الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • البروفيسور عبده عثمان غالب الصالحي القدسي.. سادن التاريخ ونبض الحجر وسيرة الأثر

البروفيسور عبده عثمان غالب الصالحي القدسي.. سادن التاريخ ونبض الحجر وسيرة الأثر

البروفيسور عبده عثمان غالب الصالحي القدسي.. سادن التاريخ ونبض الحجر وسيرة الأثر

ثمة رجال لا يرحلون، بل ينبتون في تفاصيل الأرض كأشجار السدر العتيقة، ويتغلغلون في مسامات التاريخ كأسرار الحضارات التي أفنوا العمر في استنطاقها. من قلب الحجرية الشامخة، ومن سفوح قدس المواسط التي تتنفس عزة وأنفة، بزغ نجم سطع في سماء العلم الكوني، لينفض الغبار عن أمجاد سبأ وقتبان، ويعيد لليمن السعيد صوته الهادر في محافل التاريخ. إنه الراحل الباقي، والبروفيسور الخالد، والأكاديمي الجسور الأستاذ الدكتور عبده عثمان غالب حسن الصالحي القدسي. رجل لم يكن مجرد باحث يقتفي أثر الماضي، بل كان روحا وطنية سامية، وقلبا نابضا بالحب، وجسر نور عبر فوقه آلاف الطلاب نحو مدارج التميز واليقين.

شجرة المجد وأصلاب النضال:

ولد الفقيد الكبير في عام 1950م في قرية صبن قدس بمحافظة تعز، حيث الروافد الشاهقة وحيث تصنع الأرض رجالها من صخر وطهر. نشأ في كنف أسرة "الصالحي" العريقة، تلك الدوحة التي ما فتئت تثمر أبطالا وقادة يحرسون حياض الوطن؛ ومنها الشقيقان القائدان الأمنيان والعسكريان البارزان: العميد جميل الصالحي مدير البحث الجنائي بمحافظة تعز، والعميد عبدالخبير الصالحي.. رمزان من رموز الفداء والعطاء، يكملان برباطة جأشهما ما بناه ابن عمهما الراحل بفكره وعلمه.
اثناء المشاركة في فعالية أكاديمية
اثناء المشاركة في فعالية أكاديمية
لقد ارتوى بوعيه الباكر من ينابيع النضال الوطني حين انتقل من كتاتيب القرية إلى مدينة تعز ودرس في مدرسة الثورة الثانوية العريقة (دفعة 1971/1972م)، مستظلا بمنزل خاله المناضل الفذ الراحل عبدالرب سفيان القدسي؛ ذلك البيت (الكائن في الضبوعة) الذي كان قبلة ومحجا لرجال الفكر والثورة. هناك، امتزجت في روحه قيم حزب العمل وحزب الوحدة الشعبية، فصار نضاله علما، وصار بحثه الأثري جهادا في سبيل إثبات الهوية وإعلاء شأن التراب اليمني.

رحلة العقل.. من تعز إلى بنسلفانيا:

لم تكن طموحات الفتى القدسي تحده جغرافيا، فبعد أن نال بكالوريوس الآثار القديمة من جامعة صنعاء عام 1977م، مضى يطوي الآفاق متسلحا بالعزم، فحط رحاله في الولايات المتحدة الأمريكية، لينال ماجستير الأنثربولوجيا والآثار من جامعة جريلي بكلورادو عام 1982م، ثم يتوج رحلته المعرفية بالحصول على درجة الدكتوراه في الآثار القديمة من جامعة بنسلفانيا المرموقة عام 1990م. عاد البروفيسور إلى محرابه في جامعة صنعاء، لا ليحمل لقبا، بل ليؤسس "المدرسة الآثارية اليمنية" الحديثة، ويغدو رائدها الأول الذي علم الأجيال كيف يكون التفاني والإخلاص، وكيف تبتسم الروح في وجه الصعاب، فكان لطلابه الأب الحاني، والمعلم الملهم الذي يمنح النجاح قيمته ومعناه.

سادن المعبد ومبدد الأوهام:

لقد كان الدكتور عبده عثمان غالب أحد أهم أعمدة علم الآثار في اليمن والجزيرة العربية، ومحققا بارعا في أسرار الأرض المعطاءة.
هو أول من كشف للعالم عن عبقرية اليمانيين الأوائل في هندسة الري والزراعة، ليثبت بالدليل القاطع أن هذه الأرض عرفت الزراعة منذ الألف الرابع قبل الميلاد. وحين تخرص المتخرصون بوجود "فجوة حضارية وثقافية" في تاريخ اليمن، وقف البروفيسور كالجبل الأشم، صانعا "نظرية الفجوة الحضارية" التي دحضت تلك الأباطيل، وأثبتت بالبحث الحقلي والتنقيب العلمي اتصال المجد اليمني دون انقطاع.
عبده عثمان
عبده عثمان
طوال مواسم عديدة، قاد الفقيد التنقيبات الأثرية في "معبد أوام" بمأرب التاريخية مديرا حقليا مقتدرا من عام 1997م إلى 2006م مع البعثة الأمريكية. وهناك، في أرض ملكة سبأ، تجسد فداؤه الوطني في أبهى صوره؛ إذ كان هو والبعثة هدفا لعملية إرهابية غادرة بتفجير انتحاري استهدف وجودهم وعلمهم، لكن رعاية الله ثم جسارته أبقته حارسا للتاريخ، مواصلا فك رموز الماضي، محققا أقدم نقش قتباني يعود للقرن الثالث عشر قبل الميلاد في هجر الريحاني بشبوة، وكاشفا عن ثقافة العصر البرونزي المجهولة.
وله مقالات منشورة في حسابه بالفس، وفي مدونته مقالات في الآثار اليمنية. وهو كما اسلفت
استاذ آثار اليمن والجزيرة العربية، ورائد المدرسة الآثارية اليمنية،
شارك في الكثير من الاعمال وله عشرات الأبحاث وله عدد كبير من الأبحاث باللغة الانجليزية؛ والتي لم يسعفه الوقت لترجمتها إلى اللغة العربية.
وفي مساء الجمعة الحزين، السادس والعشرين من مارس 2021م، ترجل الفارس عن صهوة عمر ناهز السبعين عاما، قضاها بين طيات الكتب وعتمة المدافن وتجاعيد النقوش، ليرحل بجسده وتبقى روحه السامحة، وابتسامته التي لا تغادر المحيا، وأبحاثه العميقة المكتوبة بمداد الذهب واللغة الإنجليزية شاهدة على عبقرية فذة لم يسعفها الوقت لترجمتها. لقد غاب البروفيسور عبده عثمان غالب، لكن معبد أوام سيبقى يذكر خطاه، وتراب اليمن سيظل يحن لأنامله التي فتشت عن مجده، وتلاميذه سيبقون الأثر الخالد لعطائه الذي لا يموت.
نم قريرا العين يا بروفيسور، فقد حفرت اسمك في صخرة الخلود، وتركت خلفك إرثا تتوارثه الأجيال وكبرياء يطاول عنان السماء.

*نقلاً عن صفحة الكاتب