المناضل الوحش الذي أرعب الأعداء فقتله الأصدقاء(3-3)

من ذاكرة البطولة إلى مسؤولية الحقيقة
بعد الحلقتين السابقتين من هذه السلسلة، اللتين تناولتا سيرة الشهيد البطل محمد مهيوب القدسي، الملقب بـ«الوحش»، وعرضتا الروايتين المتعارضتين بشأن مقتله، أجد نفسي أمام سؤال يتجاوز تفاصيل الحادثة ذاتها: هل نملك الشجاعة الكافية لمراجعة تاريخنا الجمهوري بموضوعية، والتمييز بين ما نعرفه على وجه اليقين، وما ورثناه من روايات، وما لا يزال ينتظر من يكشف حقيقته؟
إن القضية لم تعد مجرد خلاف بين روايتين عن مقتل ضابط يمني شارك في الدفاع عن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، بل أصبحت نموذجًا لمشكلة أوسع يعاني منها تاريخنا المعاصر؛ إذ لا تزال بعض الوقائع المهمة أسيرة الذاكرة الشفوية، وتضارب الشهادات، والتفسيرات السياسية التي كثيرًا ما تتأثر بانتماءات أصحابها ومواقفهم من الأشخاص والأحداث. وبين هذه الروايات تضيع أحيانًا الحقيقة، ويصبح من الصعب على الأجيال الجديدة أن تميز بين الوقائع الثابتة والاستنتاجات والاتهامات التي لم تخضع للتحقيق الكافي.
لقد تناولت في الحلقتين السابقتين ما توافر لديّ من معلومات عن حياة محمد مهيوب الوحش، منذ نشأته في أسرة فلاحية بسيطة بقرية الكدرة في مديرية المواسط بمحافظة تعز، مرورًا بانخراطه في الحركة الوطنية والتحاقه بالدفاع عن الثورة والجمهورية، وصولًا إلى بطولاته التي شهد له بها معاصرون، وفي مقدمتهم العميد الشهيد مجاهد أبو شوارب. كما عرضت رواية الصديق علي عبدالله سعيد القادري، المعروف بالضالعي، التي تختلف جوهريًا عن الرواية التي سبق أن نشرتها بشأن ظروف مقتل الوحش.
ولم يكن هدفي من نشر الروايتين الانتصار لإحداهما لمجرد أنني كتبتها سابقًا، أو رفض الأخرى لأنها تخالف ما استقر في ذاكرتي، وإنما إتاحة المجال أمام القارئ لفهم طبيعة الخلاف، ومعرفة الأسئلة التي تثيرها كل رواية، والبحث عن الأدلة التي يمكن أن تساعد على الوصول إلى الحقيقة. فالكاتب الذي يتناول التاريخ لا ينبغي أن يصبح أسيرًا لما كتب، بل عليه أن يكون مستعدًا لمراجعة موقفه كلما ظهرت معلومات جديدة، حتى لو اقتضى الأمر تصحيح ما سبق أن نشره.
بين البطولة والاتهام
إن أول ما ينبغي التأكيد عليه أن الخلاف بشأن ظروف مقتل الوحش لا يلغي ما نُقل عن شجاعته في ميادين القتال، كما أن ثبوت بطولاته لا يعفينا من فحص الروايات التي تتناول سلوكه في علاقاته مع رفاق السلاح، إن ظهرت أدلة موثوقة تستوجب ذلك. فالتاريخ ليس محكمة لتوزيع صكوك البطولة أو الخيانة وفقًا للانتماءات السياسية، وإنما هو محاولة لفهم الإنسان في سياقه التاريخي، بما له وما عليه.
لقد تضمنت رواية الصديق علي عبدالله الضالعي اتهامات خطيرة للوحش تتعلق بمقتل أفراد من العسكريين، وربطت مقتله اللاحق بمواجهة مسلحة أعقبت تلك الحوادث. وفي المقابل، تحدثت الرواية التي سبق أن نشرتها عن مطاردة وإطلاق نار من مواقع متعددة، وعن ظروف رأيت أنها تثير احتمال تعرضه لعملية اغتيال.
لكن أيًّا من الروايتين، بمجرد ورودها في شهادة شفوية أو مقال صحفي، لا يكفي وحده لإصدار حكم نهائي. فالاتهام بقتل أشخاص، مثل الاتهام بالتخطيط لاغتيال شخصية عسكرية، يحتاج إلى أدلة مستقلة، وشهادات يمكن التحقق من مصادرها، وقرائن تتماسك فيما بينها.
