تراتيل العواصم من المحيط إلى القيود
نحن الملوك
نعرف كيف نصنع من الشعب سجادة
نصلي فوقها باسم الوطن
ونمسح حذاء التاريخ بالبترول المبارك
نحن الأمراء
نلبس العقال على رأس واشنطن
ونتوضأ من وردة ولدت في تل أبيب
نعرف كيف نقنع الفقراء أن الجوع عبادة
وأن النفط لا يستخرج إلا بإذن الخليفة
وأن الحرية خيانة
وأن السؤال فتنة
نحن السلاطين
كتبنا البيان الأول باسم القمع
وجعلنا المخابرات وصيًا على وحي السماء
نصافح من يجلد أطفال جنين
ونفاوض على القدس كما نفاوض على موعد العشاء
نبارك التطبيع في نشرة الأخبار
ونبكي في خطبة الجمعة كأننا فقدنا الأندلس
نحن السلطة
نعرف كيف نبني القصور من دموع الأمهات
وكيف نغسل عارنا ببلاغة الشعراء الرسميين
ونعلق صورنا على صدور المدارس بدلًا من الخريطة
نحن الحكام
نعرف كل شيء
إلا الشعب
أنا الرباط
لم أربط الفرس في ساحة التحرير
بل ربطت الصمت على ألسنة الشهداء المعلقين في الذاكرة
وجهي بلا ندبة
لكنه مرآة لوطن تتكسر فيه العواصم كأصداف البحر
المحيط أمامي
لكنه لا يقول شيئًا
فقط يكرر أمواج الصبر
كأنه يحرس العرش من غضب الغارقين
بعت اللغة بالفصحى
لأشتري لهجة تجيد الركوع
فصرت أنشد للملك
وأنا أخنق القصيدة بكوفية مطرزة بالتطبيع
هل تعرفون محمد الذي صرخ في الشارع ذات مساء
لم يعتقل... لم يقتل
فقط صار لا يشاهد
أرسلوا لنا مساعدات من الخليج
ونسوا أن يسألوا
هل تأكل الشعوب الخطب
أنا الرباط
نائمة على سجاد شامي مستورد
أراقب مرآتي
لأتأكد أنني لا أبكي
أنا الجزائر
لا أنسى كيف نقش اسمي على صدور المجاهدين
ولا كيف زرع الفرنسي في أحشائي قنبلة وتركها تمضي
وطني شجرة زيتون اقتلعت
ثم أعادت جذورها إلى التراب ببطولة
أنا التي لم تنسَ الثورة
لكنهم طلبوا مني أن أنسى نفسي
لأشارك في مائدة الخطب
وأغني للجنرالات الذين لا يضحكون
وطني
يضع الكوفية على كتفه
ثم يخفيها تحت جاكيت مستورد من باريس
قالوا:
الديمقراطية مشوار طويل
لكنني أرى في كل خطوة قيدًا جديدًا
وفي كل صندوق اقتراع
بطاقة سفر نحو المنفى
أنا الجزائر
مازلت أحلم بعهد
لا يسمى فيه الشاعر متطرفًا
ولا الجائع مندسًا
على جداري صورة الأمير عبدالقادر
لكن تحتي خريطة خريطة ممزقة
من قال إن الثورة ماتت أو تموت
هي فقط أضاعت رقمها الوطني
أنا تونس
حدثت في مرآة التاريخ كثيرًا
فوجدت زهر الياسمين مغموسًا في وجع الأمهات
جاءني الربيع
كطفل يحمل في يده فوانيس
وفي الأخرى جرحًا لم يندمل
صفقوا لي
ثم سرقوا مقعدي باسم الثورة
وقالوا:
الكرسي يطهر الشرفاء من أفكارهم
أنا تونس
بين شارع الحبيب بورقيبة
ودم البوعزيزي
سقطت أوراق الشجر بلا خريف
ووقف المواطن حافيًا على حلم بلا ميزانية
ماذا بعد أن نطق الشعب
الصمت صار أكثر فصاحة
والبرلمان مسرح من خشب محترق
أنا طرابلس
لا أعرف كم بندقية سكنت صدري
ولا كم علمًا رفع فوق جثة الوحدة
حين أسير في شوارع نفسي
أصادف مليشيا تفتش عن الوطن
ثم تطلق النار على كل من يشبهه
لا برج في سمائي
بل قذائف تزاحم الأذان
وتحول المساجد إلى قاعات انتظار
لجنازات معلقة
من يحكمني
من يسأل هذا السؤال
يحاكم بتهمة التفكير
أنا طرابلس
أمشي على خرائط جديدة كل أسبوع
وأكتب اسمي على جدران تمحى
وتعاد كتابتها بمداد البنادق
لا تسألني عن المستقبل
فحتى الماضي
أطلقوا عليه الرصاص
أنا نواكشوط
أكتب شعري على الرمل
فيمحو الريح كل بيت قبل أن يقال
لا أحد يسمعني
لأن صوت الصحراء لا يسجل في نشرات الأخبار
ولا تذاع منه سوى عناوين التقارير الغريبة
هنا
تولد القبائل من جدل النسب
