الإثنين 19 أكتوبر 2026
  • الرئيسية
  • المصلحة الأمريكية بين نورد ستريم والشرق الأوسط: جغرافيا الطاقة بين الخنق والإعفاء

المصلحة الأمريكية بين نورد ستريم والشرق الأوسط: جغرافيا الطاقة بين الخنق والإعفاء

تعيش منطقة الشرق الأوسط اليوم حالة غليان واسعة مهددة بالانفجار في أية لحظة لتكون بركانًا يعم المنطقة برمتها، لا سيما بعد أن بدأ الدخان يتصاعد في بعض المناطق التي تأثرت نتيجة التدخلات السياسية المباشرة للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في إعادة رسم الخارطة السياسية التي بشر بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعد عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023م، التي حطمت أمام العالم هيبة إسرائيل ومرغتها في التراب، فاشتعل الإقليم على إثرها، ولا يزال وميضها متوقدًا حتى اليوم، مهددًا بانفجار واسع لا يستثني أحدًا إذا ما تفاقمت الأمور واتجهت نحو التصعيد بين إيران وحلفائها من جهة،

والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لا سيما أن الأخيرتين تسعيان خلال هذه الأيام إلى التصعيد لتحقيق مكاسب سياسية في الانتخابات المقبلة، سواء في إسرائيل حيث يسعى رئيس حكومتها لرفع حظوظه في البقاء على رأس الحكومة اليمينية المتطرفة، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا بتفجير الحرب في المنطقة كضمانة للبقاء بحجة الدواعي الأمنية، أو في الولايات المتحدة حيث يسعى الرئيس دونالد ترامب للحصول على غالبية مقاعد مجلسي النواب والشيوخ في انتخابات التجديد النصفي مطلع نوفمبر المقبل، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال حرب خاطفة على إيران تؤدي إلى سحقها، وإن لم يكن خيار الحرب متاحًا، فالخيار المناسب هو استمرار تدفق النفط وبقاء الأسعار في الحدود الآمنة التي لا تؤثر على موقف الناخب الأمريكي.
والسؤال الملح اليوم: من المستفيد من تعطل غالبية إنتاج الطاقة من الشرق الأوسط، ولصالح من يستمر صراع الطاقة؟ ومن السبب الرئيس في إشعال حروب الطاقة والممرات اليوم؟
لا يمكن القول إن هناك قوى دولية وإقليمية مستفيدة من تعطيل إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية، التي أشعلت فتيل الأزمة في منطقة كانت تتميز بمرور سلاسل إمداد الطاقة فيها بهدوء لعقود، عندما كانت الولايات المتحدة الزبون الرئيس لتلك الإمدادات. إذن، ما الذي استجد؟ هو تحولها من قوة تستورد إلى قوة عالمية مصدرة لجميع مواد الطاقة دون استثناء، وأن استمرار تدفق موارد الطاقة من الشرق الأوسط بصورة آمنة ينافس قوة التصدير الأمريكية للعالم، وهذا يفسر سبب إشعالها لفتيل أزمة الطاقة، ثم البقاء على الدكة لمراقبة إلى أين وصل الصراع داخل الدول المنتجة التي فتحت لها بؤرة صراع عميقة، بهدف إدخالها في حالة استنزاف متعمد، إلى جانب القضاء بصورة غير مباشرة على البنى التحتية والنهضة التي تمتعت بها دول الشرق الأوسط بفضل الأرباح الضخمة التي جنتها من تجارة الطاقة، حتى أصبحت تمتلك ريادة واسعة فيها وأسواقًا ذات طابع موثوق على مستوى العالم.
