السبت 12 سبتمبر 2026

متى أصبحنا نخجل من الطيبة؟

متى أصبح وصف الإنسان بأنه "طيب" يحمل أحيانًا نبرة خفية من الشفقة أو شيء من التهكم؟
وكأن الطيبة تعني أنه لا يفهم الناس جيدًا، أو أنه قابل للاستغلال، أو أنه لم يتعلم بعد كيف يحمي نفسه من قسوة الحياة. وكأن الذكاء يحتاج إلى قدر من الجفاء، والقوة تحتاج إلى شيء من الخشونة، والنجاح لا يكتمل إلا حين نتعلم كيف نغلق أبوابنا في وجه الآخرين.

ربما لهذا أصبح بعضنا يتردد قبل أن يظهر لطفه. يخشى أن يبالغ في السؤال عن حال شخص حتى لا يبدو متطفلًا، أو أن يبادر بالمساعدة حتى لا يُساء فهمه، أو أن يسامح حتى لا يظن الآخرون أنه ضعيف. وأحيانًا نتعلم، مع مرور الوقت، أن نخفي جوانبنا الأكثر إنسانية وراء قدر من الصلابة المصطنعة.
لكن هل الطيبة فعلًا هي المشكلة؟
أم أن المشكلة في الطريقة التي أصبحنا نفهم بها القوة؟
نحن نخلط أحيانًا بين الطيبة والسذاجة، مع أن الفرق بينهما كبير. الطيب ليس هو من لا يرى الخطأ، بل من يراه ولا يسمح له بأن يحوله إلى نسخة أكثر قسوة من نفسه. وليس هو من يقبل أن يُساء إليه بلا حدود، بل من يعرف كيف يضع حدوده من دون إذلال، وكيف يرفض من دون إساءة، وكيف يحافظ على احترامه لنفسه من دون أن يفقد احترامه للآخرين.
والطيبة لا تعني أن نثق بالجميع، ولا أن نبرر كل تصرف، ولا أن نتنازل عن حقوقنا. يمكن للإنسان أن يكون حازمًا وطيبًا في الوقت نفسه. يمكن أن يقول "لا" من دون أن يجرح، وأن يختلف من دون أن يهين، وأن يدافع عن حقه من دون أن يسلب الآخر كرامته.
ربما أكثر ما نحتاج إلى مراجعته هو اعتقادنا أن القسوة تحمينا دائمًا.
فبعض القسوة لا تحمينا بقدر ما تعزلنا. وحين نعتاد النظر إلى كل علاقة باعتبارها ساحة محتملة للاستغلال، يصبح الشك أسلوب حياة ويصبح سوء الظن هو التفسير الأسهل. نقترب من الآخرين بحذر زائد، ونفسر الكلمات بأكثر معانيها سوءًا، ونتردد في المبادرة، ثم نشكو بعد ذلك من برودة العلاقات وغياب الثقة بين الناس.
الثقة لا تُبنى بالخطب الكبيرة. تبدأ غالبًا من أشياء صغيرة جدًا: شخص يفي بوعده، موظف يعامل المراجع باحترام، جار ينتبه لحاجة جاره، كبير يصغي لصغير من دون استهزاء، أو إنسان يقدم معروفًا من غير أن يحوّله إلى دين ينتظر سداده.
وهذه الأفعال قد تبدو عادية، لكنها هي التي تجعل الحياة محتملة.
فالإنسان لا يعيش فقط بما يحصل عليه من مؤسسات وقوانين وخدمات، بل أيضًا بالطريقة التي يعامله بها الناس في التفاصيل اليومية. كلمة طيبة في وقتها قد لا تحل مشكلة كاملة، لكنها قد تجعل حملها أخف. والاهتمام الصادق قد لا يغير ظروف إنسان، لكنه يذكره بأنه ليس مجرد رقم يمر في حياة الآخرين.
وتبدأ الطيبة، كما تبدأ كثير من القيم، من البيت.
فالطفل لا يتعلم الرحمة من تعريفها، بل من الطريقة التي يرى بها والديه يعاملان من هو أضعف منهما. يتعلمها حين يسمع كيف نتحدث عن العامل، وكيف نعامل من يخطئ، وكيف نتصرف مع من لا نستفيد منه، وكيف نختلف مع بعضنا داخل الأسرة.
قد نقول لأطفالنا عشرات المرات إن عليهم احترام الآخرين، لكنهم سيفهمون معنى الاحترام حقًا حين يروننا نمارسه مع من لا يملك سلطة علينا ولا يستطيع أن يقدم لنا شيئًا في المقابل.
وربما لهذا لا تكون الطيبة مسألة شخصية فقط.
فعندما تصبح الرحمة والاحترام والاهتمام بالآخرين جزءًا طبيعيًا من سلوك الأفراد، يتغير شكل المجتمع نفسه. تقل المسافات بين الناس، ويصبح طلب المساعدة أقل إحراجًا، ويصبح الاختلاف أقل قسوة، وتكبر مساحة الثقة التي تسمح للناس بأن يعيشوا معًا براحة أكبر.
لسنا بحاجة إلى مجتمع من أشخاص يتفقون في كل شيء. لكننا بالتأكيد بحاجة إلى مجتمع يعرف أفراده كيف يحافظون على إنسانية بعضهم حتى حين يختلفون.
وقد تكون إحدى المشكلات أن الطيبة عادة لا تصنع ضجيجًا. لا تُلتقط لها الصور دائمًا، ولا تصبح حديث المجالس. الإنسان الذي يساعد شخصًا بصمت قد لا يعرف به أحد، والذي يختار ألا يرد الإساءة بإساءة قد يبدو وكأنه لم يفعل شيئًا.
لكن كثيرًا من الأشياء التي تحفظ العلاقات لا يراها أحد.
وربما لهذا يستحق أن نعيد الاعتبار إلى تلك الأفعال الصغيرة التي لا تمنح صاحبها لقبًا ولا شهرة، لكنها تجعل المكان من حوله أكثر لطفًا.
فالطيبة ليست أن تكون أقل وعيًا بالحياة، بل أن تراها بوضوح ومع ذلك تختار ألا تجعل قسوتها تكتب شخصيتك.
وليست ضعفًا في مواجهة الآخرين، بل قدرة على ألا تفقد أفضل ما فيك بسبب أسوأ ما قد تراه منهم.
ولعل السؤال الحقيقي ليس: هل ما زالت الطيبة تصلح لهذا الزمن؟

بل: كيف سيكون هذا الزمن لو قرر كل واحد منا أن يخجل من قسوته، بدل أن يخجل من طيبته؟