حين تصبح الحرب مؤسسة..
ثمة دول تنهار مرة واحدة، وثمة دول لا تنهار، لكنها تتغير إلى شيء آخر لا يشبه الدولة.
اليمن واحدة من أكثر الحالات قسوة في هذا التحول.
فما يحدث في اليمن منذ سنوات طويلة لم يعد مجرد حرب بين طرفين، ولا صراعًا سياسيًا يمكن اختصاره في الحوثيين من جهة، وما يسمى بالشرعية من جهة أخرى. المسألة أعمق من ذلك بكثير. نحن أمام بلد جرى استنزاف فكرة الدولة فيه، حتى أصبحت الدولة نفسها مجرد عنوان يستخدمه المتصارعون لتبرير وجودهم، بينما تراجعت وظائفها الحقيقية: الإدارة، والقانون، والتعليم، والصحة، والاقتصاد، والقضاء، والأمن، والخدمات.
وهنا يمكن استحضار واحدة من أهم الأفكار التي ناقشتها نعومي كلاين في كتابها «عقيدة الصدمة». كلاين لا تتحدث عن اليمن، لكنها تشرح كيف يمكن للأزمات الكبرى والحروب والكوارث أن تخلق حالة من الصدمة الجماعية تجعل المجتمع أقل قدرة على المقاومة والمساءلة، وتفتح المجال أمام إعادة تشكيل الدولة والمجتمع وفقًا لمصالح وقوى جديدة.
وفي اليمن حدث شيء أكثر تعقيدًا.
لم تعد الصدمة مجرد ظرف استثنائي.
لقد أصبحت هي النظام نفسه.
الحرب لم تعد حدثًا داخل الدولة، بل أصبحت بديلًا عن الدولة.
وهنا تكمن الكارثة.
الحوثيون لم يقدموا نموذجًا لدولة حديثة تقوم على المؤسسات والمواطنة والقانون، بل أنتجوا خطابًا تعبويًا يقوم على الصراع والهوية والحشد والاستنفار. وفي المقابل، فإن القوى التي تتحدث باسم الشرعية لم تستطع خلال سنوات الحرب أن تقدم نموذجًا مقنعًا لدولة حديثة تستطيع أن تجعل المواطن يرى في المؤسسة العامة معنى لحياته ومستقبله.
وهكذا أصبح المواطن اليمني عالقًا بين خطابين:
خطاب يقول له: كن مقاتلًا.
وخطاب آخر يقول له: اصبر على الحرب.
لكن أحدًا لا يقول له بما يكفي: كيف ستكون مواطنًا؟
كيف ستتعلم؟
كيف ستعمل؟
كيف ستبني بيتًا؟
كيف ستدفع الضرائب وتحصل مقابلها على خدمة؟
كيف ستذهب إلى مستشفى حكومي محترم؟
كيف ستجد جامعة؟
كيف ستجد وظيفة؟
كيف تحمي القانون عندما تختلف مع السلطة؟
هذه هي الأسئلة التي تختفي عندما تتحول الدولة إلى فكر تعبوي.
الدولة ليست نشيدًا، ولا شعارًا، ولا صورة مسؤول.
الدولة ليست مجموعة من الخطب التي تبدأ بالوطن وتنتهي بالتضحيات.
الدولة هي أن يعرف المواطن ماذا سيحدث له غدًا.
أن يعرف الطالب أن هناك مدرسة.
وأن يعرف المريض أن هناك مستشفى.
وأن يعرف الموظف أن راتبه سيصل.
وأن يعرف المستثمر أن القانون يحميه.
وأن يعرف الصحفي أن اختلافه مع السلطة لا يجعله عدوًا.
وأن يعرف المواطن أن الشرطة موجودة لحمايته، لا لإخافته.
وحين تغيب هذه المعاني، تبدأ الدولة في التحول إلى شيء آخر.
تتحول إلى ماكينة خطاب.
وهنا يصبح الهاتف أهم من المؤسسة، والمنشور أهم من القرار، والناطق أهم من الموظف، والرد على الخصم أهم من حل المشكلة.
بدلًا من أن يكون لدى الدولة جهاز إداري يعمل بصمت، يصبح لديها جيش من الأبواق.
