لماذا نؤجل أعمالنا رغم معرفتنا بأهميتها؟
نحن نعرف ما ينبغي أن نفعله، ومع ذلك لا نفعله دائمًا. نعرف أن علينا إنهاء مهمة متراكمة، أو البدء في الدراسة، أو إجراء اتصال مهم، أو زيارة الطبيب، أو ترتيب شأن مؤجل منذ أسابيع، لكننا نجد أنفسنا فجأة منشغلين بأمور أقل أهمية. نفتح الهاتف، نرتب الغرفة، نتصفح الأخبار، أو نقنع أنفسنا بأن الغد سيكون وقتًا أفضل.
هذه الظاهرة، التي تسمى غالبًا بالتسويف، تبدو في ظاهرها نوعًا من الكسل، لكنها في كثير من الأحيان أكثر تعقيدًا من ذلك. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الرغبة في الإنجاز، بل قد تكون في المشاعر التي ترتبط بالمهمة نفسها.
قد نؤجل عملًا لأننا نخاف من الفشل فيه. وقد نؤجله لأننا نريد أن نؤديه بصورة مثالية، فنظل ننتظر اللحظة المناسبة التي لن تأتي. وقد يكون حجم المهمة كبيرًا إلى درجة تجعل البداية نفسها مرهقة. وأحيانًا يكون الإنسان منهكًا نفسيًا أو مثقلًا بالهموم، فيصبح حتى أبسط عمل بحاجة إلى طاقة لا يشعر أنه يمتلكها.
وفي المجتمع اليمني، لا يمكن النظر إلى هذه المسألة بعيدًا عن الظروف العامة التي يعيشها الناس. سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية، وعدم الاستقرار، والقلق بشأن المستقبل، وتحمل مسؤوليات الأسرة، كلها عوامل يمكن أن تستنزف القدرة النفسية على المبادرة. فالإنسان الذي يقضي جزءًا كبيرًا من يومه في التفكير في الاحتياجات الأساسية قد لا يملك المساحة الذهنية نفسها التي يملكها شخص يعيش في ظروف أكثر استقرارًا.
لكن فهم هذه الظروف لا يعني الاستسلام لها. بل على العكس، قد يساعدنا هذا الفهم في أن نتعامل مع أنفسنا بواقعية أكبر، بدلًا من جلد الذات.
من الأخطاء الشائعة أن نصف الشخص الذي يؤجل أعماله بأنه كسول. هذا الوصف قد يزيد المشكلة بدلًا من حلها. عندما يكرر الإنسان لنفسه أنه ضعيف أو غير منضبط، فقد يفقد ثقته بقدرته على التغيير. أما عندما يسأل نفسه: لماذا أتجنب هذه المهمة؟ وما الشعور الذي أحاول الهرب منه؟ فقد يبدأ في الوصول إلى أصل المشكلة.
أحيانًا تكون البداية هي الجزء الأصعب. لذلك فإن إحدى الطرق المفيدة لمواجهة التسويف هي تقسيم المهمة إلى خطوات صغيرة جدًا. بدلًا من أن نقول: "يجب أن أنجز المشروع كله"، يمكن أن نقول: "سأعمل عليه عشر دقائق فقط". وبدلًا من التفكير في قراءة كتاب كامل، يمكن أن نبدأ بصفحتين.
قد يبدو هذا بسيطًا، لكنه يغير علاقتنا بالمهمة. فالأعمال الكبيرة تثير في داخلنا شعورًا بالثقل، بينما الخطوات الصغيرة تمنحنا إحساسًا بأن الحركة ممكنة.
كذلك من المهم أن نتوقف عن انتظار الحافز. كثير منا يعتقد أنه سيبدأ عندما يشعر بالرغبة في العمل، لكن التجربة تثبت في أحيان كثيرة أن الحافز يأتي بعد البداية، لا قبلها. نبدأ بخطوة صغيرة، ثم نشعر بالإنجاز، فيدفعنا هذا الشعور إلى خطوة أخرى.
