الإثنين 19 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • المناضل محمد مهيوب الوحش الذي أرعب الأعداء فقتله الأصدقاء(3-2)

المناضل محمد مهيوب الوحش الذي أرعب الأعداء فقتله الأصدقاء(3-2)

المناضل محمد مهيوب الوحش الذي أرعب الأعداء فقتله الأصدقاء(3-2)

من قتل الوحش؟ بين رواية المواجهة ورواية الاغتيال

إن التناقض بين الروايتين لا يتعلق بتفصيل صغير في حادثة مقتل محمد مهيوب الوحش، بل يتعلق بطبيعة الواقعة كلها: هل كان مقتله نتيجة مواجهة مسلحة، أم كان ضحية عملية اغتيال منظمة في سياق صراع داخل المؤسسة العسكرية؟
ولا يمكن الإجابة على هذا السؤال بالاعتماد على رواية واحدة، مهما كانت مكانة صاحبها، وإنما يتطلب الأمر فحص الشهادات، وتحديد مواقع الحادثة، ومراجعة السجلات العسكرية والطبية، والاستماع إلى شهود العيان.

نقاط الاتفاق والاختلاف

تتفق الروايتان، كما وردتا إليّ، على أن مقتل الوحش وقع في محيط ميدان التحرير، وأن أفرادًا من العسكريين كانوا حاضرين في المكان، وأن إطلاق النار أدى إلى مقتله.
لكن الاختلاف يبدأ في تحديد هوية الأشخاص المشاركين، وتسلسل الأحداث، وما إذا كانت الواقعة قد بدأت باعتداء من الوحش على أفراد آخرين، أم كانت جزءًا من كمين أُعد له.
وتذكر رواية الضالعي أن الجندي جمال العدني أطلق النار على الوحش بعد مقتل زميله همام العزيق، ثم فر من المكان. بينما تشير الرواية الأخرى إلى وجود مجموعات مسلحة في مواقع متعددة، وإلى إطلاق نار من أسطح المباني، وإلى إصابة الوحش برصاصة في مؤخرة الرأس.
وهنا تبرز أسئلة لا يمكن تجاوزها:
إذا كان جمال العدني قد أطلق النار على الوحش ثم فر سيرًا على الأقدام، فلماذا لم تتم ملاحقته من قبل مرافقي الوحش، خصوصًا أن السيارة كانت متاحة لهم؟
وإذا كانت الواقعة مجرد مواجهة فردية، فما تفسير الرواية التي تتحدث عن إطلاق نار من عدة مبانٍ ومواقع؟
وإذا كانت هناك مجموعة مسلحة نفذت كمينًا، فمن الذي أصدر الأمر؟ ومن كان يقود المجموعة؟ وهل توجد سجلات عسكرية أو شهادات مباشرة تثبت ذلك؟
هذه الأسئلة لا تثبت وحدها صحة رواية دون أخرى، لكنها تكشف أن الواقعة تحتاج إلى تحقيق أكثر تفصيلًا مما تسمح به الروايات المختصرة.

موقع الحادثة وأهمية شهادة الشهود

من النقاط التي أرى أنها تستحق المراجعة، تحديد موقع مقتل الوحش.
فقد ورد في رواية الضالعي أن الحادثة وقعت أمام عمارة الغراسي، بينما تشير الرواية الأخرى إلى موقع بالقرب من مدخل شارع 26 سبتمبر، قرب مطعم التيسير وخلف عمارة الوتاري.
وقد ذكر لي الدكتور سيلان العبيدي، بحسب ما ورد في مادتي السابقة، أنه كان حاضرًا في الموقف، وأن إطلاق النار حدث من أكثر من مبنى، من بينها عمارة علي جبران العنسي، وعمارة الوتاري، والعمارة المجاورة لها.
وإذا أمكن الوصول إلى شهود آخرين كانوا موجودين في المكان، فقد يكون من الممكن إعادة بناء المشهد بصورة أدق، خصوصًا إذا أمكن تحديد المباني التي كانت قائمة آنذاك، ومواقع الممرات والشوارع، واتجاهات إطلاق النار.
فالموقع الجغرافي ليس تفصيلًا ثانويًا في مثل هذه الوقائع؛ إذ قد يساعد في اختبار بعض الروايات، وتحديد مدى إمكانية حدوثها بالطريقة التي وُصفت بها.

