السبت 12 سبتمبر 2026

قلعة طارق التي لم تصمد

طارق صالح وريث حالة سياسية أكثر من كونه صاحب فكرة. حالة اسمها "النظام السابق" أعادت تدوير نفسها في زي جديد بخطاب أقل صخباً، وطموح يحاول أن يبدو وطنياً من دون أن يتخلى عن جذوره العائلية. ظهر بعد مقتل عمه وهو يعرف أن زمن الخطابة انتهى، فاختار لنفسه مساحة أضيق يتحدث فيها عن الجمهورية بقدر محسوب، ويترك للوقت مهمة تقديمه كرجل تعلّم من الهزيمة.

هذه الطريقة في الظهور خدمت طارق لسنوات. لم يكن بحاجة إلى مشروع سياسي واضح بقدر حاجته إلى موقع مناسب داخل شبكة القوى اليمنية. لا يحمل كاريزما العم ولا فظاظة الخصوم، ولا حتى فوضى الجنرالات الجدد. هو ابن مدرسة قديمة في السياسة، تقوم على البقاء داخل اللعبة حتى حين تتغير قواعدها. تحرك ضمن حدود ضيقة اسمها “المخا”، كأنها قلعة عائمة في بحر متلاطم من المصالح، تعامل معها كأنها دولة مؤقتة لا يسمح لها بالاتساع ولا بالانكماش.
المخا كانت المكان الأنسب لهذه المدرسة. مدينة ساحلية صغيرة تحولت تدريجياً إلى مركز عسكري وسياسي، وتجمعت حولها القوات والأسلحة والمواقع، ثم أخذ اسم طارق يرتبط بها حتى بدا الرجل جزءاً من جغرافية المكان. الدعم الإماراتي منح قواته الإمكانات والغطاء، وظهرت "المقاومة الوطنية" كقوة لها تنظيمها. كانت الصورة مكتملة إلى حد كبير، وظل السؤال الحقيقي مؤجلاً إلى اللحظة التي يصبح فيها الدفاع عن المدينة أهم من عرض القوة حولها.
ثم جاءت المخا لتختبر كل ما قيل عن القوة. صباح العاشر من سبتمبر كانت المدينة قد وصلت إلى تلك اللحظة التي تبدأ فيها الجغرافيا بسحب البساط من السياسة. دخل الحوثيون المدينة والميناء، وانتهت سنوات من تثبيت المخا كقاعدة لنفوذ طارق صالح.
غادرت القوات باتجاه الجنوب، وظهر طارق يتحدث عن إعادة ترتيب الصفوف ونقل مركز القيادة إلى موقع أكثر أمناً. سُمّي الأمر انسحاباً تكتيكياً، وهي عبارة لطيفة في قاموس الجيوش، تصلح حين تحتاج الخريطة إلى تفسير أقل إيلاماً من حقيقتها. فالمدينة التي كانت عنواناً للقوة أصبحت خارج السيطرة، والقوات التي صنعت حضورها فيها صارت تبحث عن مكان آخر أكثر أمناً.
تبدو حكاية السقوط أكثر تعقيداً من صورة مدينة فتحت أبوابها بلا قتال، وأقسى من الرواية التي تمنح الانسحاب معنى انتصار محسوب. وهنا بدأت صورة القوات المرتبطة بطارق تتغير. خسارة المخا أخذت معها جزءاً من الصورة التي أحاطت بطارق طوال سنوات. المكان الذي أعطى لقواته معناها خرج من يده. سنوات كاملة بُني فيها النفوذ حول مدينة محمية بالدعم والسلاح والغطاء السياسي، صنعت انطباعاً بقوة قادرة على خوض حرب طويلة، ثم وجدت هذه القوة نفسها أمام مهمة أكثر صعوبة وهي الاحتفاظ بالمدينة التي صنعت اسمها.
الرجل الذي استطاع أن يحافظ على موقعه السياسي من دون إعلان مشروع مكتمل وجد نفسه أمام مدينة تحتاج إلى مشروع دفاعي، وجبهة تحتاج إلى قيادة موحدة، وقوة تحتاج إلى تعريف جديد لوظيفتها. المخا كانت تكفي لتفسير وجود طارق، ثم جاءت خسارتها لتجعل وجوده نفسه بحاجة إلى تفسير.
المخا التي أعطت طارق هيئة القوة أصبحت أول مكان يسأله عن مضمونها. وهذا هو الجزء الأكثر إحراجاً في الحكاية. حين كان المكان آمناً، بدا المشروع كأنه مؤجل إلى وقت مناسب. وحين احتاج المكان إلى مشروع يحميه، كان الوقت قد وصل بالفعل. هذه ليست نهاية طارق، لكنها لحظة خرج فيها من المخا شيء أكبر من القوات التي انسحبت منها. خرج معها جزء من الصورة التي بُني عليها الرجل خلال سنوات.