وهنا يظهر جانب أعمق من المسألة: علاقتنا بالوقت.
نحن أحيانًا نتعامل مع الوقت وكأنه مورد لا ينتهي. نقول لأنفسنا إن هناك دائمًا يومًا آخر، وأسبوعًا آخر، وفرصة أخرى. لكن الأيام تتراكم بسرعة، وما نؤجله اليوم قد يصبح عبئًا نفسيًا في الغد.
ولا يعني ذلك أن نعيش تحت ضغط دائم من أجل الإنجاز. فالراحة حاجة إنسانية وليست علامة على الضعف. لكن هناك فرقًا بين الراحة التي تعيد إلينا طاقتنا، والهروب الذي يزيد قلقنا.
ومن المفيد أيضًا أن نسأل أنفسنا عن الغاية من أعمالنا. فالإنسان يستطيع أن يتحمل مشقة أكبر عندما يشعر أن ما يفعله له معنى. الطالب الذي يرى الدراسة مجرد واجب قد يجدها ثقيلة، لكن إذا ربطها بهدف أوسع، مثل خدمة أسرته أو تحسين مستقبله أو الإسهام في مجتمعه، فقد تتغير نظرته إليها.
والأمر نفسه ينطبق على العمل والمسؤوليات اليومية. عندما نرى أعمالنا الصغيرة جزءًا من بناء حياة أكثر استقرارًا لنا ولمن حولنا، يصبح لها وزن مختلف.
هناك قيمة كبيرة أيضًا في التشجيع المتبادل. ففي مجتمعاتنا تميل بعض الخطابات إلى التركيز على النقد أكثر من الدعم. لكن الإنسان ينمو عندما يجد من يذكّره بقدرته على التقدم. كلمة مشجعة من صديق، أو شريك حياة، أو معلم، قد تساعد شخصًا على تجاوز أيام طويلة من التردد.
وفي الوقت نفسه، علينا أن نتعلم كيف نشجع أنفسنا. ليس بأن نقنع أنفسنا بأن كل شيء سهل، بل بأن نعترف بأن التغيير يحتاج إلى تدريب وصبر.
إذا أجلنا عملًا اليوم، فهذا لا يعني أننا سنظل نؤجل دائمًا. وإذا أخفقنا في تنظيم وقتنا هذا الأسبوع، فهذا لا يمنعنا من المحاولة من جديد في الأسبوع القادم. النمو الإنساني لا يسير في خط مستقيم.
ربما لا يكون السؤال الأهم: "كيف أتخلص من التسويف نهائيًا؟"، لأن معظم الناس سيواجهونه في مراحل مختلفة من حياتهم. السؤال الأكثر فائدة قد يكون: "كيف أتعلم أن أبدأ رغم التردد؟"
أحيانًا لا نحتاج إلى خطة مثالية، ولا إلى طاقة كبيرة، ولا إلى تغيير شامل في حياتنا. نحتاج فقط إلى خطوة صادقة في الاتجاه الصحيح.
فالأعمال الكبرى لا تبدأ عادة بقرارات ضخمة، بل بأفعال صغيرة تتكرر. ومع مرور الوقت، يمكن لهذه الخطوات البسيطة أن تصنع فارقًا كبيرًا، ليس فقط في إنجاز أعمالنا، بل في نظرتنا إلى أنفسنا وإلى قدرتنا على التأثير في حياتنا.
وربما تكون هذه هي الفكرة الأهم: نحن لا نملك دائمًا السيطرة على الظروف المحيطة بنا، لكن يبقى لدينا قدر من الاختيار في كيفية الاستجابة لها. وكل مرة نختار فيها أن نبدأ، ولو بخطوة صغيرة، فإننا نستعيد جزءًا من علاقتنا بإرادتنا وبمستقبلنا.



