطاءه ومواقفه. وعامر عبد الله من المفكرين الشُّيوعيين الذين قدموا قراءة ورؤية للوحدة العربية مغايرة ومختلفة، علمية ودقيقة وديمقراطية.

كَمَا دَرسَ وَقَدَّمَ أشعار صديقه الحميم الشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري، وأصدر عنه ثلاث مجلدات، آخرها بعنوان "جواهر الجواهري"، وله معه مطارحات وحوارات متنوعّة وثمينة.

محمدمهدي الجواهري
محمدمهدي الجواهري

أدرك منذ وقت مبكّر خطأ موافقة الحركة الشيوعية بشأن القضية الفلسطينية، وقد تناول منذ نحو 5 عقود من الزمن مخاطر قرار التَّقسيم (181) لعام 1947م، وخطل الانحياز لتأييده، فقد كان كما يرى خطيئة كبرى؛ رفضته الأنظمة العربية البائدة شَكليَّا، والتزمت به عَمليًّا، ورفضته الأحزاب، وَالتيارات القومية، ولم تقم بما يجب، ولم تلتزم به إسرائيل، وتواصل حتى اليوم عدم الاعتراف به.

تَنبَّهَ المفكر شعبان مُبكرًا لخطورة العنصرية الصُّهيونية وتبنى الدعوة لاعتبار الصهيونية شَكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وأسّس مع نخبة من رفاقه، قبل 4 عقود من الزمن جمعية عربية لدعم قرار الأمم المتحدة رقم 3379، الذي صدر 10 تشرين الثاني / نوفمبر 1975، وكان الأمين العام لهذه الجمعية، علمًا بأن الأمم المتحدة ذاتها تراجعت عنه بسبب من تغيّر ميزان القوى الدولي وبضغط أمريكي.

وَيُحسب للمفكر التقدمي دفاعه الممتد عن قضايا الأقليات في الوطن العربي؛ وبالأخص في العراق، وكان، ولا يزال، الصَّوت المدوي ضِدَّ الإمبريالية والصهيونية وَضِدَّ قمع الحُريَّات ومصادرة الرَّأي وضِدَّ الحروب المستعرة، كما وقف ضدّ الحصارات الدولية على الشعوب بزعم مساءلة حكّامها.

أقدم هذا الحوار الاستثنائي والاستراتيجي الذي تكرم بالإجابة فيه على أسئلتي وتساؤلاتي برحابة صدره المعهودة، ولن أفسد متعة القارئ بعرض إجاباته المهمة، والتي تقرأ الحالة العربية، وجوانب من الوضع الدَّولي.

---------

(نصّ المقابلة)

أخي العزيز، وأستاذي الجليل المفكر الأممي: عبد الحسين شعبان

بَعدَ العودة إلى قراءة بعض أعمالكم: «الصَّوت وَالصَّدَى»، و«عامر عبد الله - النَّار ومرارة الأمل»، و«تحطيم المرايا في الماركِسِيَّة والاختلاف»، كنت أنوي إجراء مقابلة معكم بتسليط الضوء عليها مجدّدًا، وسبق لي أن حاورتكم في قضايا فكرية وثقافية لأكثر من مرّة، وقلت سأبدأ في هذا الحوار من كتابكم الأخير «هسهسات الضوء في أنطولوجيا الثقافة العراقية» (دار النهار، بيروت، 2026)، ولكني رأيت أن أحاوركم هذه المرّة على قاعدة الفكر السياسي والقانوني الذي لكم فيه باع طويل وخبرة غنيّة وتجربة أكاديمية متراكمة ومعتبرة، فضلًا عن ممارسة عملية باعتباركم أحد الأعمدة الشامخة على هذا الصعيد، وذلك نظرًا للوضع العربي الحالي الخَطِر، والدَّولي الأخطر، فهما الجديران بالنِّقَاش، وطرح الأسئلة، وفتح الحوار على أوسع نطاق؛ لأنَّ ما يجري الآن، وأنتم سيد العارفين، يَطالُ التَّاريخ البشري، ويهدّد الأمن والسَّلام الدَّوليين، ويستبيح قِيمَ الوُجُود الإنساني، ومبادئ السِّيادة والاستقلال، وما أنجزته الأمم والشَّعوب خلال قرون التَّنوير والتَّحرُر، ولا يعطي الاعتبار لكرامة الإنسان، ولا للعدالة، ولا المساواة؛ وستكون الأمة العربية -كدأبها دَائمًا- الضَّحية الأولى، وميدان الحروب المستدامة، وموطن الإبادة.

لذا أطرح عليكم الأسئلة المؤرِّقَة وَالدَّامية:

  • كيف تقرأون ما يجري في العراق؟ وماهي ورؤيتكم للوضع السُّوري، والوضع في ليبيا، وأحوال تونس، وحرب الإبادة على غزة، وتعميم الاستيطان في الضفة الغربية، واجتياح الجيش الإسرائيلي لمناطق في لبنان وسوريا، وتواطؤ بعض الأنظمة العربية، واستخذائها؟

  • كيف يقرأ المفكر العربي التَّقدُّمي الحالة في اليمن، بعد انهيار الكيان اليمني، وتسلُّط مليشيات الأمر الواقع، وتصارع إيران، والسُّعودية، والإمارات؛ لدعم الاحتراب والتَّفكُّك؟

  • وما رؤيتكم عن تَفكُّك الأنظمة القُّطرية؟ والحرب الأهلية في السُّودان والتي تُشَارِك فيها بعض الأنظمة العربية؟

  • وأودّ استطلاع رأيكم بخصوص الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، حيث يرى البعض أنَّ الحرب على إيران تعني - فِيمَا تعني - وضع المنطقة تحت الهيمنة الإسرائيلية، وابتلاع فلسطين، وَالتَّمدُّد في مناطق لبنان وسوريا؛ وَربَّمَا أبعد من ذلك.. فماذا تقول؟

  • وكيف ينظر المفكر الأممي إلى الوضع الدَّولي الذي تتغوّل فيه أمريكا وإسرائيل، ويضربان عرْضَ الحائط كُلَّ المواثيق والقرارات الدَّولية، ويسخران من الأمم المتحدة، ومنظماتها، ومن محكمة العدل الدَّولية، والمحكمة الجنائية الدَّولية، وتهديد القانون الدَّولي، والتَّهديد بتفكيك المحكمة، واستهداف رئيستها، والمدَّعِي العام، بعد إقصاء كريم خان، فَمَا المستقبل الذي ينتظر الأمَّة العَربِيَّة؟

  • وما مستقبل الوضع الدَّولي القائم؟ وما احتمالات سقوط القُطب الواحد؟ وما مؤشرات نظام دولي جديد، ومآلات الحرب ضِدَّ إيران؟

وفيما يلي إجابات د. شعبان الذي قرأ المتغيّرات الدولية وانعكاساتها على الوطن العربي وأزماته وتأثير الانقسامات الطائفية والدور الإقليمي، فضلًا عن الحرب على غزّة وامتداداتها، وخصوصًا الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، ومحاولات ترويضها، وجدّد دعوته إلى ويستفاليا عربية وويستفاليا مشرقية، كما شدّد على أهمية قيام مشروع نهضوي عربي ودور النخب الفكرية والثقافية في الترويج له، مناشدًا الدول العربية كافة إلى ضرورة التفاهم وحلّ الخلافات لأنها جميعها مستهدفة، مؤكدًا أن العالم يتّجه إلى إقامة كيانات كبرى ولا مكان للصغار فيه.