ويدفن المواطن في سؤال
من يكون؟
أنا التي تدرس جغرافيتي على أنها صمت
ولا يوزع الغضب فيها إلا على شكل مساعدات
خيمة تهتز عند كل تصريح
ومن يناديني يخطئ الهمزة
أنا نواكشوط
لست زائدة دودية
في الجسد العربي
بل الكتلة
التي لم تفتت
لأنها لا ترى
أنا الخرطوم
على ضفاف النيل ولدت
لكنني لا أعرف من أسقاني أول مرة
أمي أم البارود؟
نهران في صدري
يجريان دمًا لا يروى
وغضبًا لا يترجم إلا بانقلابات
أنا التي شربت الطباشير من لسان المدرسين
ولم أتعلم كيف أتهجى كلمة وطن
صوت الشارع عندي
لا يحتاج إلى مكبر
فحتى الأحذية هنا تهتف
قالوا لي:
اجلسي قليلًا على كرسي التاريخ
فجلست
ثم اكتشفت أنه كان فخًا من كرتون
أنا الخرطوم
وجه يجري فيه النيل دمعتين
ويد تلوح لكل قادم
بأن يكمل مسلسل الطعن
أنا القاهرة
من قال إن الفراعنة ماتوا
إنهم فقط بدلوا الأهرامات بالقصور
والناس بالأرقام في قوائم الأمن
نيل يبتسم
لكنه يعرف أن الجوع لا يروى بالماء
وأن المآذن التي ترتفع
لا ترفع الرأس
أنا التي درست الشعراء معنى الثورة
ثم علمتهم كيف يلقون القصائد داخل الزنازين
شارع محمد محمود لا يزال يحفظ أسماء الموتى
رغم أن الجدران طليت عشر مرات بلون رمادي
في المقهى
يتحدث المثقفون عن عبدالناصر
بينما يجيد الواقفون في الطابور كيف يلعنون أنفسهم
أنا القاهرة
مزيج الضحك والبكاء
فرح مرقط بالحذر
وطن تراقبه الكاميرات من كل زاوية
أنا القاهرة
هنا وقف الحرف حائرًا بين ناصر وتاجر
بين خطبة جمعة وقرار قرض عاجل
أنا القدس
لا أنتظر بيانات الشجب
ولا أحتاج لجنة دولية تفحص جثة طفل
أنا المدينة التي تصلي وهي تنزف
وتلد الشهداء بأسماء محفوظة في السماوات
كل حجر في يجيد أكثر من ثلاث لغات
العربية
العبرية
والصمت
فوق المئذنة أقف
لا لأؤذن
بل لأقاوم بصوت أعلى من القبعات الزرقاء
طرقي لا تقود إلى السلام
بل إلى اشتباك جديد مع الحنين
من يفاوض باسمي
هو لا يعرف لون تراب باب العمود
ولا طعم الهواء في أول أيام رمضان
أنا القدس
لا أوقع اتفاقًا
لا تبدأ فيه الورقة باسم الشهداء
أنا دمشق
من كان يظن أن الياسمين يصاب بالذعر
أن الأموي سيصلي وفي قلبه خوف من دعائه
لم يبقَ في الحارات سوى ظل الأبواب
ونداء قديم يعود وحده في المساء ليبكي
هل هذه التي كنا نسميها عاصمة
أم مقبرة تحاول أن تنكر شكلها؟
الكاميرات هنا لا تصور الأفراح
بل تنقل وجوه المفقودين
وأصوات الأمهات المخنوقة في الحناجر
صارت المدينة فوق كتف النعش
تقرأ الفاتحة على من يدفن بعد
وفي الساحات
تمشي تماثيل من كانوا أحياء
تحيي الجنرال وتموت من جديد
أنا دمشق
لا أطلب شيئًا
فقط
دعوني أنم ساعة دون قصف
أنا بغداد
كنت أسمّى مدينة الشعراء
فصرت دفترًا ممزقًا
يكتب عليه المحتل ملاحظاته الأخيرة
دجلة مازال يجري
لكنه لا ينشد
بل يهمس بأسماء الذين سقطوا من الجسر بلا وداع
هل تذكرون مكتبة الرشيد
كانت تضيء
ثم جاؤوا وأحرقوا الضوء أولًا
هنا
كل شارع يؤدي إلى حقل ألغام اسمه الذاكرة
حكموني بالدم والدستور
ثم اختلفوا على ترتيب الجنازات
أنا بغداد
لم أعد أكتب القصيدة
بل أدفن حروفها
في قبور بلا شواهد
أنا عمان
مدينتان في جسد واحد
واحدة تبتسم للملوك
وأخرى تبكي على أطلال الأحلام
هنا الحصون تعلم الناس كيف يصمتون
والناس يتعلمون كيف يخفون الكلمات خلف النظرات
أنا التي تمنيت الحرية
لكنها صارت سجنًا بلا أبواب
كل صباح أرتدي العباءة والأمل
وأمشي في أسواق لا تعرف سوى الصمت كعملة
في قصص العشاق هنا
تنحني القلاع أمام خيبة الانتظار
وقلوب الناس تعزف على أوتار الغربة