هل كان الوحش مستهدفًا قبل مقتله؟

تتضمن الشهادات التي نقلتها في مقالي السابق معلومات عن تعرض الوحش لأكثر من محاولة اغتيال، داخل معسكر المظلات وخارجه.
وتذكر إحدى الروايات أنه لجأ إلى زميله فؤاد العبسي، قائد موقع المظلات في جبل نقم، وأقام عنده نحو أسبوع، بعد تعرضه لمخاطر وملاحقات.
كما تتحدث رواية أخرى عن حدوث عصيان داخل معسكر المظلات، عقب قرار تعيين قائد جديد لم يكن مرغوبًا فيه لدى بعض الجنود والضباط، وأن مطالب المحتجين تضمنت وقف ملاحقة الوحش.
وتروي هذه الرواية أن الفريق حسن العمري أرسل خمسة من مرافقيه لإحضار الوحش، وأن تدخل قيادة الموقع أدى إلى عودتهم، ثم عاد الوحش إلى المعسكر، حيث جرى انتخابه قائدًا، قبل أن يصدر قرار بتعيينه قائدًا لمعسكر المظلات.
ومع أهمية هذه التفاصيل، فإنها تحتاج إلى توثيق مستقل من خلال قرارات التعيين، وسجلات القيادة، وشهادات الضباط والجنود الذين كانوا موجودين في المعسكر.
فإذا ثبت أن الوحش كان يواجه ملاحقة أو تهديدات قبل مقتله، فإن ذلك قد يغير من طريقة قراءة الحادثة. أما إذا لم تثبت تلك الوقائع، فيجب إبقاؤها في إطار الروايات التي لم تُحسم بعد.

الصراع السياسي والعسكري في خلفية الأحداث

لا يمكن دراسة مقتل الوحش بمعزل عن الأوضاع التي شهدتها الجمهورية بعد حصار السبعين وأحداث أغسطس 1968.
فقد كانت المؤسسة العسكرية تعاني من صراعات حول القيادة، وتداخلت فيها الاعتبارات السياسية والمناطقية والولاءات العسكرية. كما جرى ضم أفراد من تشكيلات مختلفة إلى وحدات الصاعقة والمظلات، الأمر الذي قد يكون أسهم في زيادة التوتر بين بعض المجموعات.
وقد أشرت في مقالي السابق إلى رسالة للقاضي عبدالرحمن الإرياني مؤرخة في 28 مارس 1972، موجهة إلى القائد العام للقوات المسلحة اللواء محمد عبدالله الإرياني، تناول فيها موقفه من احتمال نشوب حرب بين الشطرين عقب مقتل عدد من مشايخ خولان.
وفي الرسالة، وردت إشارة إلى سياسة ترك الجنوب للجنوبيين المشردين، في إشارة إلى جبهة التحرير، وهو ما رأيت فيه مؤشرًا على أن الصراعات السياسية في تلك المرحلة كانت تُدار أحيانًا عبر توظيف القوى المتنافسة بعضها ضد بعض.
غير أن الانتقال من هذه الإشارة السياسية العامة إلى القول إن النظام خطط مباشرة لتصفية الوحش أو عبدالرقيب عبدالوهاب يحتاج إلى أدلة إضافية، مثل الأوامر المكتوبة أو الشهادات المباشرة التي تثبت وجود خطة محددة.

قضية الوحش وقضية عبدالرقيب عبدالوهاب

إن المقارنة بين مقتل محمد مهيوب الوحش ومقتل النقيب عبدالرقيب عبدالوهاب تفرض نفسها بسبب التشابه في بعض عناصر السياق التاريخي: كلاهما ارتبط بالمؤسسة العسكرية الجمهورية، وكلاهما كان له دور في معارك الدفاع عن الجمهورية، وكلاهما قُتل بعد صراعات عسكرية وسياسية شهدتها البلاد.
لكن التشابه في السياق لا يعني بالضرورة وحدة المخطط أو تطابق طريقة التنفيذ.
ففي قضية عبدالرقيب، توجد روايات رسمية نقلها القاضي عبدالرحمن الإرياني واللواء حسين المسوري، إلى جانب شهادات أخرى تتحدث عن ظروف مختلفة لمقتله، من بينها رواية الانتحار وروايات التصفية المسلحة وسحل الجثمان.
وهذا التعدد في الروايات يجعل قضية عبدالرقيب مثالًا واضحًا على أهمية التوثيق التاريخي، وعدم الاكتفاء بالروايات الرسمية أو الشهادات الفردية دون فحصها.
أما في قضية الوحش، فإن التناقض بين رواية الضالعي والرواية التي نقلتها سابقًا يفرض الأسئلة نفسها: ما مصدر كل رواية؟ وما مدى قرب صاحبها من الواقعة؟ وهل توجد وثائق أو شهادات أخرى تؤيدها أو تنفيها؟
هل كان الانتماء السياسي سببًا في التصفية؟
من القضايا التي تحتاج إلى نقاش هادئ، مسألة الانتماءات السياسية للضباط والجنود في تلك المرحلة، وما إذا كانت قد أثرت في القرارات العسكرية أو في أعمال العنف التي وقعت بينهم.
فالرواية التي نقلها الضالعي تتحدث عن خلافات بين عناصر ذات ميول ناصرية وعناصر محسوبة على الحزب الديمقراطي الثوري، وتربط مقتل الوحش باعتداءات سابقة على أفراد من جبهة التحرير.
أما الرواية الأخرى، فتقدم صورة مختلفة، ترى أن التوترات السياسية استُخدمت في إطار صراع أوسع داخل المؤسسة العسكرية، وأن بعض القيادات ربما استفادت من تفاقم الخلافات بين الضباط والجنود.
ولا يمكن حسم هذه المسألة بالاعتماد على الانتماء السياسي المفترض لشخص ما، أو على مجرد وجود صراع بين تيارات مختلفة. بل ينبغي تحديد الوقائع الفردية، والأوامر العسكرية، والمسؤوليات القانونية، وفحص ما إذا كانت هناك أدلة على استهداف أشخاص بسبب انتماءاتهم.
فالاتهام بالقتل أو التصفية السياسية لا يُثبت بالانتماء وحده، كما أن نفيه لا يكون بمجرد النفي، وإنما بالتحقيق في الأدلة.

