عبده الحودي.. حين يقترن الأدب بالآداب وتسمو الرزانة على المشهد الثقافي..
يقول الحديث الشريف: «كل امرئ ميسر لما خلق له». ونحن إذ نشهد في حياتنا نماذج مؤهلة ذاتيا، تمتلك من الكفاءة والكاريزما ما يؤهلها، عن جدارة، للإدارة وتحمل المسؤولية، فإن الأمر لا يتصل بالتأهيل العلمي وحده، بقدر ما يرتبط بما يتحلى به الإنسان من أدب والتزام قيمي، يجعله ينظر إلى الوظيفة العامة باعتبارها تكليفا لا تشريفا، ومسؤولية لا وجاهة.

ولعل الأستاذ عبده علي الحودي، مدير عام مكتبة البردوني العامة، ورئيس فرع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين فرع ذمار، واحد من تلك النماذج الميسرة لإدارة المؤسستين بكفاءة عالية وأخلاق نادرة.
يغلب على شخصه سمت الأدب الجم، وعلى طبعه الهدوء والرزانة؛ أدب أصيل المنبت، يظهر في كل تعاملاته مع الآخرين، ليؤكد أن الأدب ليس تصنعا عابرا، وإنما سلوك متجذر، وطبع إنساني راسخ، ورثه من أسرة علم وصلاح. أما رزانته وهدوء طبعه، فيتجليان في مختلف مثاقفاته وعلاقاته، ويعكسان مدنيته وحسن تربيته.
لا يشاحن لمجرد الاختلاف في الرأي، بقدر ما يحاور ويحترم الرأي الآخر، ولا ينابذ عند احتدام السياسة وتعصباتها، بقدر ما يتأمل ويشاهد بصمت وأدب، ولا يتعصب مناطقيا أو شلليا، بقدر ما يتسع انتماؤه وطنيا.
يحترم الأدباء والكتاب، أيا كان طيفهم أو اتجاههم، ويتعامل معهم برقي ومسؤولية، بل يحترم كل مواطن يمني نزيه وشريف، ولا يمكن أن يتعالى على أحد، أو يجعل من موقعه الوظيفي سلطة فوق الناس.
وإنسان طبعه الأدب، وجبلته الرزانة والمدنية، لجدير بالتقدير والاحترام؛ لأنه يقدم في سلوكه اليومي صورة للمثقف الذي لا يحتاج إلى الادعاء حتى يثبت حضوره، ولا إلى رفع صوته حتى يفرض احترامه.
نال الأستاذ عبده الحودي شهادة البكالوريوس في التربية، تخصص تاريخ، وهو أديب وكاتب وناشط مهتم بالشأن الثقافي العام.
ومنذ التحاقه بالعمل الرسمي موظفا في الهيئة العامة للكتاب، دار الكتب العامة بصنعاء، عام 1992م، ثم صدور قرار تعيينه مديرا عاما لمكتبة البردوني العامة بمحافظة ذمار عام 1999م، وانتخابه رئيسا لفرع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بذمار، ظل يعمل في الحقل الثقافي والأدبي، مؤمنا بأن الثقافة والكتاب والمكتبة ليست ترفا اجتماعيا، وإنما بوابة للوعي وبناء الإنسان والمواطن الصالح للعيش والتعايش في وطن يتسع للجميع.
وكم يبدي سعادته بالعمل في مجال الثقافة، وتعزيز حضور المشهد الثقافي العام، والمساهمة المتواضعة في خلق تقارب حضاري مع الآخر، يعود بالخير على اليمن والإنسانية، حسب تعبيره، مستفيدا مما تختزنه الثقافة من قيم وأخلاق ومثل إنسانية نبيلة.
وهو، في ذلك، يستحضر الدور الطليعي للمثقفين اليمنيين الرواد في البحث عن حلول لقضايا الوطن في مختلف المحطات واللحظات الحرجة والمراحل العميقة التي مر بها؛ باعتبارهم صفوة المجتمع، وحين كان على المثقف أن يكون في عين العاصفة، لا يهادن في القيام بدوره الحقيقي، بوصفه شريكا فاعلا في عملية الوعي والبناء والتغيير.
يرى الحودي أن غياب صوت المثقف السياسي كثيرا ما يكون مرتبطا بالحالة السياسية القائمة، حين يتراجع دوره لحساب قطاعات أخرى في المجتمع، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف الحلول والمعالجات لمختلف التحديات التي تواجه الوطن.
فالسياسي، من وجهة نظره، يحتاج إلى أن يفسح المجال أمام المثقف لإبراز دوره وإيصال أفكاره وآرائه، وإلا وجد المثقف نفسه منطويا على ذاته وهمومه، ومنعزلا عن ساحة الفعل الثقافي الحقيقي، ومختارا، اضطرارا، موقف المراقب أو المتفرج غير الفعال، حين يصبح من الصعب، أو من المستحيل، أن يدلي بدلوه، أو يطرح رأيه في تصحيح الأخطاء وتوضيح المسارات.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الكبرى في العلاقة بين الثقافة والسياسة: فحين ينكمش المثقف عن المجال العام، لا يخسر الثقافة وحدها، وإنما تخسر السياسة أيضا جزءا من قدرتها على إنتاج الرؤية، وتفقد الدولة والمجتمع أحد أهم مصادر النقد والمراجعة وإعادة التفكير.
