استعادة الدولة في اليمن تبدأ من الوعي بالديمقراطية
إن استعادة الدولة في اليمن لا تبدأ باستعادة المؤسسات وحدها، ولا بإعادة تشكيل الحكومة أو توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية فحسب، وإنما تبدأ قبل ذلك كله من بناء وعي وطني جديد يؤمن بأن الوصول إلى السلطة حق ينظمه الدستور والقانون، وأن الشعب وحده هو صاحب الحق في منح هذا التفويض وسحبه عبر انتخابات ديمقراطية نزيهة، تعكس إرادته الحرة من دون تزوير أو تلاعب أو التفاف على أصوات الناخبين.
لقد كشفت التجربة اليمنية، بما شهدته من صراعات سياسية وحروب وانقلابات، أن أزمة الدولة لا تكمن في ضعف مؤسساتها فقط، وإنما في غياب الإيمان الحقيقي بقواعد العمل السياسي الديمقراطي، وفي استمرار الاعتقاد لدى بعض القوى بأن السلطة يمكن انتزاعها بالقوة، أو الاحتفاظ بها عن طريق السلاح، أو فرضها استناداً إلى الانتماء المناطقي أو القبلي أو الحزبي أو المذهبي. وحين تتحول هذه الاعتقادات إلى سلوك سياسي، يصبح الوطن ساحة للصراع على السلطة، بدلاً من أن تكون السلطة وسيلة لخدمة الوطن والمواطنين.
ومن هنا، فإن استعادة الدولة اليمنية تقتضي ترسيخ ثقافة سياسية جديدة، تقوم على تجريم الاستيلاء على السلطة بالقوة، ورفض فرض أي فكر أو مذهب أو مشروع سياسي بقوة السلاح، أياً كانت الجهة التي تقف وراءه. فالإيمان بأي فكرة لا يمنح أصحابها حق فرضها على الآخرين، والانتماء إلى أي مذهب لا يمنح أتباعه امتيازاً سياسياً أو قانونياً على بقية المواطنين. الدولة الوطنية تقوم على المواطنة المتساوية، وعلى حق الجميع في المشاركة السياسية، وعلى احترام التنوع الفكري والثقافي والمذهبي، ما دام الجميع ملتزمين بالدستور والقانون.
إن الديمقراطية التي نحتاج إليها ليست مجرد صناديق اقتراع تُنصب في يوم محدد، ثم تُفرغ من مضمونها بالتزوير أو شراء الأصوات أو استخدام المال والنفوذ أو توظيف السلاح للتأثير في خيارات الناخبين. الديمقراطية الحقيقية منظومة متكاملة تبدأ بحرية التعبير والتنظيم السياسي، وتمر بتكافؤ الفرص بين المتنافسين، واستقلال القضاء، وحياد مؤسسات الدولة، وشفافية الانتخابات، وتنتهي باحترام نتائجها، سواء جاءت لمصلحة هذا الحزب أو ذاك، أو منحت الفوز لهذا المرشح أو منافسه.
ولا تكتمل الديمقراطية إلا بقبول مبدأ التداول السلمي للسلطة. فمن يصل إلى الحكم عبر الانتخابات يجب أن يدرك أن سلطته مؤقتة ومقيدة بالدستور والقانون، وأن من حق الشعب أن يمنح ثقته لغيره في الانتخابات التالية. كما يجب على من يخسر الانتخابات أن يقبل بنتائجها وفق آليات الطعن القانونية، لا أن يلجأ إلى السلاح أو العنف أو تعطيل مؤسسات الدولة لفرض إرادته. فالحكم ليس ملكاً خاصاً لأحد، ولا تفويضاً أبدياً لجماعة أو حزب أو أسرة أو منطقة.
وفي الحالة اليمنية، تبرز أهمية هذه المبادئ في ظل تعدد القوى السياسية والعسكرية، وتباين المشاريع التي تتنافس على مستقبل البلاد. فلا يمكن بناء دولة مستقرة في ظل وجود قوى تحتكم إلى صناديق الاقتراع حين تخدم مصالحها، ثم ترفض الديمقراطية عندما لا تأتي النتائج وفق رغباتها. كما لا يمكن توحيد البلاد على أساس الإكراه، أو معالجة الانقسامات بفرض رؤية سياسية واحدة على مجتمع تتعدد فيه الاتجاهات والمصالح والتطلعات.