شهادة مجاهد أبو شوارب وضرورة إنصاف الذاكرة الوطنية

إن شهادة العميد الشهيد مجاهد أبو شوارب بشأن شجاعة الوحش تستحق أن تُحفظ في إطار الذاكرة الوطنية، لا لأنها تحسم ظروف مقتله، وإنما لأنها توثق جانبًا من صورته لدى أحد رفاق السلاح.
وقد قال أبو شوارب، بحسب ما سمعته منه شخصيًا، إن الوحش كان مقاتلًا استثنائيًا، لا يهاب الموت، ويتقدم في المعارك وسط إطلاق النار، ويرفع معنويات رفاقه.
ومن المهم أن تظل هذه الشهادة محفوظة ضمن شهادات المعاصرين، إلى جانب شهادات أخرى قد تؤكد بعض تفاصيلها أو تضيف إليها.
فالإنصاف التاريخي لا يعني تحويل الأبطال إلى رموز فوق النقد، ولا يعني إنكار ما قد يكون من أخطاء أو خلافات، وإنما يعني وضع حياتهم وأعمالهم في سياقها، والتمييز بين ما ثبت من بطولاتهم، وما يحتاج إلى بحث في سلوكهم أو مسؤولياتهم في وقائع أخرى.
نحو تحقيق تاريخي شامل
إن ما سبق يبين أن قضية محمد مهيوب الوحش لا تزال بحاجة إلى تحقيق تاريخي شامل، يضم الروايات المختلفة، ويستمع إلى شهود العيان، ويبحث في الوثائق العسكرية والطبية، ويحدد مكان الواقعة وتسلسلها الزمني.
ومن الضروري أيضًا مراجعة سجلات القوات المسلحة، وقرارات التعيين والنقل، وأوامر القيادة في تلك الفترة، وأي تقارير تتعلق بمقتل الوحش أو بإجراءات التحقيق التي قد تكون اتخذت آنذاك.
كما أن شهادات المعاصرين ينبغي أن تُجمع في صورة مكتوبة أو مسجلة، مع بيان تاريخ الشهادة، ومصدرها، وعلاقة الشاهد بالواقعة، حتى يتمكن الباحثون من مقارنتها دون خلط بين الشهادة المباشرة والرواية المنقولة.
إننا لا نملك، في ضوء المعطيات المطروحة هنا، ما يكفي لإصدار حكم نهائي بشأن رواية الاغتيال أو رواية المواجهة. لكننا نملك ما يكفي للتأكيد أن التناقضات القائمة تستحق البحث، وأن إغلاق الملف دون تحقيق موثق لا يخدم الحقيقة التاريخية.

خاتمة: الأبطال لا يموتون حين تُدفن أجسادهم

لقد كان محمد مهيوب «الوحش» واحدًا من الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة الدفاع عن الجمهورية اليمنية، وبالمعارك التي خاضها الجيش الجمهوري في مواجهة القوات الملكية.
وقد بقيت صورته في ذاكرة عدد من رفاقه بوصفه مقاتلًا شجاعًا، لا يتردد في التقدم نحو مواقع العدو، ويرفع معنويات زملائه في أحلك الظروف.
أما ظروف مقتله، فقد بقيت موضوعًا لروايات متعارضة، بعضها يقدمه باعتباره ضحية عملية اغتيال، وبعضها يربطه بمواجهة مسلحة أعقبت اعتداءات سابقة.
والواجب على المؤرخين والباحثين ألا يكتفوا بترديد رواية واحدة، بل أن يفتحوا المجال أمام جميع الشهادات، وأن يبحثوا في الوثائق، وأن يميزوا بين الوقائع المثبتة والادعاءات التي تحتاج إلى دليل.
فالتاريخ لا يُنصف الأبطال بالمديح وحده، وإنما بإظهار الحقيقة عن حياتهم وأعمالهم ومصائرهم.
وإذا كان محمد مهيوب قد أرعب أعداء الجمهورية في ميادين القتال، فإن حقه في الإنصاف التاريخي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الروايات المتعارضة حول مقتله. بل يجب أن يمتد إلى البحث في سيرته كاملة، وإلى حفظ دوره في الذاكرة الوطنية، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو المناطقي.

رحم الله محمد مهيوب الوحش، ورحم الله عبدالرقيب عبدالوهاب، وكل شهداء الثورة والجمهورية، وجعل الحقيقة التاريخية طريقًا لإنصاف من ضحوا من أجل اليمن.