وبدلًا من أن تكون لديها مؤسسات تنتج السياسات، يصبح لديها أشخاص ينتجون التبريرات.
وبدلًا من أن تمتلك الدولة إعلامًا يشرح للمواطن ما يحدث، يصبح لديها خطاب تعبوي يريد من المواطن أن يصفق لما يحدث.
هذه ليست دولة.
هذه حالة سياسية تعيش على استمرار الأزمة.
ولذلك، فإن أخطر ما فعلته الحرب في اليمن ليس فقط أنها قتلت الناس ودمرت المدن وأفقرت المجتمع، بل إنها أعادت تعريف معنى النجاح والفشل.
أصبح السياسي الناجح هو من يستطيع أن يحشد.
وأصبح الإعلامي الناجح هو من يستطيع أن يهاجم.
وأصبح الناشط الناجح هو من يستطيع أن يصنع ضجة.
وأصبح المسؤول الناجح هو من يستطيع أن يبرر.
بينما اختفى السؤال الأهم:
ماذا فعلتم لبناء الدولة؟
هذا السؤال ينبغي أن يلاحق الجميع.
الحوثي الذي يتحدث عن الدولة وهو يمارس سلطة الأمر الواقع، مطالب بأن يشرح أي دولة يريد بناءها.
والقوى التي تتحدث باسم الشرعية مطالبة بالسؤال نفسه: أين هي الدولة التي تتحدثون باسمها؟
فالشرعية ليست اسمًا.
الشرعية وظيفة.
وإذا لم تتحول الشرعية إلى مؤسسات وقانون وخدمات وعدالة ومواطنة، فإنها تبقى مجرد عنوان سياسي.
وهنا أيضًا تظهر خطورة استخدام الحرب كذريعة دائمة.
كلما فشلت الإدارة، قيل: الحرب.
كلما انهارت الخدمات، قيل: الحرب.
كلما انتشر الفساد، قيل: الحرب.
كلما اختلف الناس، قيل: الحرب.
لكن الحرب نفسها تحتاج إلى من يسأل: من يديرها؟ ومن يستفيد منها؟ ومن يدفع ثمن استمرارها؟
نعومي كلاين تشير في «عقيدة الصدمة» إلى خطر اللحظة التي تصبح فيها الكارثة فرصة لإعادة تشكيل المجتمع، بدلًا من أن تكون مناسبة لإنقاذه وإعادة بنائه.
وفي اليمن، ينبغي أن نذهب أبعد من ذلك.
ينبغي أن نسأل: ماذا يحدث عندما تصبح الكارثة هي الحياة اليومية؟
عندما يولد طفل ولا يعرف اليمن إلا الحرب.
عندما يكبر شاب، فيرى أن السياسة تعني السلاح والخطاب والتحريض.
عندما يتعلم أن الوصول إلى السلطة لا يحتاج إلى مشروع، بل إلى جماعة مسلحة أو منصة إعلامية أو شبكة علاقات.
هنا لا تكون الخسارة في الحاضر فقط.
الخسارة الحقيقية تكون في المستقبل.
لأن الدولة لا تبنى فقط بالحجر والطرق والمباني.
الدولة تبنى أيضًا في عقل الجيل الجديد.
وحين يتربى جيل كامل على أن السياسة صراع دائم، وأن الخصم خائن، وأن الاختلاف عداوة، وأن الوطن شعار، وأن المؤسسة مجرد غطاء لجماعة، فإننا لا نكون قد خسرنا عشر سنوات من التنمية فقط، بل نكون قد خسرنا جزءًا من الخيال السياسي لجيل كامل.
وهذا أخطر بكثير.
الشباب اليمني لا يحتاج إلى مزيد من الأبواق.
يحتاج إلى جامعة.
لا يحتاج إلى مزيد من الخطب.
يحتاج إلى وظيفة.
لا يحتاج إلى مزيد من التعبئة.
يحتاج إلى دولة.
لا يحتاج إلى من يقول له من هو العدو كل صباح.
يحتاج إلى من يشرح له كيف يصبح مواطنًا حرًا قادرًا على صناعة مستقبله.
