الإثنين 19 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • عندما يصبح الرغيف جبهة قتال.. تعز نموذجًا

عندما يصبح الرغيف جبهة قتال.. تعز نموذجًا

ليست تعز مجرد مدينة محاصرة في نشرات الأخبار، هي مختبر حي لفكرة قاسية: كيف يمكن للجوع أن يتحول إلى سلاح أكثر فتكاً من القذائف.

يقول بيان برنامج الأغذية العالمي الأخير (15 أكتوبر 2026) ما لا يمكن تجميله: تصاعد القتال قطع المساعدات المنقذة للحياة عن 800 ألف شخص في اليمن. الرقم وحده صادم، لكن التفصيل الأكثر إيلامًا يأتي من تعز: مخزون دقيق القمح أوشك على النفاد، وما تبقى في الأسواق المحلية لن يكفي إلا لأيام قليلة.
نحن لا نتحدث عن أزمة إمداد عابرة. نتحدث عن مدينة كانت تستضيف بالفعل أكبر عدد من النازحين داخليًا قبل التصعيد الأخير، عن محافظة صُنفت عشر من مديرياتها في المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي للأمن الغذائي -مرحلة الطوارئ- قبل أن تطلق رصاصة واحدة في هذه الجولة الجديدة من القتال.
وهنا مكمن الذكاء المظلم لهذا الصراع.
برنامج الأغذية العالمي لا يقول إن الطرق انقطعت بسبب القتال فحسب، بل يشير بوضوح إلى حصار خانق تفرضه مليشيا الحوثي على تعز. الحصار لا يقطع الغذاء فقط، هو يقطع المنطق. عندما تُغلق الطرق وتتحرك خطوط المواجهة، لا تتعطل شاحنات القمح فقط، بل تتعطل قدرة المنظمات على الوصول، وتُنهب مكاتبها، وتُفقد مخازنها، كما اعترف البيان نفسه.
تأملوا تسلسل الانهيار الذي يصفه البرنامج:
1. يُحاصر المدني. 2. يُقطع عنه المساعدات. 3. يُفرغ السوق. 4. ثم يُقال له: هذه حرب.
قال ممثل البرنامج ومديره القطري الخضر دالوم جملة تلخص كل شيء: "العديد من الأسر نزحت مرات عدة، وكانت تعاني بالفعل من صعوبة تحمل تكلفة حتى المواد الغذائية الأساسية". هؤلاء ليسوا جائعين جددًا. هم جائعون قدامى، أرهقتهم النزوحات المتكررة، ثم جاء التصعيد ليحرمهم حتى من الفتات الذي كان يصلهم.
وفي تعز وحدها، يتحدث البرنامج عن أكثر من 600 ألف شخص لا يمكن الوصول إليهم، من بينهم أكثر من 200 ألف امرأة وطفل. عندما يصبح الوصول إلى المرأة والطفل مستحيلًا، فاعلم أننا تجاوزنا مرحلة "النزاع المسلح" إلى مرحلة "العقاب الجماعي".
الأرقام الوطنية التي يذكرها البيان تضع تعز في سياقها الكارثي: أكثر من 18 مليون يمني يواجهون انعدامًا حادًا للأمن الغذائي، 2.2 مليون طفل دون الخامسة يعانون سوء تغذية حاد، نصف مليون منهم في مرحلة الوخامة. ورصد البرنامج يقول إن 74% من الأسر في المناطق التي يمكن الوصول إليها غير قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية، وهي أعلى نسبة هذا العام.
لاحظوا المفارقة: هذه النسبة في المناطق التي يمكن الوصول إليها. فكيف هي الحال في المناطق التي لا يمكن الوصول إليها؟
هنا يصبح تحذير ماثيو هولينغورث، مساعد المدير التنفيذي للبرنامج، ليس مجرد تصريح بروتوكولي، بل نبوءة: "إن الجوع في اليمن يتفاقم اليوم أمام أعيننا. ويهدد تأثير هذا التصعيد الأخير على وضع الأمن الغذائي في اليمن بأن يكون كارثيًا تمامًا".
الجوع أمام أعيننا. لسنا بحاجة لأقمار اصطناعية لنراه. نراه في كيس دقيق يفرغ في تعز.
المشكلة ليست في نقص القمح العالمي، بل في من يقرر أن كيس القمح لا يدخل مدينة. الحصار هو قرار سياسي بتحويل الجغرافيا إلى سجن. وعندما يصبح الرغيف ورقة تفاوض، فلا تسأل عن الأمن الغذائي، اسأل عن الأخلاق الغذائية.
ما يحدث في تعز اليوم هو اختبار لكل الادعاءات عن حماية المدنيين. 800 ألف شخص قُطعت عنهم المساعدات ليسوا رقماً في بيان أممي. هم 800 ألف قصة تأجلت فيها وجبة اليوم إلى أجل غير مسمى.

وإذا كان مخزون القمح قد نفد، فما الذي نفد معه؟ ربما ما تبقى من صبر العالم على اعتبار ما يجري في اليمن مجرد "أزمة منسية".