ولهذا فإنني لا أرى أن الإنصاف يقتضي أن نبرئ الوحش من كل ما نُسب إليه لمجرد أنه شهيد وبطل جمهوري، كما لا أرى أن من المقبول إدانته اعتمادًا على رواية واحدة لم تخضع للتحقيق. والقاعدة التي ينبغي أن تحكمنا هي أن البطولة العسكرية لا تثبت كل ما يقال عن صاحبها، كما أن الاتهام لا يتحول إلى حقيقة لمجرد أن صاحبه يروي تفاصيله بثقة.
ومن هنا تبرز أهمية العودة إلى شهود العيان الذين ما زالوا على قيد الحياة، وتحديد ما شاهدوه بأنفسهم وما نقلوه عن الآخرين، مع توثيق شهاداتهم وتاريخها وصلتهم المباشرة بالواقعة. فثمة فرق جوهري بين شاهد رأى الحادثة بعينيه، وآخر وصل إلى المكان بعد وقوعها، وثالث سمع تفاصيلها من أحد أطرافها بعد سنوات طويلة.
هل كانت الصراعات السياسية وراء مقتل الوحش؟
لا يمكن قراءة الأحداث التي أعقبت حصار صنعاء بمعزل عن الصراعات التي شهدتها المؤسسة العسكرية والجمهورية الوليدة. فقد كانت البلاد تمر بمرحلة شديدة الاضطراب، تتداخل فيها الخلافات حول القيادة العسكرية مع التنافس بين التيارات السياسية، وتتشابك فيها حسابات السلطة مع الولاءات الشخصية والتنظيمية.
وفي هذا السياق، تبرز مسألة ضم أفراد من جيش التحرير إلى وحدتي المظلات والصاعقة، وما قيل عن التوتر الذي نشأ بين بعض هؤلاء وبين عناصر عسكرية أخرى كانت موجودة في الوحدتين. وهي مسألة تستحق البحث في قرارات الضم والتعيين، وفي طبيعة العلاقات التي نشأت داخل المعسكرات، ومدى تأثير الانتماءات السياسية في تلك العلاقات.
وقد تضمنت رواية الضالعي تفسيرًا حزبيًا لهذه التوترات، إذ ربطت بين اتجاهات سياسية مختلفة وبين الخلافات التي سبقت مقتل الوحش. أما الرواية الأخرى، فقد دفعتني إلى التساؤل عما إذا كانت بعض الصراعات قد استُخدمت أو تُركت تتفاقم على نحو أفضى إلى تصفية حسابات داخل المؤسسة العسكرية.
غير أن وجود صراع سياسي، مهما كان حادًا، لا يثبت بذاته أن حادثة بعينها كانت جزءًا من خطة اغتيال. كما أن استفادة جهة ما من نتائج حادثة لا تعني بالضرورة أنها خططت لها أو أمرت بتنفيذها. وهذه تفرقة أساسية ينبغي ألا نتجاوزها إذا أردنا كتابة تاريخ منصف، لا مجرد إعادة إنتاج للخصومات التي عاشها أصحاب الأحداث.
وفي مقالي السابق أشرت إلى رسالة للقاضي عبدالرحمن الإرياني مؤرخة في 28 مارس 1972، تناولت أوضاعًا سياسية وعسكرية شديدة الحساسية، واستشهدت بما ورد فيها عن التعامل مع الصراعات بين القوى المتنافسة. وقد رأيت في مضمونها ما يستحق التأمل عند قراءة طبيعة العلاقات بين أطراف الحركة الوطنية في تلك المرحلة.
لكن الاستشهاد بهذه الرسالة يظل قرينة على السياق السياسي العام الذي ينبغي دراسته، ولا يكفي وحده لإثبات أن قيادة بعينها أصدرت أمرًا بتصفية محمد مهيوب الوحش أو غيره. فإثبات المسؤولية عن واقعة محددة يتطلب ما هو أكثر من الاستدلال العام أو الربط بين أحداث متباعدة زمنيًا.
إن الفرق بين المؤرخ والخصم السياسي أن الأول يبحث عن الدليل الذي قد يؤيد تفسيره أو ينقضه، بينما قد يكتفي الثاني بما يعزز موقفه، ويتجاهل ما يخالفه. ونحن أحوج ما نكون اليوم إلى المنهج الأول، خصوصًا حين يتعلق الأمر بدماء رجال شاركوا في تأسيس الجمهورية والدفاع عنها.
الوحش وعبدالرقيب عبدالوهاب: سؤال يتجاوز الشخصين
ومن القضايا التي أثارتها لديّ هذه المراجعة المقارنة بين مصير محمد مهيوب الوحش ومصير النقيب عبدالرقيب عبدالوهاب، بالنظر إلى ما نُقل عن مقتلهما في ظل الصراعات العسكرية والسياسية التي شهدتها تلك المرحلة.