أنا عمان
حيث يختلط الخوف بالأمل
والملك والحلم
يتصافحان في صمت
أنا بيروت
لا تعرف كيف تضحك
لكنها تجيد البكاء في منتصف الليل
هناك حيث تتساقط الجدران
تعود الكلمات للرقص فوق أنقاضها
كأنها تمارس طقوس البقاء
سمائي ملبدة بسحب من دخان
وأحبتي يمشون على جمر
لا يهمني أن كان القصف قد توقف
فهناك ألغام بين الأصدقاء
وبين الشتات شتات نفسي
أنا بيروت
مدينتان في جسد واحد
واحدة تحب الحياة
والأخرى تودعها كل لحظة
كل انفجار يعيدني إلى اسمي
ولكنني أخاف أن أنسى
وأن تتحول الأسماء إلى رماد
أنا الرياض
مدينة لا تسمع سوى صوت الرمال
وصمت السلطان الذي يراقب الجميع من فوق قلاع السلطة
نفط يسيل تحت قدمي
لكنه لا يروي ظمأ الشعب
في أسواق المدينة
تباع الحرية بالرايات
ويشترى الصمت بثمن باهظ
الكوفية والعمامة هنا أزياء
لكنها لا تخفي حقيقة الرعب المعلن
أنا الرياض
حيث التواطؤ لعبة كبرى
والكرامة لا تمس
أنا أبوظبي
صمت الغاز يتردد في أزقتي
والمال يخفي وجوه المخابرات
هنا الكياسة تلبس عباءة القوة
والتطبيع صار عادة يومية بلا سؤال
كل منصة تقام
تذكرني بأنني قطعة صغيرة في لعبة ضخمة
لا تعرف قواعدها إلا للمنتصرين
أنا أبوظبي حيث يباع التاريخ بصفقات سرية
وتدفن الأصوات خلف أقنعة مزيفة
أنا المنامة
بين صخب الأسواق وصمت الأجنحة
ينسج الخوف ثوبه من خيوط التواطؤ
هناك لا يطرح السؤال
لأن الجواب يكتم قبل أن يولد
تحت بريق الأبراج
تدفن القصص في زوايا المقاهي
ولا يسمع سوى همسات العيون المراقبة
أنا المنامة
مدينة لا تعرف كيف تنام
لأنها تخاف أن تستيقظ
أنا مسقط
حيث الخيام
ترفرف على نسمات البحر
لكن الريح لا تحمل سوى صدى الصمت
السلطان هنا صامت
كصخرة في وجه الزمن
يحرس الأسرار
ويغلق الأبواب
لا يسمح لي أن أغادر الماضي
فهو المربوط بالسلاسل التي لا ترى
أنا مسقط
بين البحر والصحراء
أنتظر أن يولد صوت جديد
يكسر قيودي ويحيي الخيام
في الظلام تنسج المؤامرات
ومن لا يملك وجهًا لا يرى
يملك أنفًا يشم رائحة الخيانة في كل الزوايا
المخابرات ليست بشرًا
بل ظلال تلصق بالمواطن جبينه
وتزرع في قلبه قنبلة خوف متفجرة
هنا الكلام مراقب
والسكوت إدانة
أمام محكمة اللاوعي
من يخيرنا بين حريتنا وسكينه
والمسرح مملوء بالدمى
كل يحركها من خلف الستار
بسلاسل من التواطؤ والصفقات
لا مكان هنا للعدالة
فالتواطؤ يزرع أشواكًا على طرقات الحقيقة
ويقتل فينا أحلام اللقاء
صمت الحكام أبلغ من صراخ الثائرين
وهو نفق مظلم يقفل عليه كل صوت مخالف
في كل صفقة
تباع القيم على مائدة خفية
ويمنح الموت تأشيرة المرور
والتواطؤ هنا ليس جريمة فقط
بل وعد مكتوب بالدم في كتب التاريخ المخفي
نحن الذين خرجنا من مدننا بلا مفاتيح
دخلنا القصيدة لنسكنها
فهل بقيت لنا عاصمة
سوى الكلمة
يا رب
أنقذنا من الشاعر الأخير
أنا الذي دونت أسماء العواصم على جدار القلب
لا الخارطة
وكتبتها بالحبر المر
لا بالحبر السياسي
أنا ابن هذا الركام
من نواكشوط حتى مقديشو
ما مررت بعاصمة إلا ووجدتها
إما مقهورة أو ممكيجة ببلاغة التطبيع
رأيت القاهرة تغرق في شعر نخبتها
والرياض نخبئ جبينها لرمل لا ينبت إلا النسيان
القدس تصلي وحيدة
وبغداد تصنع من الطائرات مآذن
وصنعاء تنام تحت جناح صاروخ لا يعرف الأمومة
هل نملك غير القصيدة
هل نعيد العواصم إلينا أم نعيد أنفسنا إليها
يا قدس من بين كل العواصم أنت الوحيدة
التي مازلت تصلي
أنا العربي
الموزع ما بين قصيدة ومخابرات
أدون أسماء العواصم في دفتري
كأني أكتب شواهد قبر أمتي