قانون القوّة

لم تعد حالة الاستقرار التي شهدها النظام الدولي السابق قائمة على قواعد متّفق عليها، كما كان في فترة الصراع الأيديولوجي، والحرب الباردة (1946 – 1989)، فالعالم اليوم عند مفترق طرق، حيث تخلخل توازن القوى القديم، وانهار النظام الدولي السابق، ولم يولد بعد نظام دولي جديد يستطيع فرض قواعده و"شرعيته" على المجتمع الدولي، وقد كانت فترة الانتقال هشّة ولم تدم طويلًا حتى بدأ التململ مجددًا بالضدّ من نظام الأحادية القطبية، التي كانت الولايات المتحدة على رأسه، وخلال فترة انعدام التوازن اتسعت مساحة القلق وانتشرت الحروب، واستفحلت النزاعات الدولية، وتراجعت الثقة بالأمم المتحدة والقانون الدولي والمؤسسات الدولية، وأصبحت شعوبًا وأممًا وبشرًا، وهم غاية القانون، ضحية له بسبب قانون القوة.

الحرب الباردة
الحرب الباردة

‏صحيح أن السياسة تتداخل بالقانون وتمتزج الشرعية بالقوّة، وتشتبك العولمة بحقوق الإنسان، لدرجة تصبح الحروب والنزاعات المسلحة الأكثر تعبيرًا عن أزمة النظام الدولي وشرعيته، علمًا بأن بعض المنظّرين الغربيين اعتقدوا أن التاريخ قد حسم أمره عقب انحلال الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، كما هو فرانسيس فوكوياما صاحب نظرية "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، وهذا عنوان كتابه الذي صدر في العام 1992، وذلك بعد أن نشر مقالته الشهيرة في العام 1989، وصاموئيل هنتنغتون صاحب نظرية "صراع الحضارات" ومؤلفه الشهير "صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي"، الذي صدر في العام 1996، والذي طرح فكرته بمقالة نشرها في العام 1993، وكلاهما روّجا لهيمنة عصر الليبرالية وانتصارها سياسيًا واقتصاديًا، وسيادة الولايات المتحدة التي ستستمر بلا حدود، متناسين أن التاريخ لا يسير بخط مستقيم، ولا توجد قوة على الأرض تستطيع التحكّم بمصائر البشرية إلى ما لا نهاية، ولعّل سيرة ومسيرة التاريخ لم تمنح أحدًا شيكًا دائمًا على بياض أو عهدًا أبديًا بالزعامة.

وبودّي أن أشير هنا إلى أن التاريخ ماكر ومراوغ حسب هيغل، ويرى عبد الرحمن بن خلدون أن الدول تمرّ عادةً بعمر معيّن مثل النشأة والقوّة والاستقرار والترف ثمّ الضعف والانهيار "والظلم مؤذن بخراب العمران" حسب رأيه، ووفقًا لأرنولد توينبي التاريخ هو محاولة لفهم صعود الحضارات وأفولها.

نظام التعدديّة القطبية والمنطقة الرمادية

‏وإذا كان الانتقال من نظام القطبية الثنائية إلى نظام القطبية الأحادية عاصفًا، فإن التحوّل إلى نظام التعدديّة القطبية لن يكون هادئًا أو سلسًا أو يسيرًا. إنه انتقال محفوف بالمخاطر، لأن القوّة المهيمنة، وأعني بها الولايات المتحدة، ستتشبّث بامتيازاتها ونفوذها ومصالحها، أما القوّة الصاعدة، وخصوصًا الصين فإنها تسعى للحصول على اعتراف بدورها ومكانتها ومصالحها، في حين يقع العالم في منطقة رمادية تنتشر فيها الصراعات المسلحة والنزاعات الأهلية ‏وتتفتّت فيها دول وتحترب هويّات وتتقاتل بلدان، دون نسيان دور القوى النيوليبرالية والشعبوية في الغرب، التي رفعت من وتيرة عدائها للأجانب (الزينوفوبيا)، وبشكل خاص للعرب والمسلمين (الإسلامفوبيا)، ناهيك عن سياسات استعلائية ونزاعات حربية وتوجّهات ضدّ بلدان الجنوب بشكل عام.

‏وإذا كان النظام الدولي يقترب اليوم من التعدديّة القطبية، لكن قواعدها كنظام معترف به لم تكتمل بعد، ولم تستوفِ شروطها، خصوصًا ونحن في عصر العولمة، وهذه بقدر ما تساهم في توحيد العالم، فإنها تساهم أيضًا في انشطاره وتقسيمه.

صحيح أن العولمة جعلت العالم أكثر قربًا واتصالًا ومعرفةً بعضه بالبعض الآخر، لكنها لم تجعله أكثر عدلًا، فالثروة وتوزيعها والفرص والقدرة على التأثير ما تزال شديدة التفاوت بين القوى المتنفّذة والقوى الضعيفة، والدول الكبرى والدول الصغرى، وبلدان الشمال الغني وبلدان الجنوب الفقير.

منطق القوّة ومنطق الحق

‏إن السوق وتكنولوجيا الإعلام والمواصلات والاتصالات والطفرة الرقمية (الديجيتال) واقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي لم تُسهم في جعل العالم يقترب من العدالة، فعالم المحرومين والمهمّشين والذين لا يزيد دخلهم عن دولارين في اليوم يتجاوز عددهم مليار إنسان، وهؤلاء دون خط الفقر، ويبقى نحو ربع سكان المعمورة دون ماء صالح للشرب ودون دورات الصرف الصحي ودون غذاء كاف ودون دواء ضروري، ناهيك عن التعليم والسكن اللائق الذي تتوفّر فيه الحد الأدنى من المعايير الإنسانية.

والمطلوب عولمة الحقوق وعولمة العدالة وعولمة احترام الكرامة الإنسانية، وحتى لو تغيّر القطب الواحد أو الأوحد، فإن العالم لن يصبح أكثر عدلًا بصورة أوتوماتيكية، إلّا حين يصبح الإنسان هو الأصل والغاية، ويتغيّر منطق القوّة إلى منطق الحق.

وإذا كان القانون الدولي يتضمن قواعد إيجابية واضحة لحماية السلم والأمن الدوليين والحفاظ على أرواح المدنيين وحظر العدوان وصون حقوق الإنسان، لكن مشكلته تتحدّد بالمنهج الانتقائي وازدواجية المعايير وقانون القوّة الذي تفرضه القوى المتسيّدة، وهكذا تتحوّل العدالة إلى أداة سياسية بيد الجهات المتنفّذة، وليست قاعدة عامة، بل رهنًا لموازين القوى.

‏دعني هنا أبيّن لك أن مأساة فلسطين هي أكبر اختبار للضمير الدولي ولصدقية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وهي مستمرة منذ نحو ثمانية عقود من الزمن، وفي الوقت نفسه إنها الامتحان الحقيقي للنظام القانوني الدولي برمّته، لأنها مرآة تكشف مقدار التناقض بين النظرية والتطبيق، حيث فشلت الأمم المتحدة في أن توفّر إطارًا جماعيًا يحمي السلم والأمن الدوليين.

أزمة الدولة العربية

في قلب التحوّلات الكونية يقف العالم العربي أمام سؤال وجودي حول مصيره ومستقبله، فالعرب الذين يمتلكون موارد طبيعية وطاقات بشرية هائلة وثقافات وحضارات وجغرافية تشمل بحارًا وأنهارًا وصحارى ومساحات شاسعة وكتلة سكانية كبيرة، إضافة إلى أن الأديان السماوية نزلت في أرضهم، لكن هذه جميعها لم تتّجه لتأسيس مشروع عربي مشترك يمثّل معايير الحد الأدنى من التنسيق والتعاون.

