السبت 19 سبتمبر 2026
  • الرئيسية
  • السلام والاستقرار في اليمن: بين الواقع المؤلم والمستقبل المأمول

السلام والاستقرار في اليمن: بين الواقع المؤلم والمستقبل المأمول

تعتبر الأزمة والحرب اليمنية واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والسياسية تعقيداً في التاريخ الحديث، حيث تحول الصراع منذ عام 2015 من أزمة سياسية داخلية إلى حرب إقليمية بالوكالة. فقد أدت الحرب المستمرة إلى تجزئة اليمن سياسياً وجغرافياً واقتصادياً، مما يهدد كيان الدولة الوطنية ووحدتها الترابية، فاليمن تشظى إلى مراكز نفوذ متعددة؛ "حكومة عدن" التي تدير مناطق في الجنوب والشرق، و"حكومة صنعاء" التي تسيطر على العاصمة ومعظم الكثافة السكانية في الشمال والوسط، إضافة إلى سلطات محلية شبه مستقلة في حضرموت ومأرب وسقطرى وغيرها.

وفي ظل هذا الوضع، أضعفت الحرب الهوية الوطنية الجامعة لصالح الانتماءات والأجندات المذهبية والمناطقية والقبائلية، مما يفرض تحدياً جسيماً أمام أي مشروع لإعادة بناء الدولة. كما أن الحرب قادت إلى الانهيار الاقتصادي والمؤسسي، حيث انقسم البنك المركزي بين صنعاء وعدن، مما أدى إلى تباين قيمة العملة الوطنية، وتوقف صرف مرتبات الموظفين المدنيين، وتجميد المشاريع التنموية، وانهيار الخدمات الأساسية وتفاقم أسوأ أزمة إنسانية عالمية.
ومن جانب آخر، فإن التطورات الميدانية في الساحل الغربي وتبعاتها قد يزيد من تأجيج الحرب وتعقيد الأزمة، فالتقدم العسكري الأخير وسيطرة حكومة صنعاء على كامل الشريط الساحلي الغربي ومواقع استراتيجية في باب المندب يشكل منعطفاً جديداً في مسار الصراع، فهذا التقدم يمنح طرف صنعاء تفوقاً استراتيجياً كبيراً من خلال تحكمه الكامل بالمنافذ البحرية الحيوية على البحر الأحمر، مما يعزز موقفها التفاوضي والعسكري أمام حكومة عدن. وهذا المستجد كرس مخاوف القوى الإقليمية والدولية بشأن أمن مضيق باب المندب والتجارة العالمية، مما يدفع نحو إمكانية تدويل الصراع مجدداً وزيادة الاحتكاك العسكري الإقليمي. ويُخشى من هذا التمدد أن يدفع أطراف الصراع نحو الخيار العسكري بدلاً من الحل السياسي، حيث تسعى حكومة عدن وحلفاؤها لإعادة التوازن الميداني بينما تسعى حكومة صنعاء لفرض واقع جديد، مما يؤجج المواجهات ويجهض التهدئة الهشة، ويؤدي إلى انسداد الأفق السياسي وإعادة التصعيد.
ورغم التعقيدات الميدانية الأخيرة، تظل فرص الحوار وتحقيق السلام في المستقبل المنظور قائمة ولكنها مرهونة بمتغيرات معقدة، فمسار السلام يمكن أن يكون خيارا رشيدا، ويدعمه عدد من العوامل منها: رغبة الأطراف الإقليمية في التهدئة، ودور الوساطة لكل من سلطنة عمان والأمم المتحدة، والحاجة الماسة لمعالجة ملف الأزمة الإنسانية والاقتصادية. إلا أن هناك تهديدات لهذا المسار تتمثل في انعدام الثقة العميق بين طرفي الصراع، وغياب الرؤية الوطنية الموحدة لبنية الدولة المستقبلية، واستمرار التصعيد الميداني والعسكري، وهذه التهديدات قد تقود إلى استمرار حالة "اللا حرب واللا سلم" وهذا سيؤدي في المستقبل إلى تفاقم المعاناة الإنسانية للمواطنيين وإنهاك القوى العسكرية لطرفي الصراع، وتزايد ضغوط المجتمع الإقليمي والدولي لمنع الإنهيار، إضافة إلى هشاشة الوضع وسهولة انفجاره لأي سبب طارئ.
وختاما، إن تحقق السلام في اليمن يتطلب التخلي عن منطق المغالبة العسكرية، والإدراك بأن السيطرة الميدانية المؤقتة لا تمنح شرعية دائمة، وأن الحل الوحيد للانتقال بالبلاد من مرحلة الهشاشة وتفكك الدولة إلى مرحلة الاستقرار والتكامل يأتي من خلال حوار وتوافق وطني شامل يُعلي المصلحة العليا فوق أي مصالح ضيقة، ويستوعب كافة المكونات ويحافظ على سيادة البلاد واستقرارها. ولذلك، ما يزال الأمل قائما في أن تجنح أطراف الصراع إلى إنتهاج مسارات السلام المستدام، من خلال:
- المسار الإنساني والاقتصادي، وهذا يتضمن وضع خطط وبرامج للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل يضمن توزيع الثروات والموارد بفرص متكافئة، وتوفير الخدمات الأساسية وسبل العيش الكريم للجميع. فضلا عن اتخاذ خطوات حسن نية لبناء الثقة تشمل توحيد السياسات النقدية وفتح الطرقات المغلقة وصرف مرتبات الموظفين وعودة نشاط المنظمات الدولية المعنية بالدعم الإنساني.
- المسار السياسي الشامل، ويتمثل في الانتقال من الرعايات الإقليمية الفردية إلى مفاوضات يمنية-يمنية برعاية أممية، تتناول شكل الدولة والمحاصصة السياسية وترتيبات الملف الأمني والعسكري. إضافة إلى التسامي فوق الانقسامات الطائفية أو المناطقية أو المذهبية، وصياغة عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.