إن الطريق إلى دولة يمنية قابلة للحياة يمر عبر توافق وطني على قواعد مشتركة للعمل السياسي، وفي مقدمتها الاحتكام إلى إرادة المواطنين، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، وخضوع المؤسسات العسكرية والأمنية لسلطة الدولة الدستورية، وضمان حقوق المعارضة، وتجريم استخدام العنف وسيلةً للوصول إلى الحكم أو البقاء فيه. وينبغي أن يشمل هذا التوافق الجميع، من دون استثناء، لأن القانون الذي يُطبَّق على الخصوم ويُعفى منه الحلفاء لا يؤسس دولة، وإنما يعيد إنتاج الصراع بأشكال مختلفة.
ولن يتحقق هذا التحول بمجرد النص عليه في الدساتير والاتفاقيات، وإنما يحتاج إلى عملية طويلة من التربية المدنية، وتطوير المناهج التعليمية، وتعزيز دور الإعلام والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، ونشر الوعي بحقوق المواطنة وواجباتها. كما يتطلب أن تقدم النخب السياسية نموذجاً عملياً في احترام القانون، والاعتراف بالأخطاء، وقبول الاختلاف، والابتعاد عن التحريض والكراهية، بدلاً من توظيف الانقسامات الاجتماعية والمذهبية لتحقيق مكاسب سياسية آنية.
وقد يكون من الضروري، في هذا السياق، أن تتوافق القوى اليمنية على ميثاق وطني واضح يرفض الانقلابات والاستيلاء المسلح على السلطة، ويحظر توظيف المؤسسات العسكرية والأمنية لمصلحة الأحزاب والجماعات، ويضمن إجراء انتخابات حرة تحت إشراف مؤسسات مستقلة، مع وجود قضاء قادر على الفصل في النزاعات الانتخابية. فالتجارب السياسية لا تُقاس فقط بمن يصل إلى الحكم، وإنما أيضاً بالقواعد التي تحكم وصوله، والضمانات التي تمنع استبداده، والوسائل السلمية التي تتيح استبداله.
إن اليمنيين الذين دفعوا أثماناً باهظة من دمائهم وأمنهم واستقرارهم، وشردتهم الحروب في الداخل والخارج، يستحقون دولة لا يخافون فيها من اختلافهم، ولا يُحرمون فيها من حقوقهم بسبب انتماءاتهم، ولا يُفرض عليهم حاكم أو مشروع سياسي بقوة السلاح. دولة يشعر فيها المواطن أن صوته الانتخابي له قيمة، وأن القانون يحميه، وأن مستقبله لا يتوقف على قربه من صاحب النفوذ أو انتمائه إلى جماعة مسلحة.
إن استعادة الدولة تبدأ باستعادة إيمان اليمنيين بأن السلطة حق للشعب، وأن الوصول إليها لا يكون إلا عبر الديمقراطية النزيهة، وأن الاحتفاظ بها لا يكون إلا برضا المواطنين واحترام الدستور والقانون. وما لم تصبح هذه القناعة جزءاً من الثقافة السياسية والاجتماعية، فإن استعادة مؤسسات الدولة، مهما بدت مهمة، ستظل معرضة للانتكاس، وستبقى البلاد تدور في الحلقة ذاتها من الصراع والانقلابات والحروب.
فالدولة لا تُبنى بالقوة وحدها، ولا تستقر بانتصار طرف على آخر، وإنما تُبنى حين يتفق الجميع على قواعد تحكمهم، ويقبلون بأن تكون صناديق الاقتراع هي الطريق إلى السلطة، وأن يكون التداول السلمي لها هو الضمانة لبقاء الدولة واستمرارها. ذلك هو التحول الذي يحتاج إليه اليمن، من صراع على من يحكم إلى اتفاق على كيفية الحكم، ومن منطق الغلبة إلى منطق المواطنة، ومن سلطة الأشخاص والجماعات إلى دولة المؤسسات والقانون.