أقول إن العالم العربي يمتلك كل عناصر القوّة المادية والمعنوية والثروات الطبيعية، لكنه غير قادر على تحويلها إلى قوة سياسية لأن دوله محتربة فيما بينها ومنقسمة على بعضها، وأقول ذلك ليس من باب الشعارات القديمة ذات النزعة العاطفية، بل انطلاقًا من المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة في ظل عالم لا يحترم الصغار ولا يقيم وزنًا إلّا لمن يقف موحدًا في صف الكبار، فكيف السبيل للخروج من هذا المأزق واللحاق بركب الدول المتقدّمة؟

لعلّ الأمر يتطلّب أولًا وقبل كل شيء، توفّر إرادة سياسية وتطوير مؤسسات الدولة العربية وتعزيز فضاء الحريّات وبناء اقتصاد يقوم على المعرفة والعلم والتكنولوجيا، وذلك انطلاقًا من احترام حقوق المواطنة والمساواة والعدالة والشراكة، والدولة التي لا تحترم مواطنيها يصعب عليها أن تطالب العالم باحترامهم أو حتى احترام سيادتها.

‏يبقى الإنسان هو البوصلة وهو المعيار الأهم في أي نظام، سواء كان محليًا أم دوليًا، ودائما ما نقارن:

‏هل أصبح الإنسان أكثر حريّة؟

‏وهل صار أكثر أمنًا؟

‏وهل تحقّقت المساواة؟

‏وهل أضحى أكثر رفاهًا؟

المشروع النهضوي

لكي يكون المشروع النهضوي العربي على درجة من الواقعية والجديّة، فلا بدّ أن يتّجه لتحقيق الاستقلال السياسي والتنمية المستقلة كمدخل لا غنى عنه، وبالطبع فإن التحوّل الديمقراطي (المقصود رضا الناس وخياراتهم) المقترن بالعدالة الاجتماعية وإن بحدّها الأدنى هو شرط لذلك، لاسيّما في ظلّ تعاون يفضي إلى اتّحاد أو شكل من أشكال الوحدة التدرّجية، بما يُسهم في التجدّد الحضاري بربط الأصالة بالمعاصرة، وذلك انطلاقًا مما تضمّنه المشروع الفكري الباذخ الذي أنجزه مركز دراسات الوحدة العربية، بعد دراسات معمّقة، بإشراف مؤسسه خير الدين حسيب بمشاركة نحو 100 مثقف عربي.

‏هناك نماذج متنوّعة لأزمة الدولة العربية، وهي تصلح كحالات نموذجية لعالم ينتقل من الأحادية إلى القطبية المتعدّدة ومن العولمة إلى الجيوسياسية، في ظل مأزق حقوق الإنسان، والقاسم المشترك الأعظم بخصوص الشرعيات التي لم تكتمل بعد بانهيار شرعيات قديمة، هو أزمة العلاقة بين الدين والدولة، وبين الدولة والمجتمع، وبين الاقتصاد الريعي والاقتصاد الإنتاجي، وبين السيادة الوطنية والتدخل الأجنبي، وبين الشرعية السياسية والشرعية الحقوقية، وبين المشروعية القانونية ومشروعيات موازية، دينية ومذهبية وقومية وعشائرية...إلخ.

العراق: بين فائض الضعف وفائض القوّة

‏في العراق لم تكن المشكلة مجرّد تغيير نظام سياسي ديكتاتوري، بل واجه العراقيون احتلالًا أجنبيًا مع فرض إرادات سياسية خارجية لإعادة بناء الدولة وفقًا لتصوّرات قوى دولية (الولايات المتحدة وقوات التحالف)، وبمشاركة قوى إقليمية تمكّنت لاحقًا من الاستحواذ على جزء كبير من العراق (إيران)، وفي ظل دستور حمل الكثير من الألغام في جعبته، ويمكن أن ينفجر أمام أي منعطف، خصوصًا في ظلّ نظام أُقيم على الزبائنية السياسية وتقاسم المغانم في وفقًا لتشكيلة طائفية – إثنية، وهكذا نشأت مصالح حالت دون نهوض عراقي شامل لإعادة بناء الدولة وتنميتها، لاسيّما في ظلّ الفساد المستشري وانتشار السلاح خارج نطاق الدولة، وإرهاب منفلت من عقاله، َبدأ بالقاعدة واستمرّ مع داعش، ناهيك عن جماعات مسلحة خارج القانون وأحيانًا بحمايته، بل إن العشائر أصبح لبعضها إطارات مسلحة، فقد أخذ بعضها يتغوّل على الآخر ويشتبك معه بمعارك واحترابات، علمًا بأن امتلاك السلاح يوازي استخدامه أحيانًا، فما بالك حين يكون هناك فائض للقوّة؟

العراق ـ منصات
العراق ـ منصات

‏الحديث عن السيادة العراقية لا يكتمل لمجرد خروج القوات الأجنبية مع بقاء القواعد العسكرية الأمريكية والتركية والنفود الإيراني المتغلغل، بل يتعزّز بمواطنة حقيقية ومتساوية في ظل حكم القانون، وكنت قد دعوت إلى "مشروع قانون لتحريم الطائفية وتعزيز المواطنة" في العراق، وهو مشروع كيّفته ليصلُح عربيًا، ونوقش هذا المشروع في أواسط حقوقية وقانونية وفي إطار المجتمع المدني، وأُقيمت حوله ندوات فكرية وثقافية وكتب عنه العديد من المثقفين، لكن القوى المتنفّذة والمستفيدة من الطائفية السياسية لا يعنيها مثل هذا المشروع، وهي وإن لم تعارضه علنًا، لكنها في واقع الحال لا ترغب في تبّنيه لأنه يقوّض نفوذها السياسي.

‏أقول إن العراق يمتلك فرصًا وإمكانات كبيرة لينهض أولًا ويُعيد بناء نفسه وليعوّض ما فاته من تنمية بسبب النزاعات والمغامرات والحروب والسياسات الخاطئة والضارة ليتحول إلى ساحة للتفاهم الدولي بدلًا من ساحة للاحتراب الإقليمي والدولي، خصوصًا إذا ما توفرت لديه الإرادة والتفاهم الداخلي وتخلّص من عيوب نظامه الحالي، لاسيّما بنزع الثوب الطائفي والتمترس المذهبي – الإثني.

سوريا: الماضي مضى ولا بدّ من استشراف المستقبل

‏لعلّ الوضع في سوريا لا يقلّ تعقيدًا عن العراق، فالأزمة الداخلية المعتّقة والعميقة دخلت عليها عناصر خارجية إقليمية ودولية متعدّدة، فلم تعد الأزمة بين النظام السابق والمعارضة، فقد تعرّضت الدولة للتفكّك المؤسسي والجغرافي، وأصبحت بعض القوى الإقليمية مثل تركيا، والدولية مثل الولايات المتحدة، أطرافًا في المشهد السوري، بعد أن كانت إيران وروسيا تحتلان المواقع المتقدّمة.

الاطاحة بنظام الاسد ـ الأناضول
الاطاحة بنظام الاسد ـ الأناضول

‏ومنذ الأيام الأولى للإطاحة بنظام بشار الأسد قلت إن النظام الجديد يحتاج إلى العدالة الانتقالية بوصفها مفتاحًا للمستقبل، ولعلّها هذه ضرورة عربية للانتقال التدرّجي من طور إلى طور آخر، إذْ لا يمكن بناء سلام حقيقي دون معالجات آثار الانتهاكات السابقة، ليس من خلال الانتقام أو الثأر أو الكيدية، فهذه لا تبني عدالة ولا تقيم نظامًا صالحًا، وإنما عبر المساءلة وكشف الحقيقة وجبر الضرر المادي والمعنوي بإبقاء الذاكرة حيّة، وتعويض الضحايا أو أسرهم وإصلاح الأنظمة القانونية والقضائية وأجهزة إنفاذ القانون، وصولًا للمصالحة المجتمعية.