ويبين التعاون الأمريكي الروسي الأخير في مجال الطاقة أن الأولى استبدلت موارد الطاقة القادمة من الشرق الأوسط بالطاقة الروسية التي كانت تكبلها بالعديد من العقوبات، فضلًا عن وضعها العراقيل أمام الدول الأوروبية ومنعها من الاستفادة من مزايا الطاقة الروسية مثل أنابيب النفط والغاز التي تصل إلى قلب أوروبا بأسعار رخيصة، فلماذا منعت الولايات المتحدة الأوروبيين من الطاقة الروسية بالأمس وسمحت بها اليوم، لا سيما أن مشروع الطاقة الروسية كان السبب الرئيس في خلق الحرب بين روسيا وأوكرانيا لضرب أنابيب غاز الشمال "نورد ستريم" الذي يغذي ألمانيا، ومن جهة أخرى لضرب أي تقارب أوروبي مع روسيا ومنعها من الهيمنة على أوروبا؟ فلماذا تمنح أمريكا اليوم الطاقة الروسية إعفاء من العقوبات؟
هناك مجموعة عوامل جعلت الولايات المتحدة تمنح الطاقة الروسية إعفاءات، منها ما هو مرتبط بالأسعار داخل السوق الأمريكية نفسها لتهدئة الناخب قبل انتخابات نوفمبر، فضلًا عن الرغبة في إبقاء الأسعار وفق سعر مقبول نظرًا لتذبذب تدفقات الطاقة من الشرق الأوسط بعد أن نجحت واشنطن وتل أبيب في إشعال الصراع داخلها بضرب إيران في فبراير من العام الماضي، ولا يزال الإقليم يعيش حالة توتر. ولا يمكن القول حاليًا إن إعفاء النفط الروسي نابع من قناعة سياسية راسخة نتيجة تطور العلاقات بينهما، بل لوجود قاسم من المصالح المشتركة، منها الاستفادة من بقاء طاقة الشرق الأوسط حبيسة الصراع، وهذا بطبيعة الحال يخدم أمريكا وروسيا كدول منتجة تصدر الطاقة للعالم دون عوائق رغم التباين الواضح بينهما بسبب الحرب في أوكرانيا. هذه هي الفوائد المشتركة، أما الفوائد الخاصة فيمكن إجمالها على النحو الآتي:
فوائد الولايات المتحدة الأمريكية:
يدير الرئيس دونالد ترامب الولايات المتحدة بعقلية تاجر العقارات الذي يؤمن بعقد الصفقات، وهذا يفسر لجوءه لرفع العقوبات عن النفط الروسي بهدف الحفاظ على الأسعار وتجنب تأثر الناخب الأمريكي بالأزمة التي افتعلها في الشرق الأوسط وقادت إلى تذبذب موارد الطاقة وانعدام أي مؤشر لحلول جذرية، فكان النفط الروسي البديل الأمثل لتحقيق مكاسب سياسية في الداخل. أما خارجيًا، فقد شكل القرار ورقة ضغط سياسي واقتصادي على أوروبا التي أصبحت في موقف محرج، لأن الجانب الأمريكي مارس ضغوطًا كبيرة عليها للابتعاد عن استيراد النفط والغاز الروسيين، اللذين كانا سببًا من أسباب الحرب الروسية الأوكرانية لمنع أي تقارب روسي أوروبي مستقبلي، وجعل أوروبا تبحث عن مصادر الطاقة الأمريكية ومصادر الشرق الأوسط التي تعيش حالة صراع تهدد بخنق تدفق الطاقة نحوها.
فوائد روسيا:
وجد صانع القرار الروسي نفسه أمام فخ واسع نُصب له في أوكرانيا بهدف كبح جماحه ومنعه من الاستفادة من موارد الطاقة الهائلة التي يمتلكها، وجعله في حالة صدام مع سوقه الرئيس داخل أوروبا. ونجح الجانب الأمريكي في تعطيل وصول روسيا لهذا السوق وجعلها تعيش حالة ركود، لكنها استطاعت إيجاد أسواق بديلة عوضتها عن خسائرها في أوروبا، حينها سارعت الولايات المتحدة لتكبيلها بالعقوبات لحرمانها من مواردها. وهذا لا يعني أن تجارة الطاقة الروسية لم تتأثر، لكن التأثير ظل محدودًا بسبب متانة روسيا. ومع ذلك، لعبت التوترات في الشرق الأوسط دورًا جعل روسيا محل أنظار واشنطن التي بادرت إلى رفع العقوبات عن النفط الروسي وجعله متاحًا في الأسواق العالمية، فبقدر ما أن تدفق النفط مصلحة أمريكية لضبط الأسعار، كان أيضًا مصلحة روسية عليا لرفد الموازنة بالعملة الصعبة لسد الاحتياج المتزايد للأموال مع استمرار الاستنزاف العسكري في أوكرانيا، ورغم هذا الانفراج، إلا أنه شكل كابوسًا لأوروبا التي تسعى بالتعاون مع واشنطن لخنق تصدير الطاقة الروسية للضغط على الموازنة الروسية وإجبارها على الانسحاب من أوكرانيا.

رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار