لم يقل أحد: ابقَ

في الساعة الثالثة من الفجر، أمسك يوسفُ حقيبته البلاستيكية ومشى نحو الميناء. الفجر لا يزال يفاوضُ البحرَ على لون السماء.
لم يوقظ أمَّه التي ودَّعها قبل ثلاث ساعات، حتى لا ينهار ويتردد عن قراره.
قالت: "لا ترجع."
لأنَّ الرجوعَ إلى هذا الوطن موت.
ناولته ظرفاً فيه ما يسد رمق رحلته، جمعته من إبرة الخياطة، وثمن خاتم زواجها.
قبل شهر ذهب يوسفُ إلى المدرسة ليسحبَ ابنَه.
قال: أنا سأحميك من هذا المعلِّم.
قال الابن: "أبي، أنا أحبّ المدرسة. فقط لا تُعلِمهم أنّك أبي."
سأل: من عَلَّمك هذا؟
صمت الابن.
قبل سنة باع يوسفُ آخر قطعة أرض تركها له أبوه. جاءه رجلٌ ببدلةٍ ضيّقة، وكرش منتفخ، وعرض ثمناً لا يليق بحجم الجوع. لم يكن ثمناً لقطعة أرض؛ كان ثمناً لِخُنوع قَطعة مِن إنسان.
سأل يوسفُ نفسه: إذا كانت الأرضُ أغلى من الولد والأهل - كما يقول أبوه من قبره - فلماذا يبيعها؟
اتّصل به ابنُ عمِّه من وراء البحار:
وصلتُ يا يوسف! ابعَث لي أُختَك، عندي شقّة، وإقامة، والحمدُ لله العملُ كثير.
سمع يوسفُ صوتاً آخر إلى جوار صوتِ ابنِ عمِّه: بتعرف تَنَضِّف؟
فهم يوسفُ أنّ ابنَ عمِّه "وصل"، وأنّه في الطريق تحوّل من إنسانٍ إلى يدٍ عاملة تُسأَل: بتعرف تَنَضِّف؟
وفي نفس الساعة، في مكانٍ بعيد عن البحر جلس مسؤولٌ كبيرٌ أمام تقرير: "ارتفاعٌ ملحوظٌ في طلبات الهجرة، وطوفان من الهجرة غير الشرعية..."
قلبَ الصفحة. لم يقرأ الباقي.
قال لكاتمِ سرِّه: أطلب من التلفزيون أغنيةً وطنيةً الليلة، شيئاً عن الجذور والانتماء.
سكب كوباً ثانياً، وقال: من يترك وطنه لا يستحقه.
وفي مكانٍ آخر، وقف كريمُ بملفٍّ فيه شهاداتُه الجامعية، وصورةُ خطيبته، واتصالٌ من أمِّه لم يردَّ عليه بعد.
سأله الضابط: لماذا تريد السفر؟
أجاب: للدراسة.
قال الضابط وهو ينظر في الشاشة: المعذرة، غير ممكن. وأردف: لأنّ أصحابك هربوا بالآلاف.
نظر كريمُ للأرض. أحسَّ بخجلٍ شديد، يحمله نيابةً عن غرباء لم يقابلهم، تركوا وراءهم أبواباً موصدة في وجوه الذين سيأتون بعدهم.
وعند البحر، أخيراً وقف يوسفُ على الرصيف.
نفث دخان سيجارته نحو السماء المغبرة، وتذكّر أمه وهي تخفي دموعها كي لا تثنيه عن الرحيل.
أمُّه قالت: "لا ترجع."
أبوه من القبر قال: "الأرضُ أغلى."
ابنُ عمِّه من هناك قال: "ابعث أُختَك."
ابنُه من المدرسة قال: "لا تُعلِمهم أنّك أبي."
المسؤولُ الكبير قال: "حِب بلدك."
ولم يقل أحد: "ابقَ."
ركب يوسفُ القاربَ الصغير في الظلام وسط عشرات من الشباب والشابات والأطفال.
في جيبه صورةُ ابنه الذي سحبه من المدرسة إلى سوق العمل ليساعد أمِّه. وفي رقبته سبحةُ أمِّه.
وعلى شفتيه الآيةُ التي حفظها صغيراً ولم يفهمها إلا الآن: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾.
نظر إلى الأمواج العاتية كوحشٍ مفترسٍ يتهيأ للانقضاض عليه، وحاول ألّا ينظرَ إلى الخلف.
فالذين خلفه باعوه قبل أن يتركهم. وفي أذنه، آخرُ ما قالته أمُّه: "لا ترجع."
وسأل نفسَه السؤالَ الذي كان يخشاه أكثر من البحر:
"أنا الذي أهاجرُ يا ربّ، أم أنا الذي هُجِّرْتُ؟"