‏أعتقد أن مستقبل سوريا يحتاج إلى تحقيق وحدة الدولة وسيادتها على كامل أراضيها، لاسيّما بحلّ المسألة الكردية (أُعلن مؤخرًا عن حلّ قوات قسد وعُيّن مظلوم عبدي القيادي الكردي مستشارًا في رئاسة الجمهورية) وتحقيق المواطنة المتكافئة، واحترام إرادة الهويّات الفرعية وحقوقها السياسية والثقافية والإدارية، وإقرار التعدديّة السياسية بالتدرّج، والعمل على التخلّص من تبعات النفود الخارجي، واستعادة هضبة الجولان والعودة إلى اتفاقية العام 1974، بالإضافة إلى الأراضي التي احتلتها إسرائيل بعد الإطاحة بالنظام السابق، لاسيّما في جبل الشيخ، وهو ما يدعو إليه النظام الجديد، والمهم في المعادلة السورية الحرص على احترام حقوق الإنسان بجمع مكوّناته وهويّاته الفرعية على أساس المواطنة المتساوية، واستعادة مكانة سوريا التاريخية ودورها العربي والإقليمي.

مظلوم عبدي
مظلوم عبدي

ليبيا: لا بدّ من خريطة طريق لإنهاء تعويم الدولة

‏في ليبيا تحوّلت الدولة إلى جغرافيا متنازعة، لاسيّما باستمرار ضعف المؤسسات وتجزئتها سياسيًا وأمنيًا، على الرغم مما تملكه من إمكانات مادية وموارد طبيعية، وخصوصًا النفط، لكنها بسبب الاحتراب الداخلي ظلت الدولة وسيادتها معوّمة وناقصة ومبتورة منذ الإطاحة بنظام معمّر القذّافي وإلى اليوم.

ليبيا ـ منصات
ليبيا ـ منصات

‏أعتقد أن المهمة المركزية في ليبيا هي توفّر نوع من التفاهم الوطني لاستعادة وحدة الدولة من خلال خريطة طريق تلتزم بها الأطراف المختلفة، وقد وقّعت القوى المتنافسة مؤخرًا على وثيقة برعاية الأمم المتحدة (30 آب / أغسطس 2026)، على أمل إجراء انتخابات وطنية خلال عامين (24 شهر) مع بعض الإجراءات الإدارية التنظيمية.

‏ ولكي يتم استعادة الدولة، لابدّ لها من حصر السلاح بيدها واحتكاره على نحو شرعي وقانوني، وذلك في ظل تحقيق الأمن والأمان، ودون ذلك لا يمكن الحديث عن الدولة بالمفهوم العصري.

تونس: استعادة أجواء الحريّات

‏أما تونس فوضعها مختلف، فلم تدخل المسار الذي دخلته سوريا أو ليبيا، وكانت "ثورة الياسمين" هي الأولى لما اصطلح على تسميته بالربيع العربي، على الرغم من حالة الإحباط والتراجع والنكوص التي وصلت إليها المجتمعات العربية بسببه بعد استبشار وأمل وتوق إلى التخلّص من الأنظمة السلطوية. وعلى الرغم من كلّ ما حصل يبقى أفق التحوّل الديمقراطي، حتى وإن انتكس، مسارًا مفتوحًا وطويل الأمد، ولا يمكن نكران مرحلته الأولى، على الرغم من ارتكاسها بعد ذلك، لاسيّما تكالب القوى التقليدية والمخلوعة عليها، فضلًا عن عدم جدارة قيادتها الجديدة، وبعض عناصر التأثير الخارجي.

ثورة تونس
ثورة تونس

‏وحسب الكثير من المؤشرات فإن ربيع تونس الذي مثّل نموذجًا جنينيًا للانتقال العربي للديمقراطية، انكفأ وتراجع لأسباب داخلية وأخرى خارجية، فهناك الكثير من التحدّيات التي واجهها، وقادت هذه إلى تردّي الوضع الاقتصادي وتراجع الحريّات، وخصوصًا في الصراع مع التيار الديني، ولاسيّما حركة النهضة، وإن لم يصل إلى ما وصل إليه في مصر في الصراع مع حركة الإخوان المسلمين، والتي حاولت "أخونة" الدولة و"أخونة" الجيش، الأمر الذي أدّى إلى انتفاض الشارع مجدّدًا، ولعبت القوّات المسلّحة المصرية دورًا في حسم الصراع لصالحها.

دروس التجربة

‏وإذا كان ثمة دروس من التجربة التونسية، فأولها - لا ينبغي الانتشاء لمجرد وجود صناديق اقتراع أو ما يسمى بالديمقراطية الانتخابية، فهذه وحدها غير كافية، بل أحيانًا خادعة ومضلّلة للديمقراطية الحقيقية؛ وثانيها - غياب حكم القانون والمشروعية القانونية، وهذه تحتاج إلى دولة تعتمد على القانون وفصل السلطات، فضلًا عن تعزيز فضاء الحريّات، ولاسيّما حريّة التعبير؛ وثالثها - غياب الحد الأدنى من العدالة الاجتماعية أو السير في طريقها كنواة جنينية لتحقيق العدالة؛ ورابعها - ضرورة وجود مجتمع مدني رقيب وراصد وشريك للدولة.

السؤال المركزي

  • ‏والدول الأربعة الآنفة الذكر يواجهها سؤال مركزي؛ في العراق: كيف يمكن إعادة بناء الدولة بعد 23 عامًا من حكم المعارضة السابقة؟ وكيف يمكن استعادة القرار الموحّد؟ وكيف يمكن التخلّص من الطائفية ونظام المحاصصة المذهبي - الإثني؟ وكيف يمكن بناء تجربة فيدرالية جديدة؟

إن حل المشكلات مع إقليم كردستان - العراق في إطار وحدانية الدولة وسيادتها الكاملة ووحدانية علاقاتها الخارجية ووحدانية قواتها المسلحة ووحدانية عملتها وخططها الاقتصادية المركزية، يتطلّب تلبية كاملة لمطالب الشعب الكردي العادلة والمشروعة على أساس حق تقرير المصير واحترام الخصوصيات، وردّ اعتبار للمواطنة في إطار مبادئ الحريّة والمساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، ودائمًا ما أقول "نحن شركاء في هذا الوطن وينبغي أن نكون مشاركين باتّخاذ القرار".

كردستان العراق
كردستان العراق

‏وفي سوريا فالسؤال المركزي: كيف يمكن إزالة آثار الحرب الأهلية وإنهاء مظاهر تفكّك الدولة واستعادة سيادتها، ووقف التدخلات الخارجية بشؤونها واستعادة اراضيها باستعادة وتعزيز قرارها الوطني؟ والأمر يتعلّق بالضغط على المجتمع الدولي لثني إسرائيل عن استهداف سوريا المتكرّر والتغوّل المستمر عليها، والعمل على انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي السورية.

وليبيا كيف السبيل لإنهاء الانقسام المؤسسي وانتشار السلاح خارج نطاق الدولة؟ وكيف يمكن استعادة وحدة الدولة وإعادة البناء وفقًا لعقد اجتماعي جديد يحترم مناطق ليبيا على أساس المساواة بين جميع المواطنين؟

أما تونس فالسؤال هو: كيف يمكن استعادة المصالحة بين الدولة والمجتمع، خصوصًا بردّ الاعتبار إلى الحريّات؟

‏الأزمة تتعلق بالدولة العربية، وأقول حين تضعف الدولة الوطنية تتغوّل عليها قوى دونها، سواء أكانت دينية أم طائفية أم إثنية أم عشائرية، فضلًا عن ذلك تصبح الدولة أكثر عرضة للاختراق الخارجي، وأقل قدرة على حماية نفسها وسيادتها واستقلالها.

‏السيادة دون حقوق تتحول إلى تسلّط واستبداد

‏والحقوق من دون دولة تصبح فوضى

‏والديمقراطية دون الحدّ الأدنى من العدالة الاجتماعية تفقد جوهرها ومحتواها

والاستقلال دون مؤسسات وطنية قوية يصبح هشًا وعرضة للاختراق

لبنان: المشكلة في الطائفية السياسية

‏أمّا لبنان فهو نموذج لدولة متعدّدة الأديان والطوائف، لكنه لم يتحول إلى دولة مواطنة كاملة. وإذا كان التنوّع اللبناني مصدر غنى، لكن النظام الطائفي قام على الزبائنية وتوزيع الغنائم على أمراء الطوائف، والمشكلة ليست في الأديان أو الطوائف، بل في الطائفية السياسية، ولعل الانتقال إلى دولة دستورية تقوم على المواطنة والمساواة وحكم القانون يمكن أن يكون مدخلًا لحل الأزمة اللبنانية، التي استفحلت في السنوات الأخيرة بسبب استمرار العدوان الإسرائيلي عليه.

