النيابة الفرنسية تطالب بسجن نجلي صالح ومصادرة عقارات وأموال في باريس

اختتمت في العاصمة الفرنسية باريس، أمس الاثنين، محاكمة نجلي الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، أحمد علي عبدالله صالح وخالد علي عبدالله صالح، في قضية تتعلق بشبهات غسل أموال واستخدام أموال يُشتبه في ارتباطها باختلاس وفساد في اليمن لشراء واستثمار عقارات فاخرة في فرنسا.
وفي ختام المحاكمة، طلبت النيابة الوطنية المالية الفرنسية الحكم بالسجن لمدة خمس سنوات على أحمد علي عبدالله صالح، وأربع سنوات على شقيقه خالد، مع إصدار مذكرتي توقيف بحقهما، إلى جانب مصادرة العقارات والأموال محل القضية.
وتُعد طلبات النيابة، التي جاءت في الجلسة الأخيرة من المحاكمة التي بدأت في السابع من سبتمبر الجاري، تصعيدًا مهمًا في الملف، إلا أنها تظل طلبات ادعاء وليست حكمًا قضائيًا، إذ لم تصدر المحكمة قرارها النهائي بعد.
تركز القضية على أصول وعقارات في مناطق راقية من العاصمة الفرنسية، بينها شقق في ما يعرف بـ«المثلث الذهبي» في الدائرة الثامنة، بالقرب من قوس النصر والشانزليزيه.
وكانت التحقيقات الفرنسية قد تتبعت تحويلات مالية بعشرات الملايين من اليوروهات إلى حسابات في باريس، إضافة إلى عمليات شراء عقارية بمبالغ كبيرة، بينها عقار في شارع Tilsitt بالقرب من قوس النصر.
وبحسب التغطية الفرنسية، تشتبه النيابة في أن تلك الأموال كانت جزءًا من ثروة الرئيس اليمني الراحل، وأنها جرى غسلها عبر استثمارات وعقارات في فرنسا. وتقدر قيمة العقارات التي تدور حولها القضية بأكثر من 19 مليون يورو، فيما شملت التحقيقات أيضًا أموالًا في حسابات مصرفية وسيارة فاخرة.
النيابة: ثروة صالح نتجت عن فساد ممنهج
قدمت النيابة الفرنسية خلال مرافعتها الأخيرة روايتها بشأن مصدر الثروة، مستندة، بحسب ما أوردته وكالة فرانس برس، إلى تقديرات لجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة قدرت ثروة علي عبدالله صالح بما بين 32 و60 مليار دولار.
وترى النيابة أن هذه الثروة ارتبطت بسنوات طويلة من الفساد واختلاس الأموال العامة، وأن جزءًا منها جرى تهريبه واستثماره في دول عدة، بينها فرنسا.
واعتبر الادعاء أن الفارق الكبير بين الدخل الرسمي للرئيس اليمني السابق وقيمة الأصول التي جرى شراؤها في باريس يمثل مؤشرًا على عدم مشروعية مصادر الأموال.
وفي تعبير استخدمته النيابة خلال مرافعتها، كان صالح سيحتاج إلى «قرون من الرواتب المتراكمة» حتى يتمكن من شراء بعض العقارات محل القضية، بالنظر إلى دخله الرسمي المعلن.
الدفاع: لا دليل على أنها أموال عامة
في المقابل، رفض دفاع نجلي صالح الاتهامات، وتمسك بأن النيابة لم تقدم دليلًا ماديًا يثبت أن الأموال المستخدمة في شراء العقارات جاءت من أموال عامة يمنية جرى اختلاسها.
وبحسب ما نقلته الصحافة الفرنسية عن التحقيقات، كان أحمد علي عبدالله صالح قد قدم تفسيرًا لمصدر الأموال، مشيرًا إلى أنها جاءت، في جزء منها، على شكل هدايا من قادة خليجيين.
لكن النيابة ردت خلال مرافعتها بأن الدفاع لم يقدم ما يثبت حصول هذه الهبات.
وتبقى هذه النقطة واحدة من أهم نقاط الخلاف في الملف، إذ يتعين على المحكمة تحديد ما إذا كانت النيابة تمكنت من إثبات الصلة بين الأموال المستخدمة في فرنسا وبين الأموال التي يُشتبه في أنها نتجت عن فساد أو اختلاس في اليمن.
