طاهر شمسان والسُّؤال المفجع
لماذا تَشَظَّى اليمن، وانهارت دولته؟
هذا هو السُّؤال الذي طَرَحهُ الأستاذ طاهر شمسان في مبحثه المُهمّ، وَنُشِرَ في موقع «صحيفة النِّداء».
وَالسُّؤال -حَقيقةً- هو الجرح النَّازف في الجسد اليمني، وَالضَّمير المؤرق، وَالهَمِّ المُقِيم المُقعِد، والمبكي، والمميت.
بإدراك وطني وَحِسِّ رَفيع، يدرس الصَّحفي القدير، والباحث قضية القضايا، ومأساة تشظي اليمن، وانهيار دولته.
يدرس مسار الأزمة، ويُقسِّمها إلى ثلاثة محاور، وَسِتِّ مراحل، وخاتمة.
ويدرس الثنائيات: الملكية، والجمهورية، والاستقلال الوطني، وَالتَّبعِيَّة الإقليميَّة، والحداثة الإدارية، والبنيَّة الرَّيعِيَّة، والوحدة -كشعار-، وَالتشطير -كواقع-، والولاء للمؤسَّسَة، والولاء للجماعة، والوحدة كحل سِياسي؛ لا كمشروع دولة؛ وتناقضات ذلك.
والبحث تشخيص دقيق وشامل للأزمة اليمنية؛ منذ الانقسام إلى جمهوريين، وملكيين، ويستخدم «مصطلح الثَّنائيات» الذي يطبع الفكر العربي والإنساني كُلِّه.
والبحث جدير بالقراءة، والاتفاق، والاختلاف. فقضية تشظي الدولة، وانهيار الكيان اليمني، مأساة حقيقية؛ أفقدت اليمني مواطنته المنقوصة أصلًا، وَمَسَّتْ حتى رعويته، ومزقت هويته، واستلبت إرادته، وفرضت عليه المجاعة، والجهل، والمرض، وعزلته عن الحياة والعصر.
تطرح الورقة أسئلة: هل الكيان الذي قام بعد هزيمة الأتراك دولة بالتَّعريف العلمي في بلد منقسم، ومواطنته منقوصة، ولا يمتلكك مؤسسات دولة في المتوكلية اليمنية؟
وهل التَّسمية العِلمِيَّة: دولة، أم سلطة؟ والفرق بينهما. وقد أجابت الورقة على هذه الأسئلة في السُّطُور الأولى.
تشير الورقة إلى الانقسام الكبير؛ عقب ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962. ويربط الانقسام بولاءات أيديولوجية، واجتماعية. وهي سبب واقعي، وحقيقي، ولكن الأسباب أكثر من ذلك، ويتداخل البعدان: الإقليمي، والدَّولي.
تُحدِّد الورقة مشروع الدَّولة: «جمهوري، مدني، تحديثي». والواقع أنَّ السَّائد حينها نهج الثَّورات، والانقلابات العسكرية الخاضعة لهيمنة العسكر. والأنموذج مصر، وسوريا، والعراق عَربيًّا.
الدَّعم القومي المصري قوى هذا الاتجاه؛ ما خلق انقسامًا كًبيرًا؛ عَبَّرَ عنه صراع «الجمهوريين المنشقِّين»، وَأدَّى الـ 5 من نوفمبر 1967؛ وقد أشارت الورقة إلى ذلك.
تربط الورقة صِرَاع الجديد ضِدَّ القُوَى التَّقليدية بانسحاب الجيش المصري؛ عَقِب هزيمة 1967، وتَنصّ الورقة: «وخلال هذه المرحلة؛ وَتَحديدًا بعد انسحاب الجيش المصري من اليمن؛ إثر هزيمة يونيو حزيران 1967= كُتِبَ على القُوَى الجديدة أن تخوض معركة مزدوجة:
1. مع الملكيين من أجل الانتصار للثَّورة والجمهورية.
2. مع الجمهوريين التقليديين؛ من أجل تعريف الدَّولة الجديدة التي ستتأسَّس على أنقاض دولة نظام الإمامة».
والواقع أنَّه يمتد إلى البدايات لنشأة الأحزاب الحديثة، وَتَفجَّرَ بعد الثَّورة السبتمبريَّة 1962، وأخذ الأبعاد الأخطر بعد هزيمة 1967 كإشارة الورقة.
وَيَقينًا، فَإنَّ طبيعة الصِّرَاع الاجتماعي، والأيديولوجي، والسياسي موجود، قبل الثَّورة، وبعدها. وقد اتخذ بَعدَهَا البُعدَ الأخطر، وكان لِلصِّرَاع الإقليمي والدَّولي أثر كبير على اشتعاله بشكل أكبر.
قراءة الأستاذ الباحث والمفُكِّر السِّياسِي طاهر شمسان للمصالحة مع الملكية مائزة، وَمُهِمَّة، وقد أشارت إلى وضع قرار الدولة بيد مشايخ الضَّمَان.
والرأي صائب، ودقيق. والمهزلة أنَّ قرار هؤلاء المشايخ رَهنٌ بمكتب الأمير سُلطان بن عبدالعزيز؛ كما أنَّ كبار الضُّبَّاط قد تسابقوا مع مشايخ القبائل؛ لمنح الولاء للمكتب المذكور. وعندما استقال محسن العيني من رئاسة الوزراء؛ طَلبَ رئيس الجمهورية القاضي عبدالرحمن الإرياني من الفريق حسن العمري تشكيل الحكومة؛ فَردَّ عليه بأنه سيتصل بمكتب سلطان. فقال له القاضي: تطلب الإذن؟!
هذا ما تدونه «مُذكِّرَات القاضي عبدالرحمن الإرياني». والأخطر أنَّ المصالحة تضمنت في أهم ما تضمنت انتهاء الحرب الجمهورية- الملكية؛ بعد هزيمة الملكية، وتصالح الطرفين ضِدَّ الجنوب، وَضِدَّ أهداف مبادئ الثورة اليمنية: سبتمبر، وأكتوبر، وضد الحركة الوَطنِيَّة الحديثة.
وَيُشير مُحِقًّا إلى وقوع تجربة الجنوب في الانغلاق السِّياسِي. ويُضَاف إلى ذلك قسوة التأميمات التي طالت وأعاقت تَطوُّر الحياة الاقتصادِيَّة، والزِّرَاعِيَّة، وغياب الأفق الديمقراطي، وَالصِّرَاع.
تتحدث الورقة عن استيعاب الدولة للقبيلة، لا دمجها. والسؤال: ما هو الفرق بين الدَّمج والاستيعاب؟
فمعنى الاستيعاب أوسع وأشمل من الدمج. فالدَّمج معنى من معاني الاستيعاب المُتَّسِم بالعموميَّة، وَالشُّمول، والإحاطة، والفهم والإدراك في المعلومات والمعاني.
الورقة على جانب من الأهمية؛ لأنها تشخص أسباب ومسببات انهيار السُّلطة اليمنية، وَتُحوِّل اليمن- البلد الذي عرف الدَّولة قبل آلاف السنين، ونشر الحضارة والتجارة في الشرق والغرب، وَمَثَّلَ أحد أهمِّ الحضارات الإنسانية= صار في القرن الحادي والعشرين مَحكومًا بسلطات الأمر الواقع، ومليشيات.
إنَّ التَّحاور والنِّقَاش حول ما تطرحه الورقة مهم؛ لأهمية ما تدرسه، وتتغيا به الخروج من المحنة.