فهل العودة إلى وثيقة الطائف تنهي الأزمة؟ أم يحتاج الأمر إلى حوار وطني جدي عام وشامل لوضع ملامح ميثاق وطني جديد؟ ويمكن لمثل هذا التوجّه، لو توفّرت أرضية مناسبة للحوار أن يحظى بدعم دولي، بتكريس علوية الدولة وسيادتها على جميع مواطنيها وأراضيها واحتكار السلاح فيها، خصوصًا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

لبنان ـ منصات
لبنان ـ منصات

‏لقد ظل لبنان يعاني من ازدواجية السيادة، ليس بسبب التدخل السوري السابق، الذي جثم على صدره لنحو ثلاثة عقود من الزمن، وتدخلات إقليمية وأجنبية أخرى، بل لجوء بعض القوى اللبنانية إلى الخارج واعتمادها عليه لتعزيز مواقعها الداخلية، لذلك فإن السيادة اللبنانية الحقيقية مرتبطة ببناء دولة قويّة قادرة على استيعاب الهويّات الفرعية وجميع المكونات المجتمعية في إطارها، وبناء هويّة وطنية جامعة، لا غالب فيها ولا مغلوب، وذلك استنادًا إلى قناعة وطنية داخلية وليس امتثالًا لإرادة إسرائيلية أو دولية أو إقليمية، بل انسجامًا مع فكرة الدولة العصرية. ولعلّ وظيفة السلاح الدفاع عن الوطن ضدّ العدوان الإسرائيلي ومقاومة المعتدين، وإذا ما انتهى هذا العدوان فسوف لا يكون هناك أي مبرّر لوجوده واستمراره، وستوكل تلك المهمة النبيلة إلى الدولة وجيشها.

‏أدرك حسب معرفتي بالتجربة اللبنانية أنه لا يمكن الحديث عن لبنان بلا طوائف أو بلا هويّات فرعية أو بلا خصوصيات، ولكن لابد أن تكون المواطنة أوسع من الطائفة وأشمل من الهوّية الفرعية وأكثر تعبيرًا عن الجوامع المشتركة، ولبنان كمجتمع يمتلك كل مقومات القوة المدنية والثقافية والحضارية، وهذه الطاقة يمكن استثمارها بالشكل الصحيح لإعادة بناء الدولة.

السودان: المشكلة المعتّقة

‏يعتبر نموذج السودان هو الأوضح لأزمة الدولة العربية، والأزمة ليست عسكرية أو احتراب مسلح أو صراع عسكري على السلطة (الجيش وقوات الدعم السريع)، وهي أزمة مركّبة وقديمة استفحلت منذ عام 2023، وقد تحوّلت إلى أزمة شملت كل مفاصل الدولة، بانهيار مؤسساتها وتدمير نسيجها الاجتماعي، خصوصًا بتداخلات خارجية عربية وإقليمية ودولية، هدفها جميعها إطالة أمد الحرب، ولكلّ أسبابه الخاصة ومصالحه الأنانية الضيقة.

النميري
النميري

‏المشكلة أقدم من ذلك بكثير، هي علاقة الدين بالدولة، سواء في عهد نظام جعفر محمد النميري (1969 – 1985)، أم بعد الانقلاب العسكري الذي جاء بالتيار الإسلامي ليُصبح على رأس السلطة السياسية (30 حزيران / يونيو 1989)، ابتداءً من حسن الترابي وانتهاءً بالرئيس عمر حسن البشير، الذي أطيح به في حراك شعبي جامع في (11 نيسان / أبريل 2019)، وقد عانى السودان من حرب أهلية استمرّت، بشكل أو بآخر منذ استقلاله في العام 1956، وحتى انفصال الجنوب العام 2011، إضافة إلى شح الحريّات واستمرار الحكم العسكري.

ومن التجربة العامة والتجربة السودانية بشكل خاص يمكن القول إن الوطنية تكون ناقصة دون الاقتران بالحريات والحقوق، وستكون مشوّهة إن تحوّلت إلى موطئ قدم للقوى الخارجية.

‏ليس المهم من ينتصر في الصراع، ولكن الأهم هو من يستطيع بناء الدولة وتحقيق المواطنة والمساواة وإخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية مستقبلًا. والسلاح وحده لا يمكنه إنقاذ الدولة، والسلام لن يتحقق إلّا بالمواطنة، وبناء الدولة يقتضي التخلص من ازدواجية امتلاك السلاح واستخدامه.

شعبان: لا حل عسكرياً في اليمن وانهيار إيران سيترك فراغاً خطيراً في المنطقة

  • وماذا عن اليمن؟ الأزمة مركّبة

‏كتبتُ في بداية الأزمة العام 2015 مقالةً بعنوان "اليمن هذه البئر المخيفة"، ولم يكن أحد يتصوّر أنها ستستمر طيلة الفترة المنصرمة. وحتى اليوم لا يوجد في المدى المنظور أية حلول ممكنة وعملية لوضع حدّ لها. لقد أصبحت الأزمة مركبة وأكثر تعقيدًا من قبل، ليس بسبب الانقسام الداخلي والاحتراب الأهلي، بل بسبب التدخّلات الدولية بأنواعها الإقليمية والعربية، والتنافس على الموقع الجيوسياسي البالغ الأهمية لليمن. إن تصاعد القتال الحالي (أوائل أيلول / سبتمبر الجاري 2026) بين قوات الحوثيين والقوات الحكومية يهدّد بشكل كبير الهدنة التي بدأت في العام 2022.

سيطرة الحوثيين على صنعاء
حوثيون يرددون الشعارات عند دخولهم صنعاء

لقد أصبحت اليمن بدعم إيران للحوثيين سياسيًا وعسكريًا، جزءًا من منظومة الصراع الإقليمي الدولي في البحر الأحمر وباب المندب، الأمر الذي عاظم القلق بشأن مستقبلها، وخصوصًا من جانب المملكة العربية السعودية التي قادت "عاصفة الحزم" من زاوية الدفاع عن أمنها القومي لمنع قيام نظام تعتبره معاديًا على حدودها الجنوبية، ولكنها لم تتمكّن، على الرغم من مرور عقد ونيّف من الزمن من حسمه، واستمرت الحرب، وتظهر الأيام استحالة الحل العسكري، الأمر الذي يجعل التفاوض ضرورةً لا خيارًا، ولا حل دولي أو إقليمي دون تفاهم مع السعودية كذلك.

وقد لعبت دولة الإمارات العربية المتّحدة دورًا عسكريًا وسياسيًا من داخل المعسكر المعادي للحوثيين، ودعمت قوى جنوبية ذات أجندات مختلفة عن أجندة الحكومة المركزية التي تسمى "الشرعية"، وهكذا لم يعد الصراع يمنيًا، بل إقليميًا ودوليًا يتعلق بالدولة ومستقبلها.

‏إن ضعف الدولة وتفكّكها وصراع القوى بعد تغيير الرئيس علي عبدالله صالح، فتح الباب أمام التدخل الخارجي الذي راهنت عليه القوى المختلفة، كلّ منها اقترب من جهة ليتمكن من الاستقواء على خصمه، الذي يعتمد هو الآخر على جهة أخرى. ولم يكن اليمنيون وحدهم من ساهم في صنع الأزمة، بل إنها صُنعت إقليميًا ودوليًا، وازدادت الأزمة الداخلية تعمّقًا، وأخذت بعدًا متعدّد الزوايا والمشاريع والمصالح المعلنة والمستترة، وبعضها مريبًا ومشبوهًا، حتى إن تغلّف بالمساعدة والحرص.

