تعز تحت النار... وعلى الشعب اليمني تقع مسؤولية إنقاذ حياته ووطنه
من يراقب ما يجري اليوم في محافظة تعز، بمدنها وقراها وجبالها ووديانها، يدرك أنها تُدفع مجددًا نحو جولة جديدة من الموت والخراب والنزوح، وكأن سنوات الحصار والقصف والدمار للاعوام الماضيه لم تكن كافية، وكأن آلام أهلها لم توقظ ضمائر المتصارعين.
تعز، المدينة التي دفعت أثمانًا باهظة من دماء أبنائها وأمنهم وأرزاقهم، تواجه اليوم خطر التصعيد من جديد. أسرٌ ترتجف خوفًا على أطفالها، ومواطنون لا يعرفون متى تصل الحرب إلى أبوابهم، ولا أين يفرّون إذا اشتعلت النيران. أيُّ ذنب ارتكبه هؤلاء حتى يصبحوا رهائن لصراع لا يملكون قراره، ويدفعوا ثمن حسابات لا تجلب لهم سوى الموت والتشرد؟
تتغير الذرائع، لكن الضحية واحدة؛ وتتبدل الشعارات، لكن الدم اليمني هو الذي يُراق. فمن يحارب من؟ ولصالح مَن تُستنزف أرواح اليمنيين؟ ومن منح المتصارعين الحق في تحويل المدن والقرى إلى ساحات قتال، وحياة الناس إلى رهينة لصراعات السلطة والنفوذ؟
إن المواطن في تعز وفي كل انحاء اليمن لا يريد شعارات جديدة ولا وعودًا من بعيد؛ يريد أن يعيش آمنًا، وأن يجد قوت أطفاله، وأن ينام دون أن يفزعه صوت القذائف، وألا يحمل أسرته هاربًا من الموت إلى المجهول. هذه أبسط حقوق الإنسان، لكنها في اليمن أصبحت أمنيات مؤجلة.
الشعب اليمني... إلى متى تصطفّون خلف من يطيل عذابكم؟
لا تقع المسؤولية على المتصارعين وحدهم؛ فالشعب اليمني، الذي أنهكته الحرب ومزقته الاصطفافات، مطالب اليوم بمراجعة مواقفه ومواجهة الحقيقة بلا خوف ولا مجاملة.
إلى الذين ما زالوا يبررون الحرب لهذا الطرف أو ذاك: ماذا جنيتم من سنوات القتال؟ وكم من الدماء يجب أن تُراق، وكم من البيوت يجب أن تُهدم، حتى تدركوا أن الشعارات لا تطعم جائعًا، ولا تعيد قتيلًا، ولا تحمي طفلًا من الخوف؟
لا تصدقوا أن الاصطفاف خلف أحد أطراف الصراع سيحميكم من نيرانه، أو أن إطالة الحرب ستعيد الدولة وتمنح الشعب حياة كريمة. اسألوا أنفسكم: من يدفع الثمن من دماء أبنائكم وأرزاقهم ومستقبل أجيالكم، ومن يجني مكاسب السلطة والنفوذ؟
لقد أثبتت سنوات الحرب أن الشعارات لا تبني وطنًا، وأن مصلحة الشعب لا يمكن أن تبقى رهينة لحسابات المتصارعين وارتباطاتهم الخارجية. ولو كانت حياة اليمنيين أولوية لديهم، لكان الحوار والتفاهم والاحتكام إلى إرادة الشعب بديلًا عن البنادق والصواريخ، ولكانت حماية الإنسان مقدّمة على صراع الكراسي والمواقع.
إن تبرير الحرب باسم الانتماء لا ينقذ الوطن، بل يطيل مأساته. فلا تجعلوا خلافاتكم وقودًا لحربكم، ولا تسمحوا لأحد أن يستخدمكم ضد إخوتكم.
