رد على مبادرة السَّفير فيصل أمين أبوراس
الأخ العزيز، الأستاذ الجليل، المُثقَّف السِّياسِي سعادة السَّفير فيصل بن أمين أبوراس..
تحية حارة..
قرأت «مبادرتكم» الرَّائعة، وقرأت فيها حرصكم الوطني، ودعواتكم الصَّادقة؛ لوقف الحرب، وتداعياتها الوبيلة، وتقديم رؤية شاملة تتضمن معالجة لمأساة اليمن الممتدة والمتوارثة والقائمة.
والمبادرة تعبير صادق وأمين عن رغبة الشَّعب اليمني في الخلاص من كوارث الحروب، وفيها بصر وبصيرة؛ لخروج اليمن من محنتها، وتتضمن تَشخيصًا دَقيقًا للحالة البائسة، وللمعالجات الصَّائبة والدَّقيقة.
والرؤية وحدها لا تكفي، كما أشرتم؛ فلا بُدَّ من حامل وطني، أو أداة تغيير، أو صوت احتجاج مدني قوي وفاعل؛ يوقظ موتى الضَّمائر، والإرادة الوطنية أساس في الأمر كقراءتكم.
أتفق كَثيرًا، وأختلف قَليلًا في ربط الأمر بأطراف الصِّرَاع وحدهم؛ فهم كُلّ المشكلة، وجزء من الحل. فلا يمكن إقصاؤهم. وكيف يقصون؛ وهم بيدهم «الحَلَّ والعقد»؟!
ولكنهم لن ينصاعوا إلى دعوة الحق، ولن يعودوا إلى رشدهم إلا بصوت المقهورين، ونداء الذين تطحنهم المأساة، وتقتلهم الحروب والمجاعة والتشرد والأوبئة.
مهم إشارتكم إلى أطراف الصِّرَاع، ومن يملكون التأَّثير في مساره. وأشرتم وحذرتم من خطل العودة إلى ما قبل الحرب. ورؤيتكم أنَّ البديل لا يمكن أن يكون دولة أضعف، أو مجتمعًا أكثر انقسامًا، أو سلطة تقوم على الغَلَبة.
إنَّ أيَّة تسوية لا تعيد الاعتبار للدولة والمواطنة المتساوية، ستظل تسوية مؤقتة لِلصِّراع، لا حَلًّا كقراءتكم المهمة. والواقع والتَّاريخ يؤكد صحتها. فَكُلُّ المؤتمرات التي شهدتها اليمن، ابتداءً من «أركويت»، 1964؛ مُرورًا بـ«الجند»، و«خَمِر»، و«حرض»، و«الطائف»، والمصالحة الوطنية؛ وُصُولًا إلى الوحدة، كلها لم تأخذ بالاعتبار حقيقة بناء الدَّولة الوطنية الديمقراطية القائمة على المواطنة، ونبذ الغَلَبة، والقوة، وعصبيات ما قبل عصر الدولة والوطنية؛ وكلها بائت بالفشل، وَحَقَّقَت تسويات مؤقتة، لا حَلًا حَقيقيًّا للمشكلة اليمنية.
وربطكم بين مصلحة الجوار، والاستقرار الوطني مهم وصائب، ولكن المأساة أنَّ النافذين هنا، والحاكمين هناك أقاموا علاقات تقوم على إطالة أمد الحرب، وتفكيك المجتمع، وتمزيق نسيجه المجتمعي؛ معتقدين أنَّ ذلك يخدمهم.
إنَّ بناء يمن قوي وديمقراطي مسالم هو أعظم إنجاز للشعب اليمني، ولجواره وللأمن والسلام الدوليين.
ومهم رؤيتكم أنَّ الفرصة الحقيقية لإنقاذ اليمن حين تتوقف الأطراف من التعامل معه بوصفه غنيمة، أو ساحة، أو ورقة تفاوض؛ وضرورة التعامل مع اليمن كدولة وكشعب له حق أصيل في تقرير مستقبله، وليس الهدف انتصار طرف على طرف، بل أن ينتصر اليمن على الحرب كقراءتكم المائزة.
أتفق أخي العزيز المثقف السِّياسِي البارع المدرك بإحساس رفيع لكارثة الحرب، وتغول الصِّرَاع الإقليمي في اليمن وعليها؛ أتفق تَمامًا مع المبادئ والمسارات التي حددتها مبادرتكم الخَيِّرَة والحريصة؛ وأشير إليها باقتضاب:
1. وقف الحرب بوصفه أولوية وطنية وإنسانية.
2. إطلاق مسار سياسي يمني شامل، لا صفقة بين مراكز النفوذ.
3. استعادة الدولة على أساس المواطنة المتساوية، وسيادة القانون.
4. معالجة القضية الجنوبية، وسائر القضايا الوطنية، معالجة عادلة.
5. إخراج السِّلاح من معادلة الحكم.
6. بناء عدالة انتقالية، ومصالحه وطنية.
7. إعادة بناء الاقتصاد، والدولة، والمجتمع.
8. إعادة تنظيم العلاقة مع الإقليم والمجتمع الدولي.
9. ضمانات إقليمية ودولية؛ لتنفيذ التسوية.
أشرتم إلى توافق رؤيتكم مع مبادرة الرَّئيس السابق على ناصر محمد في جوانب أشرتم إليها؛ والأهم تأكيدكم على إطلاق حوار شامل لا يستثني أحدًا، وتشكيل مؤسسات انتقالية توافقية، وإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وإجراء انتخابات حُرَّة وديمقراطية ونزيهة، ووجود آليات لِلرَّقَابة، والمساءلة، وضمانات لحماية الحقوق، ومشاركة مجتمعية حقيقية؛ بحيث لا تتحول التَّسوية إلى اتفاق بين النُّخَب المُسلَّحَة؛ بل يؤدي إلى عقد وطني يتشارك اليمنيون في صياغته، ويمتلكون حق مراقبته، وتنفيذه. فاليمن لا يحتاج إلى منتصر جديد؛ وإنما إلى دولة تستعير عافيتها، ولا يحتاج إلى وصاية جديدة؛ بل إلى شراكة عادلة نِديَّة ومتكافئة (الكاتب).
وتختتمون رؤيتكم بالتأكيد أنَّ اليمن الذي كان لن يعود كما كان. وصائب رأيكم. إنَّ ما يحتاجه اليمن اليوم ليس مجرد هدنة، بل مشروعًا وطنيًا يعيد الاعتبار للدولة، ويؤسس للمواطنة المتساوية، ويضع السِّلاح تحت سلطة القانون، ويفتح الطريق أمام التنمية والمصالحة.
وفي الحروب الأهلية لا يوجد منتصر ومهزوم. فالجميع منتصر بالخروج منها. والمنتصر الحقيقي هو الوطن.
رائع تأكيدكم على عدم احتياج الوطن إلى منتصر ومهزوم، ولا إلى وصاية من أي نوع.
وأتفق مع جُلِّ ما ورد في «المبادرة». وهي تتويج لكل ما سبقها من مبادرات عديدة، وقد جَمَعَتْ فَأوْعَتْ. وتجيء أيضًا في لحظة فارقة.
وأود الإشارة إلى أهمية التزام كُلِّ الأطراف بما اتفقوا سَابقًا عليه، وفَكّ الحصارات، وتبادل الأسرى، وإطلاق المعتقلين والمختفين قسريًّا، ووقف الحملات، وإطلاق الحريات العامة والديمقراطية، وحرية الراي والتعبير، وصرف الرواتب، وفك الحصار على اليمن: داخلًا، وخارجًا وقبل ذلك لا بد من حامل.