لقد تحولت وسائل التواصل الاجتماعي في اليمن إلى ساحة حرب موازية.
والمشكلة ليست في وسائل التواصل نفسها.
المشكلة أن بعض القوى السياسية تعاملت معها كأنها امتداد طبيعي لوظائف الدولة.
وهكذا أصبح الفضاء الرقمي غرفة عمليات للتعبئة، وتحول بعض المتحدثين إلى جنود بلا بنادق، مهمتهم مهاجمة الخصم، وتبرير الأخطاء، وتجميل العجز، وصناعة رواية يومية لا علاقة لها أحيانًا بحياة الناس الحقيقية.
يمكن للسلطة أن تربح معركة على فيسبوك.
لكنها لا تستطيع أن تبني مستشفى على فيسبوك.
يمكنها أن تسحق خصمها في التعليقات.
لكنها لا تستطيع أن تسدد رواتب الناس بالتغريدات.
يمكنها أن تنتصر في معركة خطابية.
لكنها لا تستطيع أن تصنع مستقبلًا لشاب يمني بلا عمل.
وهنا يجب أن نعيد تعريف المعركة.
المعركة الحقيقية في اليمن ليست فقط من يسيطر على هذه المدينة أو تلك.
المعركة الأهم هي: هل نستطيع أن نعيد اختراع فكرة الدولة؟
الدولة التي لا تحتاج إلى أبواق لأنها تمتلك مؤسسات.
الدولة التي لا تحتاج إلى خطاب تعبوي لأنها تمتلك إنجازًا.
الدولة التي لا تحتاج إلى تخويف المواطن لأنها تمنحه الأمان.
الدولة التي لا تطلب من الناس أن يحبوا المسؤول، بل أن يحترموا القانون.
الدولة التي لا يكون فيها المواطن تابعًا للحزب أو الجماعة أو القبيلة أو المنطقة، بل مواطنًا متساويًا أمام القانون.
اليمن لن يخرج من أزمته بمجرد تبديل الأشخاص.
ولن يخرج منها بمجرد تغيير الشعارات.
ولن يخرج منها بتغليب طرف على طرف إذا ظل مفهوم الدولة نفسه غائبًا.
لأن المشكلة ليست فقط في من يحكم.
المشكلة في الطريقة التي نفكر بها في الحكم.
إذا استمرت الدولة باعتبارها غنيمة، فسيبقى الصراع.
وإذا بقيت السياسة باعتبارها تعبئة، فسيبقى المجتمع منقسمًا.
وإذا بقي الإعلام باعتباره سلاحًا، فستبقى الحقيقة ضحية.
وإذا بقي الشباب مجرد وقود للصراع، فلن يكون هناك مستقبل حقيقي.
الدولة المارقة ليست بالضرورة الدولة التي تعلن تمردها على العالم.
أحيانًا تكون الدولة المارقة هي الدولة التي تتمرد على وظيفتها الأساسية.
الدولة التي تنسى المواطن.
الدولة التي تستبدل الإدارة بالتعبئة.
والقانون بالشعار.
والمؤسسة بالشخص.
والحقيقة بالبروباغندا.
والتنمية بالمعركة.
واليمن اليوم بحاجة إلى كسر هذه الدائرة.
بحاجة إلى أن يتوقف الجميع عن السؤال: من انتصر؟
وأن يبدأ السؤال الأصعب:
ماذا بقي من الدولة؟
وماذا سنترك للجيل القادم؟
فإذا كانت الحرب قد سرقت من اليمن سنواته، فلا ينبغي أن نسمح لها بسرقة مستقبله أيضًا.
المستقبل لا يبنى بالأبواق.
ولا تبنى الدولة بالأفواه التي تتقاتل على الشاشات.
الدولة تبنى عندما يصبح القانون أقوى من الجماعة، والمؤسسة أقوى من الشخص، والمواطن أهم من الخطاب، والمستقبل أهم من المعركة.
وعندها فقط يمكن لليمن أن يخرج من الصدمة.
ليس إلى انتصار طرف على طرف.
بل إلى شيء أكثر أهمية.
إلى دولة.