علي عبدالله صالح
علي عبدالله صالح

‏ ويبدو أن النصر العسكري لأي من الفرقاء الداخليين والإقليميين غير ممكن حتى الآن، الأمر الذي يحتاج إلى تفاهمات يمنية، واستعادة القرار الوطني لبناء دولة تتّسع للشمال والجنوب، لليمن بشطريه، وأكرّر ما ظلّ الرئيس اليمني السابق علي ناصر محمد يردّده دولة بجيش واحد وحكومة واحدة وبرلمان واحد وتمثيل ديبلوماسي واحد. وهذه الدولة لابد أن تحتكر السلاح واستخدامه، كما عليها احترام التعددية والتنوع، وأن يتم سن دستور توافقي يقوم على الفيدرالية واللّامركزية لإشباع الجميع بالصلاحيات وفق مواطنة متساوية ودون تمييز ورفع الغبن الذي وقع على سكان الجنوب.

علي ناصر محمد
علي ناصر محمد

‏لابدّ إذًا من بدء حوار عقلاني يشارك فيه حكماء وقادة رأي ومثقفون لطرح برنامج على القوى المتصارعة يأخذ المبادئ في أعلاه بنظر الاعتبار، ويمكن للأمم المتحدة والدول الإقليمية أن تلعب دورًا مساعدًا فيه، خصوصًا إذا شعرت الأخيرة بتطمين مصالحها وعدم استهدافها.

مع الدولة التي تحمي المواطن

‏والسؤال المهم هو: مع أي محور يقف المثقّف العربي؟ وأقول أنا مع الدولة التي تحمي مواطنيها ولا تجعلهم وقودًا لصراعات الآخرين، والأمر ينطبق على العراق وسوريا ولبنان والسودان وليبيا واليمن والصومال وغيرها، ذلك هو الهدف الأكبر والأهم، والسلام واللّاعنف والتسامح والعدالة الانتقالية يمكن أن تكون الخريطة الواسعة لبلدان عاشت في الحروب الخارجية والنزاعات الداخلية المسلحة.

أين تقف إيران من كلّ ذلك؟

‏وعن إيران، فإن انهيار نظامها أو تفكّكه أو تفتّت الدولة سيقلّص بلا أدنى شك قدرتها على ممارسة النفوذ الإقليمي، لكن ذلك سيجعل القدح المعلّا بيد إسرائيل في المنطقة، علمًا بأن الحرب الحالية أضعفت إيران بالفعل. وأرجو ألّا يُفهم من هذا الكلام الدفاع عن تمدّد إيران بالعالم العربي، فهذا أمرٌ مرفوض وينبغي أن يوضع حدّ له، لكن ذلك شيء وانهيار الوضع في إيران شيء آخر، لأنه يمكن أن يترك تأثيراته السلبية على عموم دول المنطقة، بما فيها على حلفاء الولايات المتحدة، ومثل هذه القراءة الجيوبوليتيكية الاستراتيجية، لا بدّ أن تكون نصب أعيُن المسؤولين والحكّام العرب، إذْ لا ينبغي النظر إلى الصراعات القائمة نظرة مبتسرة وآنية، بل لا بدّ من التفكير بأبعادها المستقبلية وانعكاساتها على بلداننا وشعوبنا.

وإذا كنتُ ضدّ الحصار الدولي الذي فُرض على العراق والسودان وليبيا وسوريا واليمن وكوبا، فبالطبع أنا ضدّه على إيران أيضًا، لأنه ليست حصارًا على النظام بقدر ما هو حصار على الشعب، وهو حرب إبادة ناعمة أكثر مكرًا وإيذاءً. ومنذ تسعينيات القرن المنصرم بقيتُ أعتبر ذلك أكبر انتهاكات حقوق الإنسان على الإطلاق، والأمر ليس تبريرًا لانتهاكات هذه الأنظمة لحقوق الإنسان، بل إنه انتهاك آخر للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وخصوصًا الحق في الحياة والحق في الصحة والحق في التعليم والحق في الغذاء، ناهيك عن مضاعفة انتهاكات حقوق الإنسان وحريّاته الأساسية.

  • ‏فهل ستكون تركيا والسعودية ومصر دولًا قادرة على ملئ الفراغ الذي سيتركه غياب إيران، على افتراض انهيارها؟ وهل تستطيع هذه القوى مواجهة إسرائيل، وحتى الاتفاق الثلاثي الباكستاني السعودي التركي، فإن هدفه الدفاعي لم يقصد إسرائيل، التي لا يمكن لجم طموحها في العدوان والتوسّع، ثم هل يمكن للصين أو روسيا أن تكونا متفرجتين على وجود هذا الفراغ الاستراتيجي؟

أظنّ أن المنطقة حبلى بالكثير من التحوّلات، سواءً السريعة أو الطويلة الأمد، فكيف يمكن الحفاظ على شعوبنا ودولنا؟ أليس من الواجب التنسيق والتعاون لتجنّب إلحاق الأذى بنا، وذلك أضعف الإيمان كما يُقال.

‏ الحرب الأمريكية على إيران لا ينبغي أن تُقرأ كمواجهة أمريكية، بل إسرائيلية أيضًا ضدها باعتبارها جزءًا من الصراع الإقليمي. أعرفُ معاناة العديد من دول المنطقة العربية من التمدّد الإيراني ومحاولات تصدير الثورة، وأتفهّم مخاوفها وقلقها وأشاطرها ذلك، وقد يُرضيها أن ترى إيران صاغرةً، ولكن ماذا سيولد من رحم هذه الحرب؟ وماذا إنْ تفككّت إيران وتفتّتت وحدتها الوطنية، فلا أحد يمكنه تصوّر الشرق الاوسط في ظل هذا البركان الذي سينفجر أو الطوفان الذي سيُغرق العديد من دوله المجاورة. ولنتذكّر ما حصل في العراق عند احتلاله في العام 2003، وما يزال حتى اليوم لم يتعافَ، ناهيك عن أن المنطقة كلّها تضرّرت ودفعت أثمانًا باهظة جرّاء ذلك.

تلك هي نظرتي في السابق وقد تعمّقت بفعل التجربة ، وقد اشتدّت حساسيتي في الوقت الحاضر، وتلك هي قراءتي الجيوسياسية لمستقبل المنطقة واحتمالاتها كما أراها، إذْ لا ينبغي أن يكون الموقف، إما تأييد إيران أو السكوت عن عدوان إسرائيل، فثمة خيار ثالث وهو بناء نظام إقليمي عربي، وكنت أدعو منذ سنوات إلى ويستفاليا عربية بتأكيد احترام السيادة وعدم التدخّل وحريّة التنقّل والإقامة بينها على أساس التنسيق والتعاون والمصالح المشتركة، كما أدعو إلى إقامة نظام إقليمي جديد، وأعني به ويستفاليا مشرقية يضم الأمم الأربعة: الترك والفرس والكرد والعرب، يأخذ المبادئ في أعلاه بنظر الاعتبار على أساس احترام حق تقرير المصير وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مع مراعاة المصالح الوطنية بحيث تكون فيه دول المنطقة وأممها صاحبه القرار بمصائرها، وأن يعمل هذا النظام على حلّ عادل للقضية الفلسطينية على أساس حق تقرير المصير وإقامة الدولة وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين، علمًا بأن سمو الأمير الحسن بن طلال نظّم مؤتمرًا كبيرًا في عمّان (2018) بذات التوجّه تحت عنوان "أعمدة الأمّة الأربعة"، حضره مثقّفون من الترك والفرس والكرد والعرب، وانبثقت عنه لجنة متابعة للتنسيق لأنشطة أخرى.

