ماجد نجيب.. قصة الشاب الذي أبصر الحياة!

في كل عام أتفاجأ شخصيا بكل هذه الضجة التي تُرافق امتحانات الثانوية العامة وإعلان نتائجها، في ظل الانهيار غير المسبوق لمؤسساتنا التعليمية. أنا مؤمنة جدا أن لا مستقبل لهذه البلد إلا بإصلاح قطاع التعليم أولا. وأن بناء جيل جديد واعي ليس بمستحيل لكل من هو مخلص لوطنه ومؤمن بقضية التعليم وقداسته وأهميته بانتشال مجتمعنا من غرقه.
من يقرأ تجارب الشعوب يجد أن كل الدول التي انهارت اقتصاديا وسياسيا وتشظت مجتمعيا بسبب الصراعات والكوارث والحروب، بدأت من الصفر وحققت نجاح باهر حين كرست كل جهودها نحو التعليم لبناء إنسان واعي وايجابي تجاه مجتمعه ومخلص لوطنه. النوايا الحقيقية لطي هذه الصفحة المظلمة من تاريخ البلد ستبرز أمامنا بكل صدق أن لمسنا تغيير وتحرك جاد في انقاذ ملف التعليم وقضاياه الشائكة، وإلا فإننا ندور في فراغ مظلم لأعوام قادمة، وهذا هو المصير المحتوم لنا كشعب مقهور ومستسلم لقهره للأسف.
يوم أمس الخميس 27 أغسطس 2026، تم إعلان نتائج الثانوية العامة في المحافظات المحررة، وتفاجأت شخصيا أن الطالب ماجد نجيب محمد عبد المحسن 18) عاما) من مديرية تبن - لحج، يحمل رقم الجلوس 61203539 (القسم الأدبي)، حاز على مجموع 776 من أصل 800، بمعدل 97%، لكن لم يتم منحه الترتيب الأول المستحق على مستوى محافظة لحج، وتم اختيار طالبة أخرى بمعدل 95%، وكلاهما أبناء وبنات لحج ونفخر بتفوقهم طبعا. لكن الغريب في القصة أن يتم هذا الاستبعاد أو اللبس دون أن يتم توضيحه أو معرفة أسبابه من قبل المسؤولين حتى الان.
ماجد نجيب أعرفه شخصيا وعن قرب، وهو شاب متفوق في دراسته ومثابر، لطيف، مرح، خلوق ومتعدد المواهب أيضا. هو فنان تشكيلي ويكتب القصة القصيرة أيضا، كان أحد مواهب الرسم في مشروع ألوان وأنغام من لحج لمؤسسة سطور الثقافية، وكنت مديرة هذا المشروع حينها.
كان لوجوده ضمن المواهب الشابة في المشروع إضافة خاصة، كونه من ذوي الاحتياجات الخاصة، ففي الوقت الذي أصل فيه لضغط كبير لمهام المشروع، أرى ماجد أمامي دائم الضحك والممازحة لزملائه. أحدق فيه وأقول لنفسي: أي سخافة أن أتذمر من ضغط العمل وهموم الحياة وهذا الشاب مبتسما طوال الوقت متحديا ظروف إعاقته. هذه الروح المقاتلة المفعمة بالأمل التي كان ينشرها في المكان ساعدتني بشكل شخصي جدا لتجاوز الكثير تلك الفترة. لم يكن ماجد يجد نفسا غريبا عن محيطه، ولم نشعره جميعنا في أيام المشروع بالاختلاف والغربة، بل كان يقوم بمهامه ويرسم كالبقية بشكل طبيعي جدا. أحيانا نشعر بتلك الصعوبة التي كان يواجهها عند التركيز أو انهماكه لوقت طويل فوق اللوحات. لكن الجميع، من زملائه وزميلاته ومدربة الرسم الرائعة الاستاذة خولة اليماني، الجميع دون استثناء، كان يحتضنه بحب ولا يشعره أنه مختلف أو أنه بحاجه للمساعدة دوما حتى يطلبها هو، وكان نادر جدا جدا ما يطلبها. شاب مثابر ومعتمد على نفسه ومكابر على أوجاعه وصعوبات الرؤية عنده، وهذا ما لفتني في شخصيته وأعجبني كثيرا: الثقة بالنفس، التحدي والاصرار.