أحمد وخالد.. محاكمة غيابية
يحاكم أحمد وخالد صالح غيابيًا، إذ يقيمان في دولة الإمارات العربية المتحدة ولم يحضرا جلسات المحاكمة.
وكان أحمد علي عبدالله صالح قد تولى قيادة الحرس الجمهوري اليمني، فيما كان شقيقه خالد مرتبطًا أيضًا بالمؤسسة العسكرية، وتقول النيابة إن دور خالد في إدارة الأموال برز بصورة أكبر بعد تجميد أصول شقيقه أحمد بموجب العقوبات الدولية.
وطلبت النيابة، إلى جانب الأحكام بالسجن، إصدار مذكرات توقيف بحقهما، ما يجعل القرار القضائي المنتظر ذا أهمية خاصة بالنسبة إلى وضعهما القانوني خارج فرنسا.
القضية لا تقتصر على نجلي صالح
ويحاكم في القضية أيضًا عدد من الأشخاص الذين تتهمهم السلطات الفرنسية بالمشاركة في إدارة الأصول والثروة محل التحقيق.
وطلبت النيابة عقوبة بالسجن لمدة ثلاث سنوات مع التنفيذ الفوري بحق أحد المتهمين، الذي وصفته بأنه مستشار مالي ومدير لأصول أحمد صالح في فرنسا، فيما طلبت عقوبة أخرى بحق المسؤولة عن إدارة العمليات، إضافة إلى غرامة مالية ومنعها من العمل في قطاع العقارات.
تحمل القضية بعدًا يتجاوز الجانب الجنائي المتعلق بأفراد أسرة الرئيس اليمني الراحل.
فهي واحدة من ملفات «الممتلكات غير المشروعة» التي تتعامل معها السلطات الفرنسية لملاحقة الأصول الموجودة في فرنسا والتي يُشتبه في أنها اكتُسبت من أموال فساد أو اختلاس في دول أخرى.
وقد سلطت صحيفة «لوموند» الضوء على الجانب السياسي والاقتصادي للقضية، وربطت بين الاستثمارات محل التحقيق وبين طبيعة العلاقات التي كانت قائمة بين فرنسا ونظام علي عبدالله صالح، بما في ذلك العلاقات الاقتصادية والاستثمارية ومصالح شركات فرنسية في اليمن.
وتثير القضية، في هذا السياق، سؤالًا أكبر: كيف تحولت ثروات مرتبطة بنظام حكم استمر أكثر من ثلاثة عقود في بلد فقير مثل اليمن إلى أصول بملايين اليوروهات في قلب باريس؟
ماذا بعد؟
بانتهاء جلسات المحاكمة، بات الملف الآن أمام المحكمة لإصدار حكمها.
وحتى صدور الحكم، تظل جميع الاتهامات الموجهة إلى أحمد وخالد صالح موضع ادعاء ونزاع قضائي، ولا يمكن اعتبارهما مدانين بصورة نهائية.
وفي حال أخذت المحكمة بطلبات النيابة، فإن القضية قد تدخل مرحلة جديدة تتعلق بتنفيذ العقوبات ومصادرة العقارات والأموال، فضلًا عن تداعيات مذكرات التوقيف المطلوبة.
أما إذا رفضت المحكمة رواية الادعاء أو لم ترَ أن الأدلة كافية لإثبات مصدر الأموال وعلاقتها بالفساد أو اختلاس الأموال العامة، فقد تتخذ القضية مسارًا مختلفًا تمامًا.
وبين رواية النيابة التي ترى أن العقارات الباريسية تمثل جزءًا من ثروة غير مشروعة، ودفاع يؤكد عدم وجود دليل يثبت أن الأموال أموال عامة يمنية، تنتظر المحكمة الكلمة الأخيرة في واحدة من أبرز القضايا الفرنسية المرتبطة بثروة عائلة الرئيس اليمني الراحل.
الحكم المنتظر لن يحدد فقط مصير العقارات والأموال محل القضية، وإنما قد يشكل أيضًا محطة مهمة في مسار استعادة الأصول اليمنية الموجودة في الخارج، وفي الجدل حول مصير الأموال التي يُشتبه في أنها خرجت من اليمن خلال عقود الحكم السابق.