وفيما يتعلق بالسياسة، يعرفها الأستاذ عبده الحودي بأنها «فن إدارة شؤون الناس»، أما الحزبية فيراها أداة من أدوات العمل السياسي، ومتى التزمت الأحزاب بالمصلحة العامة للوطن، فإنها تتحول إلى مشروع وطني جامع يخدم اليمن واليمنيين جميعا.
وهو تعريف يكشف عن نظرته إلى السياسة بوصفها مسؤولية اجتماعية قبل أن تكون منافسة حزبية، ووسيلة لإدارة الاختلاف لا لإنتاج القطيعة.
ويقرأ الحودي مستقبل اليمن الثقافي والسياسي باعتباره مرهونا، أولا، بقدرة أطراف الصراع الراهن على إصلاح النفوس؛ فإذا صلحت النفوس، أمكن أن يكون ذلك مدخلا إلى تغليب لغة الحوار والعقل على أي لغة أخرى.
ويرى أن المثقفين والسياسيين اليمنيين جميعا في حاجة إلى تعزيز العلاقة بينهم، وإلى الموقف الجريء في المراجعة؛ مراجعة أوضاع الوطن والأمة وما وصلت إليه بعد سنوات الصراع، وصولا إلى إحداث متغير تاريخي يرتبط بمتغير ثقافي، يلتقيان عند نقطة أساسية ترسم صورة الغد، وتحدد معالم تصحيح مسار الوحدة، وتؤسس للعدالة والمواطنة.
وفي الجانب الثقافي، يترك الحودي دائما فسحة للتفاؤل، وفسحة للأمل؛ فاليمن، في نظره، بلد عميق الجذور، ويمكن، في اللحظة التي تتصالح فيها النخب السياسية المتصارعة، أن يعود موحدا، متصالحا مع نخبه، ومع ذاته، ومع تاريخه.
أما التاريخ، من وجهة نظره، فلا يعيد نفسه بحذافيره، لكنه يعيد أنماطه ودروسه. ومن يقرأ التاريخ ليتعلم ويتجنب أخطاء الماضي، يمكنه أن يحدث متغيرا إيجابيا في مساره، وأن يجعل من يدرك دروسه أكثر قدرة على الاندماج في سياقه، المرتبط بما سبقه من تحولات في المسار الثقافي.
ومن هنا تأتي أهمية المشاركة الفاعلة للسياسي والثقافي والاجتماعي في صناعة الفضاء العام، والمساهمة في عملية البناء والتنمية المستدامة. والعكس صحيح؛ فعندما يتحرك التاريخ لإعادة إنتاج نفسه أو تكرار أنماطه، فإنه لا يستطيع إحداث متغير تاريخي حقيقي، ما لم تتوافر شروط التحول الأساسية.
ولعل أجمل ما في تجربة عبده الحودي أن الأدب عنده لا يقف عند حدود الكتابة، ولا ينحصر في إنتاج النصوص، وإنما يتحول إلى سلوك في الحياة؛ فالهدوء أدب، واحترام الآخر أدب، والابتعاد عن التعصب أدب، والتواضع أمام الناس أدب، وتحمل المسؤولية بأخلاقها قبل امتيازاتها أدب أيضا.
ولهذا يبدو اقتران «الأدب» بـ«الآداب» في شخصيته أكثر من مجرد تجانس لفظي؛ فالأدب الذي يمارسه ككاتب ومثقف، تقابله آداب يمارسها في علاقاته وتعاملاته وموقعه العام.
ومن هنا أيضا تأتي أهمية وجود مثل هذه النماذج في المشهد الثقافي؛ إذ ليست الثقافة مجرد تراكم معرفي، ولا المثقف مجرد صاحب قلم، وإنما الثقافة، في أحد أعمق معانيها، طريقة في النظر إلى الإنسان والاختلاف والمجتمع والوطن.
ويخلص الأستاذ عبده الحودي إلى أن أهم ما نحتاجه اليوم هو أن يدرك السياسي أهمية الاهتمام بالثقافة ودور المثقف، وضرورة إعادة بناء مفردات العلاقة وفق نسق وطني جامع، تتماهى فيه المنظومة الثقافية والسياسية والاجتماعية، القادرة على خلق واقع جديد أكثر تصالحا وتعايشا.
وهكذا فإن الأستاذ عبده الحودي، بأدبه الجم، وثقافته المدنية، وأفقه الفكري المتسامح والمستنير، يقدم نموذجا للمثقف الذي تتسق فيه الفكرة مع السلوك، والمعرفة مع الأخلاق، والموقع الوظيفي مع المسؤولية.
إنه رجل ينتمي إلى الثقافة لا بوصفها وظيفة فحسب، وإنما باعتبارها رسالة؛ وإلى الأدب لا بوصفه كتابة فقط، وإنما باعتباره سلوكا؛ وإلى العمل العام لا بوصفه وجاهة، وإنما باعتباره تكليفا ومسؤولية.
ولذلك يغدو حضوره في قيادة فرع اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بذمار امتدادا طبيعيا لتجربة ثقافية طويلة، كما يمثل، في الوقت ذاته، صورة للمثقف العضوي الملتزم بقضايا وهموم الوطن، والمؤمن بأن الكلمة، حين تتحرر من التعصب وتستند إلى العقل والقيم، يمكن أن تكون جسرا بين المختلفين، ومساحة للالتقاء في وطن أنهكته القطيعة والصراع.