‏إن استقلال المنطقة لا ينبغي أن يكون استبدال نفوذ بنفوذ، بل رفض الوصاية من أي كان، وتلك حكمة الزمن التي علينا أن ندركها ونتعلّمها.

الاستخفاف بالقانون الدولي

وبخصوص تغوّل الولايات المتحدة وإسرائيل على المجتمع الدولي واستخفافهما بالأمم المتحدة واستهانتهما بالمحكمة الجنائية الدولية وتوجيههما الاتهامات ضدّ المدّعي العام كريم خان بعد إصداره مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت أقول: إن ذلك تغوّل للقوة على القانون، وبالطبع من حق الولايات المتحدة وإسرائيل أن تعارضا أي قرار قضائي، لكن من غير المشروع وغير القانوني وغير العادل أن يطالبا العالم كي يكونا فوق القانون الدولي، وعلى المحكمة والعالم أجمع معاملتهما كاستثناء عن قاعدة ينبغي أن يمتثل إليها الجميع، لاسيّما الدول الضعيفة والفقيرة والنامية، إلّا هما.

مونتسكيو

‏كنت أقول لطلابي وبأسف: لقد أصبح القانون حكرًا على من يمتلك القوّة، والقوّة تستطيع تعطيل القانون، وهو ما أبديت مراجعات نظرية وعملية بشأنه لأنني درّست على مدى عقود فكرةٌ أنا مؤمن بها، سواء على الصعيد الداخلي أم الدولي، وهي التي استلهمتها من مونتسكيو صاحب كتاب "روح الشرائع"، الذي كان يردّد ينبغي أن يكون القانون مثل الموت لا يستثني أحدا.

من مرجعية دولية إلى رهينة بيد أمريكا

إن خطر الاستهانة بالقانون لا يعود ضرره على الفلسطينيين الذين يعانون الأمرين قبل عملية طوفان الأقصى (7 تشرين الأول / أكتوبر 2023) وبعده، حيث كانت إسرائيل مشروع حرب مستمرة وبؤرة عدوان مستديمة منذ تأسيسها في العام 1948 لغاية اليوم، بل إن الخطر يقع على النظام الدولي برمّته، حيث تحوّلت الأمم المتحدة من مرجعية دولية إلى رهينة بيد الولايات المتحدة تابعة لموازين القوى.

‏صحيح أن الأمم المتحدة ليست مؤسسة مثالية أو محايدة بصورة تامة، إلّا أنها إحدى أهم المنجزات الدولية على الصعيد المؤسسي، تلك التي عرفها العالم بعد الحرب العالمية الثانية، وإذا كانت قد فشلت في وضع حدّ للنزاعات والحروب على الصعيد الدولي والإقليمي في فترة الحرب الباردة وما بعدها، فإنها في مجالات أخرى أسهمت، وإن بحدود، إيجابيًا في قضايا العلوم والتكنولوجيا والصحة والبيئة والزراعة والمناخ والتصحّر والتعليم والثقافة والآداب والفنون وغيرها.

المنطقة المحرّمة

‏لعلّ الاستخفاف بقرارات الأمم المتحدة وتعطيلها بصورة منهجية يعني إضعاف دور المرجعية الدولية لحساب منطق القوة، وهو ما حاول الرئيس دونالد ترامب عمله منذ تولّيه دست الحكم في البيت الأبيض، حيث انسحب من عشرات المنظمات الدولية، وحاول إيجاد مراكز قوى بديلة عن الأمم المتحدة ودورها (مجلس السلم لإعادة إعمار غزّة نموذجًا)، ولكون واشنطن القوّة الأبرز في النظام الدولي القائم، فإن بإمكانها إبطال قراراتها وتعطيل عملها باستخدام نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري بحيث تكيّف النظام الدولي لصالحها وفقًا للانتقائية في التطبيق.

وهكذا تقوم بعملية قرصنة لاعتقال مادورو رئيس فنزويلا وتنقله إلى الولايات المتحدة وتفرض شروطها النفطية على حكومتها، كما تطالب بضمّ جزيرة غرينلاند وكندا وتقرّر اعتبار مضيق هرمز أرضًا أمريكية، وكلّ ذلك تدمغه بتوقيع القانون الدولي.

‏وكنتُ قد كتبت مقالة بعنوان "أمريكا والمحكمة الجنائية - الجاني يعاقب القاضي" تناولت فيها العقوبات التي وضعتها واشنطن على كريم خان، فالمحكمة الجنائية الدولية أنشئت في روما العام 1998 ودخلت حيّز التنفيذ في العام 2002، لكي تفصل في الجرائم الدولية الكبرى، التي لا ينبغي أن يفلت فيها الجناة من العقاب لقيامهم بارتكابات جسيمة بسبب الحصانة السياسية أو نفوذ الدولة.

‏وعندما طلب خان مذكراتي توقيف بحق نتنياهو وغالانت دخل مباشرة إلى المنطقة المحرّمة، فهو يتهم إسرائيل حليفة الولايات المتحدة، وهذه الأخيرة مثلت غطاءً على عدوانها على غزة، وكان الرئيس ترامب هو من نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلّة في ولايته الأولى واعتبرها عاصمة لإسرائيل، التي ما تزال تواصل عمليات الاستيطان بالضفة الغربية، والتي ارتفعت وتيرتها على نحو محموم بعد اتفاقية أوسلو العام 1993.

لقد تحركت الآلة الدعائية والعقابية الأمريكية باتهام خان وممارسة ضغوط عديدة عليه بالتواطؤ مع إسرائيل، ودخلت بريطانيا على الخط أيضًا، فهو يحمل جنسيتها، والمسألة بتقديري أكبر من كريم خان، والسؤال المهم: هل تستطيع العدالة الدولية والمحكمة الجنائية الاقتراب من الدول العظمى، ولاسيّما المتنفذة، أم أنها تظل محكمة للفقراء والضعفاء؟

وبغض النظر عن الاتهامات، سواء بالتحرش الجنسي أو ببعض المخالفات، فإن توقيتها وسياقها السياسي، ثم العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على المحكمة، بما فيها ما يتعلّق بالمحكمة وبعض أعضائها وموظفيها، كلّها تؤكد أن الإدارة الأمريكية تريد فرض إرادتها على المحكمة، التي ينبغي أن تتصرّف بما تراه هي لا كما تقرّره علوم القانون، ولا سيّما القانون الجنائي الدولي.

‏الخطر في السلوك الأمريكي هو تحويل الضحية إلى متهَم والقاضي إلى مرتكب، والمشكلة ليست في أن يحاسَب كريم خان، إن ثبتت عليه مخالفات، وإنما أن تحوّل محاسبته إلى وسيلة لإسكات المحكمة التي تجرأت على الاقتراب من منطقة محظورة على العدالة الدولية الوصول إليها، وذلك هو الفارق بين المساءلة القانونية والتوظيف السياسي للمساءلة. وقد كتبت مقالة بعنوان " كريم خان والخطوط الحمراء" (القدس العربي، 30 تموز / يوليو 2026)، لكشف ملابسات هذه القضيّة.

‏الأزمة في النظام الدولي هي أزمة شرعية سياسية وأزمة مشروعية قانونية وأزمة عدالة وأزمة مؤسسات وأزمة ثقة.

إسرائيل والأمم المتحدة

لقد ظلّت إسرائيل تمتنع عن تطبيق قرارات الأمم المتحدة بما فيها الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة طبقًا للقرارين 242 لعام 1967 و338 لعام 1973 والقرار 425 الخاص بلبنان لعام 1978 وقرا بطلان ضم القدس لعام 1980 وقرار عدم شرعية ضم الجولان لعام 1981، ولكن الأخطر من ذلك هو تهديدها والولايات المتحدة المحكمة الجنائية الدولية وممارستهما الضغوط عليها لمنعها من القيام بمهماتها، فما الذي تبقّى من النظام القانوني الدولي ومن هيئة الأمم المتحدة؟ أليس ذلك رسالة إلى العالم الثالث بعدم المساواة بين الدول، وأن العدالة هي الأخرى ستكون غير متكافئة، خصوصًا حين يتم فرض الحصانة ومنع توقيف المتهمين ارتباطًا بمنطق القوة.