انحازوا إلى اليمن، لا إلى من يتقاتلون عليه؛ إلى حياة أبنائكم، لا إلى شعارات لم توقف نزيف دمائهم. ارفعوا صوتكم بمطلب واضح
أوقفوا الحرب، وارفعوا أيديكم عن حياة الناس، واتركوا لليمنيين حق اختيار من يحكمهم بإرادتهم الحرة، عبر الحوار وصناديق الاقتراع، لا فوهات البنادق.
لقد مزقت هذه الفتنة النسيج الاجتماعي، ودفعت الأخ إلى مواجهة أخيه، وأهدرت حاضر اليمن ومستقبل أجياله. ولن يخرج الوطن من هذه الدائرة ما دام أبناؤه وقودًا لها. وكما يقال: «الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها».
إلى المجتمع الدولي... كم من المآسي يحتاج العالم ليتحرك؟
لقد سئم اليمنيون بيانات القلق والإدانة والوعود التي لا تحمي طفلًا، ولا توقف قذيفة، ولا تعيد أسرة مشرّدة إلى منزلها. لم يعد المطلوب إدارة الأزمة، بل التحرك الجاد لإنهائها.
وعلى مجلس الأمن والأمم المتحدة دعم وقف شامل لإطلاق النار، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق القانون الدولي، والعمل على وقف تدفق السلاح والتمويل الذي يغذي الحرب ويطيل أمدها.
كما أن المملكة العربية السعودية وسائر الأطراف الإقليمية والدولية مطالبة بمراجعة سياساتها تجاه اليمن، والانتقال من دعم أطراف الصراع إلى مساندة الشعب اليمني في استعادة دولته ومؤسساته، واحترام سيادته واستقلال قراره الوطني. فالحل لا يكون بإعادة تدوير الأزمة، بل بدعم تسوية عادلة تنهي الحرب وتضع حياة اليمنيين وكرامتهم في المقدمة.
إن اليمن ليس ساحة لتصفية الحسابات، وشعبه ليس أرقامًا في تقارير النزاعات، وحياة أبنائه ليست ثمنًا مقبولًا في معادلات النفوذ. لكل ضحية حق، ولكل أسرة منكوبة وجع، ولكل طفل حُرم من الأمان مستقبل لا يجوز أن يبقى رهينة للحرب.
ندائي إلى اليمنيين
يا أبناء اليمن، إلى متى ندفن أبناءنا، ونشيّع أحلامنا، ونترك وطننا يتآكل أمام أعيننا؟ إلى متى نبقى أسرى خلافات لا تنتهي، فيما تتسع المقابر، وتفرغ البيوت من أهلها، ويكبر الأطفال على الخوف بدلًا من الأمل؟
إن إنقاذ اليمن مسؤولية مشتركة تقع على عاتق المتصارعين، والمجتمع الدولي، والشعب اليمني نفسه. ومسؤولية كل يمني يرفض أن يرى وطنه يموت، ويرفض أن تصبح دماء أبنائه وقودًا لمعارك لا تخدمه.
تعز لا تحتاج إلى جولة جديدة من الحرب؛ بل إلى من يحمي أهلها. واليمن لا يحتاج إلى منتصر فوق أنقاضه؛ بل إلى من ينقذ شعبه، ويعيد إليه دولته وكرامته وأمنه.
كفى دمًا ودمارًا ونزوحًا. كفى استهتارًا بحياة الناس. كفى انقسامًا يمنح الحرب أعمارًا جديدة.
إلى المتصارعين: أوقفوا حربكم قبل أن تبتلع ما تبقى من الوطن.
وإلى الشعب اليمني: لا تكونوا وقودًا لمحرقة أبنائكم. وإلى العالم: لا تكتفوا بمراقبة المأساة؛ ساعدوا على إنهائها.
فإلى متى يبقى اليمن يحترق، وأبناؤه يدفعون ثمن الصراع، فيما يظل إنقاذ الإنسان والوطن مؤجلًا؟