لقد كان لكل منهما مساره العسكري وموقعه في الأحداث، كما أن ظروف مقتلهما والروايات المتعلقة بهما ليست متطابقة. ومع ذلك، فإن جمع القضيتين في إطار بحث تاريخي أوسع قد يساعد على فهم البيئة التي كانت تتحرك فيها المؤسسة العسكرية، وطبيعة الصراعات التي نشأت داخلها، ومدى قدرة مؤسسات الدولة آنذاك على التحقيق في حوادث القتل ومحاسبة المسؤولين عنها.
وقد سبق أن أشرت إلى الروايات المتعلقة بمقتل عبدالرقيب عبدالوهاب، بما فيها ما نُقل عن تعرضه للقتل والتمثيل بجثمانه، وما أثير بشأن موقف القيادات العسكرية والسياسية من الواقعة. وهذه تفاصيل ينبغي أن تُراجع في ضوء مصادرها الأصلية، لا أن تُعامل جميعها بوصفها حقائق محسومة دون فحص.
وإذا كانت بعض الوقائع المتعلقة بمقتل الرجلين قد وقعت في سياق صراعات داخل المؤسسة العسكرية، فإن ذلك يفرض سؤالًا عن مدى استقلال القرار العسكري، وعن دور القيادات في حماية الضباط والجنود من الصراعات السياسية، وعن مسؤولية الدولة في التحقيق في الجرائم التي تقع داخل مؤسساتها.
أما القول إن الرجلين كانا ضحيتين لمخطط واحد، أو إن جهة محددة كانت وراء مقتلهما معًا، فيظل استنتاجًا يحتاج إلى أدلة مستقلة تثبته. فلا ينبغي أن يتحول التشابه في الظروف أو التوقيت أو الخلفية السياسية إلى دليل قاطع على وحدة الجهة المنفذة أو وحدة القرار.
إن القيمة الحقيقية للمقارنة ليست في الوصول السريع إلى اتهام جامع، بل في فتح ملف أوسع عن علاقة السياسة بالمؤسسة العسكرية، وعن أثر الصراعات الحزبية في مصائر الرجال الذين حملوا السلاح دفاعًا عن الجمهورية، ثم وجد بعضهم أنفسهم في مواجهة خصومات داخلية لم تقل خطورة عن المعارك التي خاضوها ضد أعدائها.
أين الوثائق؟ وأين شهادات المعاصرين؟
لقد مرت عقود طويلة على تلك الأحداث، ومع ذلك لا تزال هناك معلومات يمكن أن تسهم في توضيح كثير من جوانبها، ما دام بعض المعاصرين على قيد الحياة، وما دامت هناك إمكانية للوصول إلى وثائق وسجلات قد تكون محفوظة لدى مؤسسات أو أفراد.
ومن هنا، أجدد دعوتي إلى المؤرخين والأكاديميين في الجامعات اليمنية، وإلى الباحثين في تاريخ الثورة والجمهورية، لإيلاء هذه المرحلة ما تستحقه من عناية علمية. فالتاريخ العسكري لا يُكتب من الذاكرة وحدها، ولا يكفي فيه جمع الروايات دون اختبارها، بل يحتاج إلى منهج يجمع بين الشهادات الشفوية والوثائق الرسمية والصحف المعاصرة للأحداث والمذكرات الشخصية وسجلات المستشفيات والقيادات العسكرية، متى أمكن الوصول إليها.
وأخص بالذكر ضرورة البحث عن قرارات تعيين القيادات في وحدتي المظلات والصاعقة، وسجلات حركة الضباط والجنود، وما قد يكون محفوظًا من تقارير عن حوادث إطلاق النار ومقتل الوحش. كما ينبغي البحث عن أي محاضر تحقيق أو مراسلات رسمية تتصل بالواقعة، وعن الوثائق التي يمكن أن توضح ظروف مقتل عبدالرقيب عبدالوهاب وما أعقب الحادثتين من إجراءات.
وفي هذا الإطار، سبق أن أثرت مسألة الوثائق التي قيل إنها سُلّمت إلى إدارة التوجيه المعنوي بشأن أحداث حصار السبعين، ووجهت نداءً إلى العميد علي الشاطر لتحديد مكانها، استنادًا إلى ما أخبرني به الأستاذ عبدالرحمن بجاش. وأجدد هذا النداء، لأن معرفة مكان تلك الوثائق، إن كانت لا تزال محفوظة ومتاحة للبحث، قد تفتح نافذة مهمة أمام الباحثين، وتساعد على استكمال جوانب من تاريخ تلك المرحلة.
كما أوجه دعوة إلى كل من يملك شهادة مباشرة أو وثيقة أو صورة أو رسالة ذات صلة بهذه الأحداث، ألا يحتفظ بها بعيدًا عن البحث التاريخي، بل أن يسهم في إتاحتها للباحثين وفقًا لما تسمح به الظروف. فوثيقة واحدة موثوقة قد تصحح معلومة تداولتها الأجيال، وشهادة مباشرة قد تكشف تفصيلًا غاب عن الروايات المتداولة، ومقارنة عدة مصادر قد تضع حدًا لخلاف استمر عقودًا.