‏الموضوع يثير أسئلة جديدة بخصوص فلسفة القانون وفلسفة العدالة الدولية وفلسفة حقوق الإنسان، فهل هذه الحقوق كونية حقًا وفعلًا، أم أنها تتحول إلى امتياز جغرافي وسياسي تمنحه وتمنعه القوة لمن تريد؟ وذلك عودة إلى القانون الدولي التقليدي الذي كان مقتصرًا على أوروبا، والذي يجيز "الحق في الحرب" والاستيلاء على الأراضي بالقوّة كمكاسب حربية، وهذه كلّها بما فيها حق استخدام القوّة في العلاقات الدولية أصبحت محرّمة في القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، إلّا بالدفاع عن النفس ومن أجل التحرّر الوطني (المادة 55 من الميثاق).

‏وفي كتابي الموسوم "الإنسان هو الأصل" الذي صدر في العام 2002 عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان قلت: إن الأصل القومي أو الديني أو موقع الدولة أو قوتها ليس هو ما يحّدد الحماية التي يتمتّع بها الإنسان، بل المعايير التي تم اعتمادها في المواثيق والعهود والاتفاقيات الدولية، وهذه ينبغي أن تكون عامة وشاملة وتنطبق على الجميع.

مذكرة التوقيف نافذة

‏لقد صعّدت الولايات المتحدة من عقوباتها على المحكمة وطالت في آب / أغسطس المنصرم رئيسة المحكمة السابقة توموكو أكاني بما ينتهك مبدأ استقلال القضاء ونزاهته، وعلى الرغم من إزاحة كريم خان فإن مذكرات التوقيف لا تسقط تلقائيًا، لأنها صدرت عن الدائرة التمهيدية للمحكمة، وليس عن المدعي العام وحده، وإذا تمكّنت الولايات المتحدة وإسرائيل من الإطاحة بالقاضي فإن استقلال القضاء الدولي يصبح وهمًا، والهدف هو إسكات المحكمة ورضوخها لمنطق القوّة.

توموكو أكاني
توموكو أكاني

إن إسرائيل لا تريد الانتصار في الحرب فحسب، بل تريد إعادة تعريف قواعد الحرب، فالدفاع عن النفس يصبح إرهابًا، والعدوان يسمّى "دفاعًا عن النفس"، والجريمة الدولية تعتَبر مجرد "استخدام للقوة"، وقرارات المحكمة الدولية "سياسية" و"منحازة"، والقضاة "متهمون ومشبوهون"، وذلك ما تريد استكماله بعد النصر العسكري، ولعلّها انتصارات أشدّ عارًا من الهزيمة.

‏تريد الولايات المتحدة ومعها إسرائيل أن تقول نحن من يحدّد متى يصبح استخدام القوة مشروعًا؟ ومن هو الإرهابي؟ وما هو مفهوم الدفاع عن النفس؟ وتزعم تل أبيب أن استهدافها "للأونوروا" (وكالة غوث اللّاجئين)، كان بسبب انحيازها للفلسطينيين، والأكثر من ذلك استمرارها بالعبث بمصير الشعب الفلسطيني في غزّة والقطاع، واستباحة جنوب لبنان، وانتهاك الأراضي السورية، تدرجه في خانة "فرض الأمن وتحقيق السلام وسياسة الأمر الواقع" بالاستسلام، ثم ترفض أن يحاسبها أحد. إنها تصنع قواعد جديدة للقانون الدولي وتطلب من الجميع الامتثال إليها، وخصوصًا الضحايا.

مستويات الصراع

‏أما الموضوع الإيراني ففيه ثلاث مستويات للصراع:

‏ أولها - الأمن الإسرائيلي، فإسرائيل تزعم أن استمرار النظام الإيراني خطر عليها، لذلك تريد تحجيم مصادر قوته إن لم تتمكن من إزاحته.

‏وثانيها - المشروع الأمريكي للشرق الاوسط الجديد أو الكبير أو الخاضع للنفود الأمريكي كليًا، وذلك بمنع أي قوة إقليمية من أن تكون قادرة على تحدي النظام الإقليمي الذي تقوده واشنطن (إسرائيل حليفة له)، ولذلك تصرّ على إنهاء الملف النووي الإيراني ومنع إيران من الوصول إلى تخصيب كمية من اليورانيوم تمكّنها صناعة القنبلة النووية. وتتفّق دول الخليج العربي، بل والعديد من الدول العربية على ذلك.

إيران وإسرائيل وامريكا
إيران وإسرائيل وامريكا

‏وثالثها - إعادة توزيع موازين القوى، بحيث تصبح إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن والخليج العربي أجزاء متّصلة لنسيج واحد بحياكة أمريكية، وقد دخل هنا عنصر جديد دفع الولايات المتحدة إلى المزيد من الضغط والتشدّد إزاء إيران وهو مضيق هرمز، وقد تابعنا خلال الأسابيع المنصرمة الكر والفر في سياسات واشنطن والحرب والمفاوضات والتصعيد والتخفيض في اللغة الدبلوماسية، وبالمقابل فالتوجّه الإيراني لا يقل مكرًا وإصرارًا على المواصلة، خصوصًا بعد أن تعرّض إلى ضربات عديدة في الكثير من المواقع، ولاسّيما لبعض أذرعه، لكن إيران هاجمت دولًا عربية عديدة، وألحقت بها أضرارًا بالغة بما فيها حياة السكّان المدنيين لكونها، كما برّرت وجود قواعد أمريكية فيها. وهذا سيكون أثره المستقبلي سلبيًا على العلاقات العربية – الإيرانية.

‏ربما لا ترغب واشنطن الآن في تفكيك إيران أو الإطاحة بنظامها وتركها عرضة للفوضى، بل تريدها ضعيفة وخاضعة، وهي تقول إن ذلك يوفر الاستقرار للمنطقة وتنسى أن سبب الحروب والأزمات والتوترات هي إسرائيل طيلة العقود المنصرمة.

معادلة جديدة

‏هكذا تريد واشنطن معادلة جديدة مفادها: الولايات المتحدة الأكثر نفوذًا وإيران أضعف وإسرائيل أقوى ونظام إقليمي بقيادتها يتجه إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، لإدماجها فيما يسمى بالأمن الإقليمي، حيث تكون إسرائيل مهيمنة، خصوصًا حين تصبح مثل بقية دول المنطقة، لكنها أقوى عسكريًا وعلميًا وتكنولوجيًا ومدعومة من الغرب، ولاسيّما من الولايات المتحدة.

‏إن رفض الهيمنة الأمريكية - الإسرائيلية لا يعني منح إيران أو أية قوة إقليمية أخرى صك براءة، فإيران لها مصالحها ولها امتداداتها الإقليمية كما لها حساباتها الجيوبوليتيكية، وعلى شعوب المنطقة، ولاسيّما العربية، أن تأخذ مصالحها وحساباتها وامتداداتها بنظر الاعتبار وعليها التقارب من بعضها، مثلما ينبغي أن تدرك من التجربة التاريخية أن المنطقة لن تتعافى أو تهدأ أو يخف التوتر فيها دون تلبية حقوق الشعب العربي الفلسطيني، واحترام سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وأن لا يكون العراق وسوريا ساحتين لحروب الآخرين، فضلًا عن التطلّع إلى خليج عربي آمن ومنسجم مع محيطه العربي والإقليمي.

‏إن أخطر ما تكشفه المواجهة الراهنة ليس حجم القوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، بل محاولة تحويل القوة إلى معيار للشرعية، والأخيرة إلى امتياز حصري للأقوياء.