طيلة المشروع حوالي شهرين، وأنا لم اجرؤ أن اسال ماجد عن اعاقته البصرية ولا أن افتح معه حديثا حولها مراعاة لمشاعره، حتى صباح هذا اليوم الجمعة، اتصلت به لاستفهم عن موضوع نتيجته في الثانوية واستئذنته أن أكتب عنه أيضا، وسألته عن إعاقته بالضبط، فأخبرني أنه يعاني من مياه بيضاء وزرقاء شديدة وضغط بالعين ومهدد بالعمى.
بعد كلماته هذه، أدركت حقا كم أن الواقع الذي نعيشه هو الأعمى حقا، وأن شاب مكافح مثل ماجد يستحق أن تفرش له كل الأرض ورودا، وأن يتم الاحتفاء به وتكريمه كما ينبغي ويليق.
سألته: هل تواصل أحد معك من مكتب التربية أو الوزارة خلال الايام الماضية؟ أجابني: بنعم. هناك من تواصل معه وأخبره أن الوزير شخصيا سيتصل به. وهذا ما فهمه ماجد بدوره، أن تفوق بامتحانات الثانوية، وكان ينتظر اعلان اسمه ضمن أوائل الطلاب.
تواصلت بعدها مباشرة بالأستاذة القديرة اقبال قشاش، المديرة التنفيذية لجمعية المكفوفين بلحج، والتي تبذل جهود طيبة منذ يوم الأمس في التواصل مع مكاتب التربية والمسؤولين وتستفهم منهم هذا اللبس الذي حدث في قصة ماجد، وسألتها شخصيا عما حدث، وأفادت بأن طلابها هذا العام كانوا أربعة فقط من القسم الأدبي ممن تقدموا للامتحان الوزاري، وطلابها امتحنوا كل المواد ونجحوا فيها، وفي اجراء رسمي متبع كل عام يتم أخذهم للمراكز الامتحانية باشراف مكتب التربية والتعليم، وأن هناك معلمات من جمعية المكفوفين يرافقن الطلاب ويقمن بكتابة الاجابات في ملفات الامتحان عوضا عنهم، كونهم مكفوفين، مثلما يحدث في جمعية الصم والبكم أيضا، حيث يتم ترجمة الاسئلة بلغة الاشارة للطلاب الصم والبكم من خلال معلماتهن الاساسيات.
نحن نضع هذه القصة الانسانية أمام مكتب التربية والتعليم في محافظة لحج، واللجنة العليا للامتحانات، ومحافظ لحج الاستاذ مراد الحالمي، الذي يعرف ماجد وأثنى عليه، فقد قابله شخصيا في معرض الرسم الذي اقامته مؤسسة سطور الثقافية في كلية ناصر للعلوم الزراعية في مايو الماضي.
نضع قصة ماجد أيضا أمام المسؤول الأول والمباشر، وهو السيد الوزير د. عادل العبادي، وأنا أعرفه من كلية التربية صبر، فقد كنت إحدى طالباته. بالطبع لن يذكرني شخصيا ضمن مئات الطلاب والطالبات الذين عرفوه خلال مسيرته الأكاديمية في الجامعة. لكني وبعد سنوات طويلة أذكر كم كان معلما خلوقا ومحترما وودودا مع دفعتنا. هذه الصفات الانسانية التي أعرفها عنه منذ سنوات، جعلتني استبعد بقوة كل المعلومات التي تناولتها المنشورات منذ يوم الأمس حول استبعاد الوزير شخصيا للطالب ماجد كونه من ذووي الاحتياجات الخاصة.
وهذا ما دفعني للكتابة والبحث عن حقيقة ما حدث بسؤال السيد الوزير: ما الذي حدث بالضبط؟ ننتظر منه توضيح شفاف للقصة التي حدثت، وثقتنا كبيرة بسرعة تجاوبه وحل الأمر. وان سقط اسم ماجد تعمدا، فهذه كارثة بكل المقاييس. وإن سقط اسمه سهوا أو لخطأ بشري غير مقصود أثناء رفع العلامات لمكتب الوزير، فهذا وارد ويتطلب حل الأمر بشكل عاجل وعادل، بمنح هذا الشاب المرتبة التي يستحقها حسب درجاته وتكريمه بما يليق به بكونه مثال للشاب الطموح المكافح، والذي لا يشكل قدوة فقط لشريحته من ذووي الاحتياجات الخاصة، بل نموذج يحتذى به لكل الشباب الذين عليهم ألا يفقدوا الأمل مهما كانت ظروفهم وتحديات حياتهم.