ولا يعني ذلك أن كل وثيقة رسمية معصومة من الخطأ، أو أن كل شهادة شفوية صادقة بالضرورة؛ وإنما المطلوب إخضاع الجميع لمعيار واحد من الفحص والنقد والمقارنة، بعيدًا عن الحساسيات الشخصية والحزبية والمناطقية.
الإنصاف التاريخي ليس خصومة مع الأحياء ولا محاكمة للأموات
إنني، بعد إعادة عرض هذه القضية ومناقشة ما توافر لديّ من معلومات، لا أدعي امتلاك الكلمة الأخيرة في ظروف مقتل محمد مهيوب الوحش. فقد تكون هناك وثائق لم أطلع عليها، وشهادات لم تصل إليّ، وتفاصيل تحتاج إلى مراجعة. ولذلك أترك الباب مفتوحًا أمام كل من يستطيع تقديم معلومات موثوقة، سواء أكانت مؤيدة لما سبق أن نشرته أم مصححة له.
وأؤكد أنني لا أستهدف من هذه السلسلة الإساءة إلى أي شخص أو جماعة، ولا إعادة إشعال خصومات سياسية مضى عليها أكثر من نصف قرن. إنما أريد أن أقدم للقارئ صورة أقرب إلى الحقيقة، وأن أؤكد أن حق الشهداء في الإنصاف لا يتحقق بإخفاء ما يثير الأسئلة عن سيرتهم، ولا بتضخيم الاتهامات التي لم تثبت، بل بالبحث النزيه الذي يضع الوقائع أمام الناس كما تكشفها الأدلة.
لقد عرفت اليمن رجالًا قدموا تضحيات كبيرة في سبيل الثورة والجمهورية، وكان من بينهم أبطال لم ينالوا ما يستحقونه من التوثيق والدراسة، كما عرفت صراعات داخلية ألحقت الأذى برجالها ومؤسساتها. وليس من الوفاء لأولئك الأبطال أن نحولهم إلى رموز تستخدمها الأطراف المتنافسة لتصفية حساباتها، وإنما أن نضع تجاربهم في سياقها التاريخي، ونحفظ بطولاتهم، ونفحص الروايات المتعلقة بأعمالهم ومصائرهم، ونعترف بما يثبت من أخطاء دون انتقاص من تضحياتهم.
وإذا كان محمد مهيوب الوحش قد نال شهرته من شجاعته في مواجهة أعداء الجمهورية، فإن ما يستحقه اليوم هو أن تُروى سيرته كاملة، وأن تُفحص ظروف مقتله بعيدًا عن التقديس والتشويه معًا. فلا ينبغي أن تحجب شهرته العسكرية الأسئلة التاريخية المشروعة، كما لا ينبغي أن تسمح الاتهامات المتنازع عليها بمحو ما شهد به معاصروه من شجاعة وإقدام.
إن الحقيقة ليست ملكًا لعائلة الشهيد، ولا لرفاقه، ولا لخصومه، ولا للكاتب الذي تناول سيرته. إنها ملك للتاريخ وللشعب اليمني، ومن حق الأجيال القادمة أن تعرف كيف دافع آباؤها عن الجمهورية، وكيف نشأت الصراعات التي أضعفتها، ولماذا بقيت بعض القضايا دون تحقيق واضح حتى اليوم.
وفي ختام هذه السلسلة، أجدد دعوتي إلى كل من لديه معلومات موثوقة عن محمد مهيوب الوحش، أو عن ظروف مقتله، أو عن الأحداث العسكرية والسياسية المحيطة بتلك المرحلة، أن يضعها أمام الباحثين، وأن يتيح المجال لمقارنتها بما سبق نشره. وسأكون مستعدًا لمراجعة ما كتبته وتصحيح أي معلومة يتبين خطؤها، فالتراجع عن معلومة غير صحيحة فضيلة، والإصرار عليها بعد ظهور ما ينقضها هو الذي يسيء إلى الكاتب وإلى التاريخ معًا.
رحم الله الشهيد محمد مهيوب القدسي، ورحم الله النقيب عبدالرقيب عبدالوهاب، ورحم الله أبطال ثورتي السادس والعشرين من سبتمبر والرابع عشر من أكتوبر، وكل من ضحوا بأرواحهم من أجل حرية اليمن وكرامة أبنائه.
فالأبطال لا ينصفهم المديح وحده، ولا تحفظ تضحياتهم الروايات المغلقة؛ وإنما ينصفهم تاريخ شجاع، لا يخشى السؤال، ولا يصادر الشهادة، ولا يحكم إلا بما يسنده الدليل.



